Aug 04, 2026
من السيادة إلى العدالة الاجتماعية… معركة الدولة الحقيقية - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

من السيادة إلى العدالة الاجتماعية… معركة الدولة الحقيقية

السيادة والعدالة الاجتماعية تحدٍّ واحد

لا يكتمل مشروع بناء الدولة باستعادة احتكارها للقوة وفرض سيادتها على كامل أراضيها، بل يكتمل أيضاً بقدرتها على حماية مجتمعها من الفقر والبطالة والتهميش. فالدولة التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية تبقى دولة هشة، حتى لو نجحت في بسط سلطتها الأمنية. واليوم، يقف لبنان أمام هذا التحدي المزدوج: استعادة السيادة من جهة، ومنع الانفجار الاجتماعي من جهة أخرى.

الاستقرار الاقتصادي لا يعكس الواقع الاجتماعي

قد تبدو بعض المؤشرات الاقتصادية أقل سوءاً مما كانت عليه خلال ذروة الانهيار، ولا سيما مع تراجع معدل التضخم مقارنة بالسنوات السابقة واستقرار سعر صرف الليرة نسبياً. إلا أن هذا التحسن النسبي والجزئي يخفي واقعاً اجتماعياً بالغ الخطورة، إذ لا يُقاس استقرار المجتمعات بالسيطرة على التضخم وحده، بل بقدرتها على تحقيق التنمية الاقتصادية المتكاملة مع التنمية الاجتماعية، بما في ذلك تأمين العمل والدخل والعدالة والخدمات الأساسية لمواطنيها.

«لا يُقاس استقرار المجتمعات بالسيطرة على التضخم وحده، بل بقدرتها على تحقيق التنمية الاقتصادية المتكاملة مع التنمية الاجتماعية.»

الفقر والبطالة واتساع الاقتصاد غير النظامي

وتشير أحدث التقديرات إلى أن معدل التضخم ما زال يدور حول 17 إلى 18 في المئة، فيما يعيش نحو 44 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر النقدي، ويعاني ما يقارب 80 في المئة من السكان شكلاً أو أكثر من أشكال الحرمان والفقر، سواء في الصحة أو التعليم أو السكن أو الخدمات الأساسية. كما تُقدَّر البطالة بما بين 25 و30 في المئة، فيما تقترب بطالة الشباب من نصف القوى العاملة الشابة، الأمر الذي يدفع أعداداً متزايدة من أصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثاً عن فرص للحياة والعمل. إلى جانب ذلك، يتسع التفاوت الاجتماعي بصورة مقلقة، فتتآكل الطبقة الوسطى وتتعمق الفجوة بين القلة القادرة على حماية دخولها والغالبية التي تعيش على مداخيل ثابتة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، او تعيش من عائدات متواضعة لعمل غير نظامي بات يشمل 65% من إجمالي القوى العاملة في لبنان.

تراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى

يُضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية يتمثل في تراجع القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، ولا سيما المتقاعدين وموظفي القطاع العام والمعلمين، الذين يشكلون شريحة واسعة من القوى العاملة. فقد فقدت رواتبهم جانباً كبيراً من قيمتها الفعلية، فيما ارتفعت كلفة المعيشة بصورة تفوق أي زيادات أُقرت على الأجور، ما دفع شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى الاقتراب من خط الفقر أو الانزلاق تحته.

الخدمات العامة عبء متزايد على الأسر

وتتفاقم هذه الأزمة مع استمرار التراجع في مستوى الخدمات العامة الأساسية. فأزمة الكهرباء لم تُحل، وما زالت كلفة المولدات والمحروقات تستنزف مداخيل الأسر والمؤسسات. كما يواجه قطاع المياه صعوبات متزايدة، ما يضطر آلاف العائلات إلى شراء المياه من مصادر خاصة بكلفة مرتفعة. ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، تجد الأسر نفسها أمام استحقاقات مالية إضافية تتمثل في الأقساط المدرسية والقرطاسية والنقل، في وقت أصبحت فيه كلفة التعليم تفوق قدرة عدد كبير من العائلات، ما يهدد بارتفاع معدلات التسرب المدرسي واتساع الفجوة التعليمية، وتفاقم الفاقد التعليمي بسبب الارتجال والعشوائية في الامتحانات الرسمية على النحو الذي شهدناه منذ أسابيع.

أزمة وطنية تتجاوز المناطق المهمشة

لا تتوزع هذه الأزمة بالتساوي بين المناطق. فما زالت عكار تتصدر المحافظات الأكثر فقراً، تليها مناطق واسعة من شمال لبنان، ولا سيما طرابلس والمنية والضنية، ثم بعلبك–الهرمل والبقاع، إضافة إلى القرى الجنوبية التي تعرضت للحروب والدمار. كما برزت خلال السنوات الأخيرة مناطق فقر جديدة في ضواحي بيروت وبعض مناطق جبل لبنان، بعدما كانت تُعد معاقل للطبقة الوسطى. وهذا يؤكد أن الأزمة لم تعد أزمة مناطق مهمشة فحسب، بل أصبحت أزمة وطنية تطال مختلف شرائح المجتمع، وإن بدرجات متفاوتة.

