Jan 04, 2022
٢٠٢١... حصاد الحرب والمجاعة في اليمن!

٢٠٢١.. حصاد الحرب والمجاعة في اليمن! - مصطفى نصر


في حين تراوح الجهود الدبلوماسية من أجل السلام في اليمن مكانها، وتزداد حدة المواجهات المسلحة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا من جهة وجماعة الحوثي المسلحة من جهة أخرى؛ تفاقمت حدة الازمة الإنسانية واستمرت الحياة الاقتصادية تدهورا حيث شهد الريال اليمني تراجعًا وصل إلى أكثر من 175 بالمئة خلال العام 2021م مقارنة بالعام السابق، ما أشعل أسعار السلع والخدمات وازدادت الحالة الإنسانية صعوبة في بلد يصنف بأنه يعيش تحت وقع أسوأ ازمة إنسانية في العالم. 



مع نهاية العام 2021م بدأت حالة التفاؤل بتعيين مبعوث دولي جديد إلى اليمن بالتلاشي تدريجيًا. بعد خمسة أشهر من تعيين الدبلوماسي السويدي هانز جروندبرج، لشغل منصب المبعوث الخاص إلى اليمن خلفًا للبريطاني مارتن غريفيث، الذي أنهى مهامه آخر يونيو/ حزيران الماضي لم يتم تحقيق أي تقدم يذكر، بل زادت حدة الصراع المسلح بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي المسلحة لاسيما على حدود مدينة مارب أحد المعاقل المهمة للحكومة والتي تعتبر أحد الملاذات الامنة للملايين من المعارضين لجماعة الحوثي في الوقت الراهن. 



وينطلق المبعوث الدولي الجديد من رؤية جديدة تعتمد على الحل الشامل حسب وصفه، اذ يؤكد أنه لم تجر عملية حوار شامل في اليمن منذ عام 2016م، رغم تعاقب أكثر من أربعة مبعوثين دوليين لليمن منذ بدء الحرب في 2015م، الا أنه من الواضح ان تقاطع المصالح الإقليمية والدولية في اليمن يعد أحد العوامل المؤثرة بصورة سلبية في الازمة اليمنية، و ان مفتاح الحل لم يعد يمنيًا خالصًا. 



شكلت المواجهات المسلحة في مأرب واستكمال سيطرة جماعة الحوثي على محافظة البيضاء – وسط اليمن – وأجزاء من محافظة شبوة المحاذية لها، وانسحاب القوات المشتركة التي يقودها ابن اخ الرئيس السابق علي عبدالله صالح من محيط محافظة الحديدة في الساحل الغربي لليمن من طرف واحد والعودة مائة كيلو متر إلى الوراء  ابرز التطورات  العسكرية ميدانيًا في اليمن، حيث بات واضحا بأن جماعة الحوثي تتفوق عسكريا على خصومها في ظل عدم وضوح الرؤية العسكرية للحكومة وحلفاءها أي ما يسمى " التحالف العربي لدعم الشرعية " بقيادة المملكة العربية السعودية وحليفتها الامارات العربية المتحدة.



داخليًا مثلت الصراعات الداخلية بين مكونات تحالف الشرعية " المكونات المدعومة من قبل السعودية والامارات " أحد أبرز ملامح العام، اذ ما تزال الحكومة اليمنية المعينة من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي تتمتع بحضور شكلي في العاصمة المؤقتة عدن التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال الجنوب، وتقضي معظم وقتها في مقر اقامتها بالرياض إلى جانب الرئيس هادي الذي لم يعد إلى اليمن منذ سنوات! وتغيب وحدة القرار في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة اذ تتجاذبها اطراف ومشاريع متعددة وتتسم بعدم الانسجام.



وفي الشأن الاقتصادي مثل الانقسام النقدي في اليمن أحد أبرز الملامح الاقتصادية في البلد، اذ يتنازع القطاع المصرفي بنكين مركزيين، البنك المركزي اليمني المعترف به دوليًا ومقره عدن والبنك المركزي في صنعاء الواقع تحت سيطرة جماعة الحوثي، والمؤسف ان ذلك الانقسام انعكس على سعر العملة والسياسة النقدية ككل. ويمنع بنك صنعاء التعامل بالفئات النقدية المطبوعة حديثا من قبل البنك المركزي في عدن الامر الذي خلق حالة من الانفصام بين العملة اليمنية الريال، حيث تتم عملية التداول بالعملة القديمة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي شمال ووسط وغرب اليمن وبما يعادل 600 ريال للدولار الواحد في حين يتم تداول العملة المطبوعة حديثا في مناطق سيطرة الحكومة بسعر 1000 ريال للدولار الواحد - ساعة كتابة هذا المقال- علما بأن السعر متذبذب وغير مستقر!



