Jan 23, 2026
الحق في الماء والتغير المناخي في تونس
حسين الرحيلي
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حسين الرحيلي
هذا البحث هو جزء من تقرير الراصد العربي ٢٠٢٥ عن الحق في المياه وتغيّر المناخ.

الحق في الماء والتغير المناخي في تونس

د. حسين الرحيلي

يمكنم تحميل التقرير كاملًا عبر الضغط هنا.


تمهيد:

يمثّل الحق في الماء أحد أهمّ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان. فقد أجمعت مختلف العهود الدولية والدساتير على كونيّة هذا الحق وضرورته الحياتية. لذلك، لا يُعدّ ضمان هذا الحق منّة من الحكومات أو الدول، بل هو واجب تُحتّمُه كرامة المواطنين وحقّهم في الحياة.


إلّا أنّ هذا الحقّ الكوني أصبح في السنوات الأخيرة مهدَّدًا تحت تأثير شحّ المياه المرتبط أساسًا بالتغيّر المناخي، ولا سيّما في دول حوض البحر الأبيض المتوسّط. فقد أصبح المواطن التونسي، على سبيل المثال، يعيش منذ 30 مارس 2023 وفق نظام القطع الدوري لمياه الشرب، وذلك بناءً على رزنامة محدّدة.


في السياق عينه، أقرّت الحكومة العديد من الإجراءات التقييدية على استعمال المياه في بعض الخدمات التي تعتمد عليها، مثل غسل السيارات، وصيانة المناطق الخضراء، والمتنزّهات العامة، وغيرها من المرافق التي تؤثّر بشكل مباشر أو غير مباشر في إطار عيش السكان ونظافة محيطهم. وقد امتدّت تأثيرات نقص المياه إلى القطاع الفلاحي أيضًا، حيث اتخذت السلطات التونسية إجراءات بقطع المياه عن المناطق السقوية وعن صغار الفلّاحين الذين يستغلّون مساحات محدودة من الأراضي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم وحياة أسرهم.


السياق الوطني العام لمشكلة المياه في تونس

أصبح الحقّ الكوني في الماء بالنسبة للمواطن مهدَّدًا، وبدأ آلاف الفلّاحين الصغار يفقدون القدرة على استغلال أراضيهم الزراعية بسبب شحّ الموارد المائية وسياسات قطع المياه. وفي المقابل، تواصل أجهزة الدولة دعم الإنتاج الفلاحي الاستهلاكي للمياه والموجَّه للتصدير، بما يخدم مصالح رأس المال المحلي والأجنبي.


ليست هذه السياقات الوطنية العامة التي نعيشها اليوم في تونس وليدة الصدفة، بل هي نتيجة حتمية لسياسات وخيارات وتوجّهات سياسية واقتصادية واجتماعية وتشريعية امتدّت لأكثر من ستين عامًا، وكانت موجَّهة في أغلب الأحيان بشروط وتعليمات ورؤى الجهات المانحة للقروض والمساعدات المالية. ويُضاف إلى ذلك ما تسبّبه التحوّلات المناخية من تأثيرات مباشرة في الموارد المائية في مختلف دول العالم.


وقد أكّد التقرير الوطني حول المياه في تونس لسنة 2023، الصادر عن وزارة الفلاحة والموارد المائية، أنّ التساقطات المطرية تراجعت بنحو 20% بين سنتي 2020 و2023، ما أثّر مباشرة على إيرادات السدود. وقد انعكس ذلك على استدامة التزوّد بمياه الشرب، ولا سيّما بالنسبة لسكان 13 محافظة.


كما يتمثّل السياق الجديد والمتجدّد، في ظلّ شحّ المياه واتّساع خارطة العطش على المستوى الوطني، في إقدام السلطات التونسية على إمضاء اتفاقيات مع عدد من الدول الأوروبية تتعلّق بإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، في إطار موجة التوجّه نحو الطاقات المتجدّدة. غير أنّ هذه المشاريع قد تكون على حساب مواردنا المائية الشحيحة أصلًا، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للحقّ في الماء بالنسبة للسكان.


الماء والانسان: البداية والنهاية

ارتبط التاريخ الإنساني ارتباطًا وثيقًا بالمياه، إذ لم تعرف البشرية حضارة واحدة نشأت بمعزل عن الماء ومصادره. وانطلاقًا من هذه الأهمية، كثّفت البحوث العلمية الحديثة، ولا سيّما خلال العشرين سنة الأخيرة، جهودها لاستكشاف الماء وأشكاله وخصائصه.


إنّ هذه الأهمية القصوى للمياه ليست حديثة ولا ناتجة عن التقدّم العلمي فحسب. فقد أدرك الإنسان، منذ وعيه الأول بذاته ومنذ تحديد شروط تفاعله الطبيعي مع محيطه، أنّ الماء يمثّل أساس الحياة ومحور تطوّرها. فلا زراعة ولا بناء ولا صناعة من دونه، حتى بدا وكأنّ الماء هو بداية الحياة ونهايتها.


فإذا كان الإنسان القديم قد أقام حضاراته حول الماء وبفضله، فإنّ الإنسان الحديث شيّد مدنًا فوق الماء نفسه. ولم يعد الماء مجرّد مادّة مخصّصة للاستعمال المنزلي، بل تحوّل إلى فضاء يحتضن أنشطة متعددة للسكن والسياحة والخدمات. وبهذا أصبح الماء شريانًا للحياة والإنتاج داخل علاقة متشابكة ومعقّدة بين الإنسان ومحيطه المائي.


إنّ علاقة تونس بالماء علاقة استثنائية وذات خصوصية، إذ إنّ موقعها الجغرافي يجعلها بلدًا شبه جاف، ولا تتجاوز التساقطات المطرية على المستوى الوطني معدّل 450 ملم سنويًا. وبذلك تُعدّ تونس بلدًا يعاني من ندرة المياه. ولهذا السبب استقرّت مختلف الحضارات قرب عيون الماء ومصادره، أو شيّدت طرقًا ومسارات وقنوات لنقل المياه. فقد أنشأ الرومان الحنايا الممتدة من زغوان، حيث يوجد معبد المياه الروماني، إلى العاصمة قرطاج لنقل المياه. كما شيّد المسلمون الفسقيات الكبرى في القيروان. أما سكان الجنوب التونسي، وللتكيّف مع ندرة المياه، فقد ابتكروا بدورهم الفسقيّات لتجميع مياه الأمطار. لقد كانت ندرة المياه في تونس وراء بناء جميع أشكال البنى المائية التي تكيّفت مع خصوصيات كل منطقة. غير أنّ السؤال المطروح اليوم هو التالي: هل ما زالت هذه الثقافة، التي تأقلمت تاريخيًا مع طبيعة المناخ وندرة الماء، قائمة في حاضرنا؟


احدث المنشورات
Jan 23, 2026
حقّ المياه في العراق في ظلّ التغيُّرات المناخية
Jan 23, 2026
الحقُ في المياه في مصر: لِمَن الشُحّْ ولِمَن الوفرة