تراجع المساعدات وارتفاع أعباء الدولة

وتزداد الصورة تعقيداً في ظل تراجع المساعدات الخارجية، سواء بسبب التحولات الإقليمية والدولية، أو نتيجة ربط المجتمع الدولي أي دعم مالي بتنفيذ إصلاحات ما زالت متعثرة. وفي المقابل، تجد الدولة نفسها أمام أعباء مالية متزايدة فرضتها الحرب، تشمل معالجة الجرحى، وإيواء النازحين، وإعادة تأهيل البنية التحتية والقرى المتضررة، والمساهمة في ترميم المنازل، وإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي في المناطق المنكوبة. وتأتي هذه الالتزامات في وقت تعاني فيه الخزينة من محدودية الموارد وضعف الإيرادات، ما يضع الحكومة أمام خيارات صعبة، أبرزها زيادة الضرائب والرسوم، أو تقليص الإنفاق العام. وفي الحالتين، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن، فتزداد الضغوط المعيشية وتتراجع قدرته الشرائية أكثر فأكثر.

تآكل العقد الاجتماعي والثقة بالدولة

إن خطورة هذا الواقع لا تكمن في ارتفاع معدلات الفقر بحد ذاتها، بل في تزامنه مع البطالة، واتساع التفاوت الاجتماعي، وضعف الخدمات العامة، وغياب فرص العمل، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية. فعندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، تتراجع ثقته بمؤسساتها، ويبدأ بالبحث عن بدائل للحماية والخدمات، سواء كانت طائفية أو حزبية أو مناطقية أو عائلية. وهنا يبدأ العقد الاجتماعي بالتآكل، ويضعف الشعور بالمواطنة والانتماء إلى الدولة.

التوترات الاجتماعية وهجرة الكفاءات

وفي مجتمع متنوع كالمجتمع اللبناني، قد تتحول المنافسة على الوظائف والخدمات والمساعدات إلى مصدر للتوتر بين المناطق والطوائف، أو بين اللبنانيين واللاجئين والنازحين. كما أن استمرار هجرة الشباب والكفاءات يحرم البلاد من أهم مواردها البشرية، ويقوض إمكانات النمو الاقتصادي، فيما يؤدي اتساع الاقتصاد غير النظامي إلى مزيد من إضعاف مالية الدولة وقدرتها على الاستثمار في التنمية.

الانفجار الاجتماعي لا يبدأ بالضرورة بمواجهة أمنية

ولا يعني الحديث عن انفجار اجتماعي بالضرورة اندلاع مواجهات أمنية واسعة، بل قد يبدأ على شكل احتجاجات متكررة، وارتفاع في معدلات الجريمة، وتوسع الهجرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتفكك الروابط الاجتماعية، وانتشار الشعور بالإحباط واليأس. وهي كلها مؤشرات على تآكل الاستقرار من الداخل، حتى وإن بدا المشهد الأمني مستقراً نسبياً.

لا سيادة مستدامة من دون عدالة وتنمية

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً عندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من دون معالجات جدية. وإذا كان نجاح الدولة في بسط سيادتها واحتكارها للقوة يشكل شرطاً أساسياً لبناء لبنان الجديد، فإن هذا النجاح سيبقى ناقصاً ما لم يقترن بمشروع وطني يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

إعادة الإعمار تعني إعادة بناء الإنسان

إن إعادة الإعمار ليست مجرد ترميم للجسور والطرقات والمباني، بل هي إعادة بناء الإنسان واستعادة ثقته بدولته. والإصلاح ليس مجرد تحقيق توازن مالي أو إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بل هو بناء اقتصاد منتج، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين التعليم والصحة والخدمات العامة، وتوزيع أعباء الإصلاح بصورة عادلة.

معركة الدولة الحقيقية

فالمعركة الحقيقية للدولة اللبنانية لا تُحسم فقط بحصرية السلاح، بل أيضاً بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها وتأمين مستقبلهم. فالسيادة والعدالة الاجتماعية ليستا مسارين متوازيين، بل وجهان لمشروع وطني واحد، لأن المجتمعات لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها أيضاً العدالة، والتنمية، والثقة بدولة يشعر جميع أبنائها أنهم شركاء متساوون فيها.

احدث المنشورات
Aug 04, 2026
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حول الهجرة والحدود المغربية الإسبانية
Aug 03, 2026
من بيليم إلى COP31: هل تنتقل معركة المناخ من التفاوض على الأهداف إلى التفاوض على التنفيذ؟ - حبيب معلوف