Aug 04, 2026
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حول الهجرة والحدود المغربية الإسبانية
من البحر إلى السياسات: الهجرة ليست أزمة حدود بل أزمة عدالة وتنمية

تتابع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بقلق بالغ التطورات الأخيرة على الحدود المغربية-الإسبانية، والتي أودت بحياة عدد من الشباب وأدت إلى إصابة واعتقال آخرين أثناء محاولات الوصول إلى مدينة سبتة. وتتقدم الشبكة بأحر التعازي إلى أسر الضحايا، مؤكدة تضامنها مع جميع المتضررين، ومشددة على أن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية يجب أن يكون الأساس الذي تستند إليه جميع السياسات والاستجابات.

الهجرة نتيجة لأزمة هيكلية

غير أن هذه المأساة ليست حدثاً معزولاً، بل تعكس أزمة هيكلية تتكرر على امتداد الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، حيث تتزايد محاولات الهجرة غير النظامية في ظل استمرار الفقر والبطالة واتساع اللامساواة وتراجع فرص العمل اللائق، إلى جانب تصاعد النزاعات والأزمات البيئية وتراجع الحيز المدني، وهي عوامل تدفع أعداداً متزايدة من الشباب إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أكثر أمناً وكرامة.

«الهجرة ليست أزمة حدود، بل هي مرآة لأزمة أعمق في نموذج التنمية والعلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب.»

قصور المقاربة الأمنية

وتأسف الشبكة لاستمرار اختزال الهجرة في بعدها الأمني، سواء من خلال تشديد الرقابة على الحدود أو توسيع سياسات الردع والاحتواء وإسناد إدارة الهجرة إلى دول العبور والمنشأ. لقد أثبتت التجربة أن هذه المقاربة، رغم ما خصص لها من موارد مالية وسياسية، لم تؤد إلى الحد من الهجرة غير النظامية، بل ساهمت في تحويل طرق الهجرة إلى مسارات أكثر خطورة، وزادت من اعتماد المهاجرين على شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ورفعت كلفة الهجرة الإنسانية والاقتصادية.

خارجنة إدارة الهجرة لا تعالج الأسباب

إن السياسات الأوروبية الرامية إلى "تدويل" أو "خارجنة" إدارة الهجرة، عبر نقل مسؤوليات ضبط الحدود إلى دول جنوب المتوسط مقابل دعم مالي أو ترتيبات سياسية، لا يمكن أن تشكل بديلاً عن معالجة الأسباب البنيوية للهجرة. فهذه السياسات تركز على إدارة النتائج بدلاً من معالجة الأسباب، وتتجاهل الاختلالات العميقة في النظام الاقتصادي العالمي، واستمرار أزمات المديونية، وشروط التمويل الدولي، واتفاقيات التجارة والاستثمار غير المتكافئة، وتراجع التمويل الإنمائي، وهي جميعها عوامل تقوض قدرة دول الجنوب على خلق فرص العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة.

المسارات الآمنة ومكافحة الاتجار بالبشر

كما تؤكد الشبكة أن تنامي نشاط شبكات الاتجار بالبشر والتهريب يرتبط مباشرة بإغلاق المسارات النظامية والآمنة للهجرة، وبغياب آفاق اقتصادية حقيقية أمام الشباب. ومن هنا فإن مكافحة هذه الشبكات تتطلب، إلى جانب إنفاذ القانون، معالجة الظروف التي تجعل آلاف الشباب عرضة للاستغلال والخداع، بما في ذلك انتشار المعلومات المضللة التي تدفعهم إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.

حقوق الإنسان أساس إدارة الهجرة

وتجدد الشبكة دعوتها إلى احترام حقوق الإنسان في جميع مراحل إدارة الهجرة، وضمان حماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، والامتناع عن أي ممارسات تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية أو تؤدي إلى استخدام القوة المفرطة أو الاحتجاز التعسفي أو المعاملة المهينة.

الحق في التنمية إطارًا لمعالجة الهجرة

وتشدد الشبكة على أن الحق في التنمية، كما أقرته الأمم المتحدة، يجب أن يشكل الإطار المرجعي لمعالجة قضايا الهجرة. فتمكين الشباب من الحصول على التعليم والعمل اللائق والحماية الاجتماعية والمشاركة في الحياة العامة هو السبيل الأكثر استدامة للحد من الهجرة القسرية واليائسة، وليس المزيد من الجدران والأسلاك الشائكة.

تمويل التنمية ومصداقية الالتزامات الدولية

وفي هذا السياق، تذكر الشبكة بأن المجتمع الدولي أعاد، في المنتدى الدولي الرابع لتمويل التنمية، التأكيد على ضرورة توفير التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز العدالة الاقتصادية، وإصلاح النظام المالي الدولي بما يتيح للدول النامية توسيع استثماراتها في التنمية البشرية. غير أن هذه الالتزامات ستظل فاقدة للمصداقية إذا استمرت سياسات الهجرة في التعامل مع الإنسان باعتباره تهديداً أمنياً، بدلاً من الاعتراف بحقه في التنمية والتنقل والعيش الكريم.

من إدارة الحدود إلى معالجة أسباب الهجرة

إن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية تدعو الاتحاد الأوروبي وحكومات دول جنوب المتوسط إلى إعادة توجيه سياساتها من إدارة الحدود إلى إدارة أسباب الهجرة، ومن منطق الردع إلى منطق الحقوق، ومن الأمن وحده إلى التنمية والعدالة الاجتماعية. فالهجرة ليست أزمة حدود، بل هي مرآة لأزمة أعمق في نموذج التنمية والعلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب.

المتوسط فضاء للتعاون والكرامة

إن البحر المتوسط يجب ألا يبقى حدوداً تفصل بين عالمين غير متكافئين، بل فضاءً للتعاون والتنمية المشتركة والالتزام المتبادل بحقوق الإنسان والكرامة والعدالة.

احدث المنشورات
Aug 03, 2026
من بيليم إلى COP31: هل تنتقل معركة المناخ من التفاوض على الأهداف إلى التفاوض على التنفيذ؟ - حبيب معلوف
Aug 03, 2026
هل تستعدّ الحكومة للانفجار الاجتماعي؟ - زياد عبد الصمد