Jun 27, 2026
من بون إلى أنطاليا: هل تدخل المفاوضات المناخية مرحلة البحث في الاقتصاد السياسي العالمي ايضا؟ - حبيب معلوف
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

من بون إلى أنطاليا: هل تدخل المفاوضات المناخية مرحلة البحث في الاقتصاد السياسي العالمي ايضا؟ 

حبيب معلوف

عندما اختتمت اجتماعات بون للمناخ أعمالها في 18 حزيران الجاري، لم يكن السؤال الأساسي ما إذا كانت الدول قد أحرزت تقدماً تقنياً في ملفات التفاوض، بل ما إذا كان النظام المناخي الدولي نفسه لا يزال قادراً على إنتاج توافقات ذات معنى في عالم تتزايد فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتنافس الجيوسياسي. فاجتماعات بون، التي تشكل المحطة التفاوضية الرئيسية قبل مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) المقرر عقده في أنطاليا التركية نهاية العام، كشفت مرة جديدة أن أزمة العمل المناخي لم تعد أزمة معرفة أو علم أو حتى تكنولوجيا، بل أصبحت أزمة سياسية تتعلق بتوزيع الأعباء والمكاسب والخسائر في مرحلة التحول العالمي الكبرى.

ويمكن القول إن النتيجة العامة التي يخرج بها المراقب هي أن بون لم ينجح في توفير الزخم السياسي المطلوب قبل مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) في أنطاليا، بل كشف عن اتساع فجوات الخلاف بين الدول حول قضايا التخفيف والتمويل والتكيف ومستقبل الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري.

عمليا ما هي أبرز الاستنتاجات من بون 2026؟

أول الملفات المتعثرة في بون ملف التخفيف وخفض الانبعاثات. أكثر الملفات حساسية هو "برنامج عمل التخفيف" (MWP)، الذي يفترض أن يكون المساحة الرئيسية لمناقشة رفع الطموح المناخي قبل 2030. لكن الانقسام كان حاداً بين الاتحاد الأوروبي والدول الجزرية والدول الأقل نمواً التي تريد ربط البرنامج بنتائج التقييم العالمي (GST) واتفاق دبي بشأن الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري… وبين المجموعة العربية والدول النامية المتشابهة التفكير (LMDCs) التي رفضت هذا الربط ورأت أن التركيز يجب أن يكون على الدعم المالي والتكنولوجي وعلى العوائق التنموية. والنتيجة كانت الفشل حتى في الاتفاق على وثيقة تلخص التقدم المحرز، وهو مؤشر سلبي جداً قبل COP31.

ثاني الملفات الخلافية ايضا هي حول الوقود الأحفوري، اذ لا تزال قضية "الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري" محور الانقسام الرئيسي في المفاوضات. فبعد أن تجنب مؤتمر بيليم (COP30) إدراج أي التزام واضح بشأن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، استمرت الخلافات نفسها في بون. وفي المقابل تواصل الرئاسة البرازيلية السابقة العمل على "خارطة طريق" لتنفيذ تعهد دبي بالانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري، على أن تعرض نتائجها في أنطاليا.

كذلك الأمر بالنسبة لملف "التكيف" الذي بقي ساحة نزاع. اذ لم تنجح الدول في تجاوز الخلافات التي رافقت اعتماد مؤشرات "الهدف العالمي للتكيف" (GGA) في مؤتمر بيليم. وما زالت هناك تساؤلات حول كيفية قياس التقدم في التكيف، ومن يتحمل كلفة تنفيذه، وكيف يمكن ترجمة المؤشرات إلى التزامات عملية.

اما حول ملف "التمويل المناخي" فقد بقي في بون العقدة المركزية. رغم الاتفاق في باكو عام 2024 على الهدف المالي الجديد (NCQG)، فإن الاجتماعات أظهرت أن الثقة بين الشمال والجنوب لا تزال ضعيفة. ولا تزال عناوين الخلاف هي نفسها دون اي تقدم. الدول النامية تركز على التمويل العام والمنح. وعلى تمويل التكيف والخسائر والأضرار. وعلى تنفيذ الالتزامات التاريخية للدول الصناعية… في المقابل تدفع الدول المتقدمة نحو توسيع قاعدة المساهمين وإشراك القطاع الخاص بشكل أكبر. ويبدو أن هذا الملف سيكون أحد ساحات الصراع الرئيسية في أنطاليا ايضا.

