Jul 02, 2026
مشروع إعادة الإعمار بوصفه مشروعًا سياسيًا: المؤسسات، والعدالة، وآفاق اليوم التالي - د. خليل جبارة
د. خليل جبارة
باحث وأكاديمي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
د. خليل جبارة

مشروع إعادة الإعمار بوصفه مشروعًا سياسيًا: المؤسسات، والعدالة، وآفاق اليوم التالي

د. خليل جبارة

تنتهي الحروب مرتين. تنتهي أولًا عندما تصمت المدافع، وتنتهي، أو قد لا تنتهي، للمرة الثانية من خلال الخيارات التي تتخذها المجتمعات بشأن ما ينبغي إعادة بنائه، ولصالح من، وتحت سلطة من. وقد خلصت الأدبيات المتعلقة بالتعافي بعد الحروب إلى نتيجة واضحة مفادها أن إعادة الإعمار ليست، في أي وقت، عمليةً محايدة أو تقنية بحتة. بل هي عملية سياسية عميقة، إما أن تضع أسس عقد اجتماعي أكثر شرعية، أو أن ترسخ الاختلالات ذاتها التي أفضت إلى نشوب الصراع.

تشير التقديرات إلى أن البلدان الخارجة من الحروب الأهلية تواجه خطرًا يقارب 40% للانزلاق مجددًا إلى الصراع خلال عقد واحد، وهو ما يُعرف بـ«فخ الصراع»، الذي لا ينشأ بقدر ما ينشأ عن حجم الدمار المادي، بل عن الإخفاق في إعادة بناء مؤسسات ذات مصداقية واقتصادات شاملة. وقد عززت الدراسة المشتركة الصادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي Pathways for Peace (2018) هذه النتيجة، مؤكدةً أن الإقصاء والمظالم غير المعالجة، وليس الفقر وحده، يمثلان أكثر المؤشرات موثوقية على تجدد العنف.

يشدد سلطان بركات، في كتابه After the Conflict: Reconstruction and Development in the Aftermath of War، على أن إعادة الإعمار يجب أن تُفهم بوصفها عملية تحول مجتمعي، لا مجرد برنامج للبناء. وفي المقابل، يحدد أشرف غني وكلير لوكهارت، في كتابهما Fixing Failed States، التحدي المركزي في ردم «فجوة السيادة»، أي إعادة بناء العقد بين المواطنين والدولة من خلال مؤسسات عامة فاعلة وخاضعة للمساءلة. أما التمييز الذي يقدمه دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون بين المؤسسات الشاملة والمؤسسات الاستخراجية، فيوفر الإطار التحليلي الأوسع؛ إذ إن إعادة الإعمار التي تُدار عبر ترتيبات استخراجية (دوائر صنع قرار مغلقة، وعقود تُمنح وفق اعتبارات سياسية، وأولويات يفرضها الخارج) لا تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاستخراج، بصرف النظر عن حجم الأموال التي يجري حشدها.

لقد تعلمت المنطقة العربية هذه الدروس بالفعل. فما تزال تجربة إعادة الإعمار في لبنان بعد الحرب الأهلية تُعد الحالة الأكثر دراسةً في المنطقة: فقد أعطت الأولوية للقيمة التبادلية على حساب النسيج الاجتماعي، وجرّدت أصحاب الحقوق من حقوقهم، ورسخت، كما وثّق رينود ليندرز في كتاب Spoils of Truce، نظامًا من الزبائنية المؤسسية أسهم في نهاية المطاف في الانهيار الاقتصادي عام 2019. أما إعادة الإعمار في العراق بعد عام 2003، فقد أظهرت أن التعافي الذي يُدار من الخارج، والمنفصل عن الملكية الوطنية والمساءلة، يؤدي إلى تكريس الفساد وتعميق الانقسام.