وتسبب هذا الانقسام إلى جانب عوامل أخرى كاستمرار الحكومة تغطية العجز من خلال طباعة العملة وانتهاء الوديعة السعودية المقدرة بـ 2 مليار دولار وتوقف القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، والاختلالات في البنية المؤسسية للحكومة والعجز عن استقطاب وتوحيد الاوعية الضريبية والجمركية تسبب في تردي كبير لسعر العملة المحلية وزيادة كبيرة في التضخم واسعار السلع والخدمات. 



ورغم حالة التحسن النسبي الذي حدث مؤخرا في سعر العملة عقب قرار تغيير قيادة البنك المركزي اليمني في عدن إلا انه حتى الان لا توجد مؤشرات واضحة على استقرار سعر العملة اذ تمتنع المملكة العربية السعودية عن تقديم وديعة أخرى لأسباب بعضها سياسي والبعض الاخر مرتبط باشتراطات حول أداء الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني وشبهات الفساد التي أثيرت على نطاق واسع خلال الفترة الماضية.



ومن الصعب الفصل بين تلك التطورات في الجانب الاقتصادي عن السياق السياسي وصراع النفوذ في اليمن. إذ تبدو الحكومة اليمنية هي الحلقة الأضعف، حيث تتحول تدريجيا إلى إدارة ضعيفة وعاجزة وتتلقى أوامرها بشكل مباشر من المملكة العربية السعودية ولا يختلف الامر كثيرا عن جماعة الحوثي التي تعد ذراع إيران في الجهة المقابلة!



وفي خضم هذا الواقع السياسي والعسكري المعقد يواجه المواطن اليمني ازمه اقتصادية مستفحلة. وكنتيجة لانهيار سعر العملة اليمنية الريال أصبح ما يتقاضاه الموظف لا يتجاوز أربعون دولارا في الشهر كمتوسط في حين يعاني اغلب الموظفين العموميين في مناطق سيطرة جماعة الحوثي من عدم استلام المرتبات منذ أربعة أعوام. ويعاني معظم الشباب اليمني من البطالة الامر الذي يهيئ الفرصة لمزيد من التجنيد والتحشيد للقتال وانتعاش اقتصاد الحرب. 



ويمثل اقتصاد الحرب السمة الأبرز في المشهد الاقتصادي اليمني حيث برزت شركات برؤوس أموال ضخمة تدير استيراد المشتقات النفطية وتستثمر في العقارات والاتصالات ومولات التسوق وتجارة السلع والخدمات الاغاثية التي تمولها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في اليمن. ويعد هذا النشاط الاقتصادي الواجهة الخلفية للمتحكمين بالحرب وتطوراتها والمستفيدين منها.



خلفت الحرب على مدى سبعة أعوام كوارث اقتصادية وإنسانية، وكل يوم تقريبا يفقد مواطنين يمنيين قدرتهم على الحصول على مأوى وينتقلون لحياة التشرد والفاقة، فخلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر فقط نزح أربعة وستون ألف نازح جراء المعارك الدائرة في محيط محافظة مأرب وفقا لتقرير منظمة الهجرة الدولية، وخمسة وعشرون ألف نازح في محافظة الحديدة خلال شهر نوفمبر فقط. ووفقا لتصريح لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن فإن حوالي 50 ألف يمني يعيشون بالفعل في ظروف شبيهة بالمجاعة، فيما يبعد 5 ملايين شخص خطوة واحدة عن هذا الوضع.



ومقابل هذه الفاتورة الباهظة للحرب فإن اهتمام المجتمع الدولي باليمن بدأ بالتضاؤل أيضا اذ عبر الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش عن خيبة امله عقب مؤتمر المانحين لجمع التبرعات لتمويل عمليات الإغاثة في اليمن 2021م حيث بلغ اجمالي التبرعات مليار وسبعمائة مليون دولار فقط مقارنة مع ثلاثة مليار وثمانمائة مليون دولار كانت الأمم المتحدة تسعى للوصول إليها من خلال المؤتمر الذي نظمته بالشراكة مع سويسرا والسويد. 



إن تضاءل مساحة التفاؤل بالوصول إلى وقف الحرب في اليمن في المرحلة الراهنة يفرض علينا التفكير في خلق معطيات جديدة على المستوى المحلي والإقليمي لأحداث تحولات إيجابية. يتطلب الامر بروز قيادة محلية تتمتع بالشرعية الشعبية وتمتلك حرية اختيار القرار والمضي نحو الامام بما يخدم مصلحة اليمنيين بالدرجة الأولى مع إيجاد صيغة للتفاهم في طبيعة العلاقات الإقليمية والدولية.



اصلاح الشأن الاقتصادي والإنساني لابد أن ينطلق من إعادة ضبط البوصلة الوطنية واحداث اصلاح سياسي ومؤسسي فمن غير المنطقي ان تظل سلطة القرار مختطفة لدى قوى إقليمية ودولية أو عبر وكلاء يجاهرون بانتماءاتهم للخارج على حساب مصالح شعب يكتوى بنار الحرب وتداعياتها.



مصطفى نصر - رئيس مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي في اليمن