بالرغم من هذا الفشل الكبير في محادثات بون، تحدث البعض عن تقدم محدود في التكنولوجيا والانتقال العادل وعن بعض النقاط الإيجابية القليلة كالاتفاق على استمرار برنامج الأمم المتحدة للبيئة في استضافة مركز وشبكة تكنولوجيا المناخ (CTCN). واعتماد شروط مراجعة برنامج "الانتقال العادل". واستكمال بعض عمليات مراجعة بناء القدرات. لكن هذه الإنجازات بقيت تقنية ومحدودة مقارنة بحجم الخلافات السياسية الكبرى.

اما اذا ذهبنا ابعد من هذه النقاشات والتفاصيل التقنية، وتأملنا في حجم الصراع الجيوسياسي العالمي المستجد، يمكن أن نستنتج ان العالم الذي نعيشه اليوم بات مختلفا تماما عن ذاك الذي ولدت فيه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (اتفاقية العالم 1992 او اتفاقية باريس العام 2015). عندما اعتمدت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ عام 1992، كان العالم يعيش لحظة تفاؤل بالعولمة والتعاون الدولي. أما اليوم، فإن المشهد مختلف جذرياً. فالحرب الروسية الأوكرانية أعادت الاعتبارات الأمنية إلى قلب سياسات الطاقة الأوروبية. والحرب المستمرة في الشرق الأوسط وما رافقها من تهديدات لطرق إمدادات الطاقة العالمية، أعادت التذكير بالأهمية الاستراتيجية للنفط والغاز من جهة، واهمية البحث عن بدائل من جهة اخرى. وفي الوقت نفسه تتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين حول التكنولوجيا والمعادن النادرة الاستراتيجية وسلاسل الإمداد. في هذا السياق، لم يعد المناخ وحده هو الذي يحدد سياسات الطاقة، بل أصبحت اعتبارات الأمن القومي والاستقرار السياسي والتنافس الاقتصادي تلعب دوراً لا يقل أهمية. وهذا ما يفسر تزامن اجتماع بون مع اجتماع دول مجموعة السبع G7 في فرنسا الذين اتفقوا على تحديد سقف بنسبة 60% كحد اقصى للاعتماد على اي مورد منفرد للمواد الخام الحيوية والنادرة بحلول العام 2030. ويهدف هذا القرار على كسر الاحتكار والهيمنة الصينية على سلاسل الامداد المعادن النادرة. بالاضافة الى مناقشة تهديد امن الطاقة ومنحه الاولوية على اي تفكير آخر، لاسيما موضوع الانتقال الطاقوي. وقد انعكست اشكاليات هذا الموضوع بوضوح في اجتماعات بون، حيث ظهرت الخلافات العميقة حول كيفية تنفيذ نتائج التقييم العالمي واتفاق دبي بشأن "الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري".

منذ مؤتمر دبي عام 2023، أصبحت عبارة "الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري" عنواناً للصراع السياسي داخل المفاوضات المناخية. فالدول الصناعية والعديد من الدول الجزرية ترى أن الحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية يتطلب تسريع التخلي عن النفط والغاز والفحم. أما العديد من الدول النامية والدول المصدرة للطاقة فتعتبر أن النقاش يتجاهل الفوارق التنموية والحقوق السيادية ومتطلبات الأمن الطاقوي. في بون لم يتمكن المفاوضون حتى من تحقيق توافق حول كيفية تناول هذه القضية في برنامج عمل التخفيف. وهذا الفشل ليس مجرد تعثر إجرائي، بل يعكس غياب توافق عالمي حول شكل الاقتصاد العالمي المقبل. فالخلاف الحقيقي ليس حول المناخ بحد ذاته، بل حول من يملك الحق في استخدام الموارد الكربونية المتبقية، ومن يتحمل كلفة التحول، ومن سيجني فوائد الاقتصاد الأخضر الجديد.