وعند هذا التقاطع تحديدًا، بين النظر إلى إعادة الإعمار بوصفها مجرد عملية تمويل تكنوقراطية، والنظر إليها بوصفها إعادة بناء للعقد الاجتماعي، تتدخل هذه الدراسة المقارنة، وهو أيضًا السبب الذي يدفع الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية إلى نشر هذا العدد. وتعكس هذه الدراسة ثلاث قناعات تشكلت عبر عقود من انخراط المجتمع المدني في سياسات التنمية في المنطقة. أولها أن الحوار الشامل ليس ترفًا، بل هو جوهر إعادة الإعمار المشروعة؛ فالمجتمعات المتضررة، والنساء، والنازحون، والأشخاص ذوو الإعاقة، والعمال، والمنظمات المحلية، هم أصحاب حقوق وشركاء في صنع القرار، وليسوا مجرد مستفيدين يُستشارون بعد الانتهاء من إعداد الخطط. وثانيها أن العملية لا تقل أهمية عن النتيجة؛ فالمشاورات الجادة، وإتاحة المعلومات، وأنظمة المشتريات الحديثة، والمشاركة الحقيقية، هي التي تحدد ما إذا كانت البنية التحتية التي يُعاد بناؤها ستستعيد الثقة أم ستعيد إنتاج المظالم. أما القناعة الثالثة، فهي أن الحماية الاجتماعية يجب أن تُعامل باعتبارها أساس التعافي لا نتيجته الثانوية؛ فالمجتمعات الخارجة من الحرب تحمل خسائر إنسانية جسيمة وتحديات عميقة، ولا يمكن لأي قدر من إعادة البناء المادي أن يُعد تعافيًا إذا بقيت هذه الفئات خارج دائرة الاستفادة منه.

الموضوعات المتقاطعة

على الرغم من أن المساهمات السبع الواردة في هذا العدد تتناول بلدانًا مختلفة، وتقترب من موضوع إعادة الإعمار من تخصصات متنوعة (التخطيط الحضري، والاقتصاد، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والسياسات البيئية، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة)، فإن مجموعة من الأفكار المشتركة تبرز بينها بدرجة لافتة من الاتساق.

تتمثل النقطة الأولى في أن إعادة الإعمار هي عملية سياسية واجتماعية قبل أن تكون عملية هندسية أو مالية. فجميع المساهمات ترفض اختزال إعادة الإعمار في حجم الأموال التي يتم حشدها أو عدد المباني التي تُشيَّد، وتؤكد أن السؤال الحقيقي يتمثل في نوع الدولة، والاقتصاد، والمجتمع الذي ستنتجه عملية إعادة البناء.

كذلك الأمر بالنسبة لملف "التكيف" الذي بقي ساحة نزاع. اذ لم تنجح الدول في تجاوز الخلافات التي رافقت اعتماد مؤشرات "الهدف العالمي للتكيف" (GGA) في مؤتمر بيليم. وما زالت هناك تساؤلات حول كيفية قياس التقدم في التكيف، ومن يتحمل كلفة تنفيذه، وكيف يمكن ترجمة المؤشرات إلى التزامات عملية.

أما النقطة الثانية، فهي مركزية الحوكمة والمشاركة. إذ تتفق المقالات على التحذير من أن دوائر صنع القرار المغلقة، سواء كانت سلطات انتقالية، أو آليات إشراف من المانحين، أو هياكل دولية هجينة، تحول إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة توزيع الأصول والسلطة لصالح نخب جديدة أو قديمة. وتظهر الحوكمة التشاركية، والشفافية، والمساءلة في مختلف المقالات، لا بوصفها شروطًا يفرضها المانحون، بل باعتبارها متطلبات أساسية لكي تحقق إعادة الإعمار غايتها التنموية.

وتتمثل النقطة الثالثة في أن العدالة ينبغي أن تكون أساس عملية إعادة البناء، لا خاتمتها. فمن خلال أمثلة مختلفة، تشمل العدالة الانتقالية في سوريا، والمساءلة عن جرائم الحرب في لبنان، والمسؤولية البيئية، وردّ حقوق السكن والأراضي والممتلكات، تؤكد المساهمات أن إعادة الإعمار التي تُدار من أعلى، من دون معالجة المظالم، لا تفعل سوى إعادة بناء الظلم في صورة مادية.

أما المبدأ الرابع، فهو ألّا يُترك أحد خلف الركب، وذلك من خلال إجراء تقييمات عادلة وشاملة للاحتياجات، والإدماج المتعمد للنساء، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنازحين، والمناطق المهمشة. ويؤكد عدد من الكتّاب أن الحروب نفسها تُنتج أشكالًا جديدة من الهشاشة، مثل الإصابات، والإعاقات، واليُتم، وهو ما يفرض أن تُصمم إعادة الإعمار منذ اللحظة الأولى بما يستجيب لهذه الاحتياجات، لا أن تُضاف إليها لاحقًا.

وأخيرًا، يبرز البعد البيئي والمناخي في مختلف مقالات هذا العدد بوصفه شرطًا لجدوى إعادة الإعمار، وليس مجرد قضية اختيارية. ففي منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تعرضًا لشح المياه وآثار تغير المناخ، تتفق المساهمات على أن مفهوم «إعادة البناء بصورة أفضل» يعني إعادة بناء العلاقة بين المجتمع، والاقتصاد، والطبيعة. أما البديل، فهو التمهيد لأزمة جديدة.

المساهمات

في مقدمته، يضع زياد عبد الصمد، في مقالته «إعادة الإعمار في المنطقة العربية: فرصة لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة»، إطارًا عامًا للتحديات التي تواجه المنطقة بأسرها. ويرى أن إعادة الإعمار هي عملية سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وبيئية، تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وترسم ملامح العقد الاجتماعي لعقود مقبلة. ويؤكد أن تجارب المنطقة، من غزة إلى لبنان، وسوريا، والعراق، تشترك في سؤال واحد: هل ستكون إعادة الإعمار مدخلًا إلى التنمية والعدالة، أم أنها ستعيد إنتاج التهميش، واللامساواة، والفساد التي أشعلت الأزمات؟ ويحذر من أن إعادة الإعمار قد ترسخ الزبائنية السياسية، وتفاقم المديونية، وتؤدي إلى خصخصة الخدمات العامة، ويدعو بدلًا من ذلك إلى إرسائها على إصلاح المؤسسات، والمشاركة الديمقراطية، وحقوق النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، والعدالة البيئية، ونماذج تمويل عادلة ومستدامة.

لعل أبرز ما كشفت عنه نتائج بون هو أن مفهوم العدالة المناخية نفسه أصبح يتعرض لاختبار غير مسبوق. ففي العقد الماضي كان النقاش يدور حول مسؤوليات تاريخية وانبعاثات وتكيف وخسائر وأضرار. أما اليوم فقد دخلت عناصر جديدة إلى المعادلة: أمن الطاقة، الأمن الغذائي، المعادن الاستراتيجية، سلاسل الإمداد، التنافس التكنولوجي، الحروب والنزاعات المسلحة، عودة السياسات الحمائية للدول والتراجع عن عناوين العولمة بفتح الأسواق وتركها لقواعد السوق. بمعنى آخر، لم يعد المناخ ملفاً مستقلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع من التحديات الجيوسياسية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستبقى العدالة المناخية إطاراً حاكماً للعمل الدولي، أم أنها ستتراجع أمام أولويات الأمن القومي والمنافسة الاقتصادية؟