إذا كان ملف الوقود الأحفوري يعكس خلافاً حول المستقبل، فإن ملف التمويل المناخي يعكس خلافاً حول الماضي. فالدول النامية ما زالت ترى أن الدول الصناعية لم تفِ بالتزاماتها التاريخية بالشكل المطلوب، وأن الحديث عن رفع الطموح المناخي لا يمكن فصله عن توفير التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات. أما الدول المتقدمة فتدفع نحو توسيع قاعدة المساهمين وإشراك المؤسسات المالية والقطاع الخاص بصورة أكبر. هذه الفجوة ليست تقنية، بل هي تعبير عن أزمة ثقة بين الدول المتقدمة وتلك النامية تراكمت على مدى عقود. ولذلك فإن كثيراً من دول الجنوب تنظر إلى الدعوات المتكررة لزيادة الطموح المناخي باعتبارها محاولة لنقل أعباء التحول إليها دون توفير الموارد اللازمة. ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر العديد من ملفات بون، رغم توافق الجميع نظرياً على خطورة الأزمة المناخية.

لعل أبرز ما كشفت عنه نتائج بون هو أن مفهوم العدالة المناخية نفسه أصبح يتعرض لاختبار غير مسبوق. ففي العقد الماضي كان النقاش يدور حول مسؤوليات تاريخية وانبعاثات وتكيف وخسائر وأضرار. أما اليوم فقد دخلت عناصر جديدة إلى المعادلة: أمن الطاقة، الأمن الغذائي، المعادن الاستراتيجية، سلاسل الإمداد، التنافس التكنولوجي، الحروب والنزاعات المسلحة، عودة السياسات الحمائية للدول والتراجع عن عناوين العولمة بفتح الأسواق وتركها لقواعد السوق. بمعنى آخر، لم يعد المناخ ملفاً مستقلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع من التحديات الجيوسياسية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستبقى العدالة المناخية إطاراً حاكماً للعمل الدولي، أم أنها ستتراجع أمام أولويات الأمن القومي والمنافسة الاقتصادية؟

لعل أبرز ما كشفت عنه نتائج بون هو أن مفهوم العدالة المناخية نفسه أصبح يتعرض لاختبار غير مسبوق. ففي العقد الماضي كان النقاش يدور حول مسؤوليات تاريخية وانبعاثات وتكيف وخسائر وأضرار. أما اليوم فقد دخلت عناصر جديدة إلى المعادلة: أمن الطاقة، الأمن الغذائي، المعادن الاستراتيجية، سلاسل الإمداد، التنافس التكنولوجي، الحروب والنزاعات المسلحة، عودة السياسات الحمائية للدول والتراجع عن عناوين العولمة بفتح الأسواق وتركها لقواعد السوق. بمعنى آخر، لم يعد المناخ ملفاً مستقلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع من التحديات الجيوسياسية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستبقى العدالة المناخية إطاراً حاكماً للعمل الدولي، أم أنها ستتراجع أمام أولويات الأمن القومي والمنافسة الاقتصادية؟

ما المنتظر من مؤتمر أنطاليا؟

من الصعب، لا بل المستحيل توقع اختراقات كبرى في أنطاليا إذا استمرت الاتجاهات الحالية. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يتحول المؤتمر إلى ساحة لإدارة الخلافات أكثر من كونه منصة لصنع توافقات جديدة. وستسعى الرئاسة التركية على الأرجح إلى تحقيق توازن دقيق بين مطالب الدول الصناعية والدول النامية، وبين اعتبارات المناخ ومتطلبات أمن الطاقة. مع ذلك، قد يكتسب المؤتمر أهمية استثنائية لسبب آخر: فهو يأتي في لحظة انتقالية يعاد فيها تعريف العلاقة بين المناخ والتنمية والأمن. فإذا نجح في بناء أرضية مشتركة جديدة بين الشمال والجنوب، فقد يشكل نقطة انطلاق لمرحلة أكثر واقعية في الحوكمة المناخية العالمية. أما إذا فشل، فقد تتعزز الاتجاهات التي تدفع نحو تفكك النظام المناخي متعدد الأطراف لمصلحة تحالفات ومبادرات جزئية ومتفرقة.

وربما هنا تكمن المسألة الأعمق التي قلّما تناقشها المفاوضات المناخية بشكل صريح. فبعد ثلاثة عقود من المؤتمرات والاتفاقيات والآليات التمويلية، لا يزال العالم يشهد ارتفاعاً في استهلاك الموارد والطاقة، واستمرار تدهور النظم البيئية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. هذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً: هل تكمن المشكلة فعلاً في كمية الانبعاثات التي نطلقها إلى الغلاف الجوي، أم في النموذج الحضاري الذي ينتج هذه الانبعاثات؟ فالاقتصاد العالمي المعاصر يقوم على فرضية النمو المستمر والاستهلاك المتزايد والتوسع الدائم في استخراج الموارد الطبيعية. وقد حقق هذا النموذج إنجازات هائلة في مجالات الإنتاج والتكنولوجيا والاتصالات، لكنه في الوقت نفسه تعامل مع الطبيعة باعتبارها مخزوناً مفتوحاً للمواد الأولية وساحة مجانية لاستيعاب النفايات والانبعاثات. وقد نتج عن كل ذلك كوارث مناخية تكاد تطيح بكل مكتسبات الحضارة الاحفورية. ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمة المناخ مجرد خلل بيئي يمكن إصلاحه بتقنيات أنظف أو بمصادر طاقة بديلة، بل تعبيراً عن أزمة أعمق في علاقة الإنسان بالطبيعة وفي مفهوم التقدم نفسه.

فحتى التحول نحو الاقتصاد الأخضر لا يخلو من تناقضات. إذ إن السباق العالمي على المعادن النادرة والبطاريات والبنى التحتية للطاقة المتجددة يعيد إنتاج أنماط جديدة من الضغوط البيئية والتنافس الجيوسياسي. وكأن العالم يحاول أحياناً معالجة أعراض الأزمة من دون مراجعة الأسباب البنيوية التي أدت إليها. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في خفض الانبعاثات، بل في إعادة التفكير في معنى التنمية والرفاه والتقدم. فالمسألة لم تعد تقنية تتعلق بمصادر الطاقة فحسب، بل فلسفية وسياسية تتعلق بالحدود البيئية للكوكب وبكيفية توزيع الموارد والثروة والفرص بين المجتمعات والأجيال بشكل عادل ومنصف.

ومن هنا يمكن النظر إلى الخلافات التي ظهرت في بون ليس باعتبارها مجرد نزاعات تفاوضية حول صيغ وقرارات، بل بوصفها انعكاساً لصراع أوسع حول شكل العالم الذي يريد البشر بناءه خلال القرن الحادي والعشرين: هل سيكون امتداداً للنموذج الذي أنتج الأزمة، أم بداية للبحث عن نموذج جديد أكثر انسجاماً مع حدود الطبيعة ومتطلبات العدالة؟

ربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه اجتماعات بون هو أن التحدي المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية. لقد أصبح قضية تتعلق بنموذج التنمية العالمي نفسه. فالانتقال الطاقوي ليس عملية تقنية لتحويل مصادر الطاقة فحسب، بل هو إعادة توزيع للقوة والثروة والموارد على المستوى العالمي. ولذلك فإن المفاوضات المناخية باتت تشبه إلى حد بعيد مفاوضات حول الاقتصاد السياسي العالمي أكثر مما تشبه مفاوضات بيئية تقليدية. وفي عالم تتزايد فيه الحروب والأزمات والتنافسات الكبرى، لم تعد المعركة الحقيقية محصورة في أجزاء المليون من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بل أصبحت معركة حول تعريف التقدم وحدود النمو ومعنى الرفاهية والازدهار الإنساني في عالم محدود الموارد. ومن هذه الزاوية، قد لا يكون مؤتمر أنطاليا اختباراً لمستقبل النظام المناخي الدولي فحسب، بل اختباراً لقدرة البشرية على مراجعة الأسس الفكرية والحضارية التي أوصلتها إلى هذه اللحظة التاريخية.

فإذا كانت اجتماعات بون قد كشفت عمق الانقسامات السياسية بين الدول، فإنها كشفت أيضاً سؤالاً أعمق ما زال معلقاً: هل يستطيع العالم معالجة أزمة المناخ من داخل النموذج الذي أنتجها، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة التفكير في هذا النموذج نفسه؟ هذا هو السؤال الذي سيبقى مطروحاً، ليس فقط في أنطاليا، بل في كل مفاوضات المناخ المقبلة.

احدث المنشورات
Jun 10, 2026
اجتماع بون للمناخ 2026: بين أزمة التمويل وتصاعد الحروب - حبيب معلوف
Jun 01, 2026
الحروب المعاصرة: أفكار في أهدافها الخارجية والداخلية - أديب نعمه