في مقالها «إعادة إعمار عادلة تحت الاحتلال»، تجادل سهى منيمنة بأن إعادة البناء في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والقصف تطرح معضلةً جوهرية: هل يمكن أن تكون إعادة الإعمار عادلة ما دام الاحتلال قائمًا، أم أن التحرير هو شرطها المسبق؟ وانطلاقًا من منظور التخطيط الحضري، ترى أن إعادة الإعمار العادلة تبدأ بإجراء تقييمات عادلة وشاملة للأضرار، تشمل المباني المتضررة جزئيًا، والمناطق المهمشة، وجميع جوانب الحياة اليومية. كما تؤكد ضرورة أن تكون إعادة الإعمار عادلة تجاه الأرض والطبيعة، من خلال إنهاء المنطق المضاربي الذي يتعامل مع الأرض باعتبارها مجرد قيمة تبادلية، ووضع حد للاستثناءات التنظيمية التي سمحت على نحو متكرر بالبناء على الأراضي الزراعية والمحمية في الجنوب. وترى كذلك أن إعادة الإعمار ينبغي أن تعالج أوجه اللامساواة البنيوية القائمة في لبنان، من خلال تثبيت الإيجارات، والحماية من الإخلاءات القائمة على المضاربة، وتوفير مساكن ميسورة الكلفة على الأراضي العامة، وتعزيز النقل العام، حتى لا تُعاد إنتاج تلك اللامساواة. وتخلص إلى أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون عادلة من دون التحرير والمساءلة عن جرائم الحرب.

وفي سوريا، يرى محمد كاكي ورابح ناصر، في مقال «حول إعادة الإعمار الغائبة في سوريا»، أن ما يُسوَّق اليوم بوصفه إعادة إعمار ليس سوى واجهة لإعادة إنتاج الهيمنة، وليس مسارًا للخروج من الصراع، لأن آليات صنع القرار نفسها، بما تتسم به من مركزية، وطابع أمني، وإقصاء، واعتماد على الخارج، تحول دون تحقيق أي مسار تنموي حقيقي. ويحدد الكاتبان الشروط الأساسية الغائبة، وهي: حوكمة تشاركية تتعامل مع السوريين بوصفهم أصحاب حقوق في تحديد الأولويات؛ وسيادة تنموية تُدمج التمويل الخارجي ضمن رؤية وطنية، بدلًا من ربطه بعقود امتياز طويلة الأجل؛ وتفكيك منطق العسكرة والأمننة الذي يستنزف الاستثمار العام؛ واعتماد نموذج اقتصادي يعيد بناء القدرات الإنتاجية بدلًا من تحرير سوق مدمرة؛ وتنفيذ برنامج شامل للعدالة الانتقالية، إذ إن إعادة الإعمار، من دون ذلك، تصبح استمرارًا للصراع بوسائل أخرى.

وفي غزة، يستعرض إياد القرناز، في مقاله «المعضلة التنموية والبيئية لإعادة إعمار قطاع غزة»، البنية الكمية للكارثة، مشيرًا إلى أن احتياجات التعافي المقدّرة تبلغ نحو 71.4 مليار دولار، مع تضرر أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وانكماش الاقتصاد بأكثر من ثمانين في المئة، وتراكم نحو 61 مليون طن من الركام. ويرى أن السؤال الحاسم يتمثل في الحوكمة. ويعرض ثلاثة مسارات متنافسة لإدارة إعادة الإعمار: الخطة العربية–الفلسطينية القائمة على الملكية الفلسطينية، ورؤية الحكومة الفلسطينية المكانية والتنفيذية حتى عام 2030، ونموذج «مجلس السلام» ذي الطابع الدولي، المدعوم بصندوق يديره البنك الدولي. ويؤكد أن التحدي يتمثل في التوفيق بين الملكية الوطنية والموارد الدولية ضمن إطار مرن وخاضع للمساءلة. كما يرى أن العدالة الاجتماعية للفئات الأكثر تضررًا من الحرب، من نازحين، وأطفال، وعشرات الآلاف من المصابين بإعاقات دائمة، إلى جانب إعادة تأهيل المياه، والتربة، والنظم الساحلية، ليست قضايا ثانوية، بل هي الشروط الأساسية لتعافٍ قابل للحياة.

ويؤسس جوزيف شِكلا هذا العدد الخاص على القانون الدولي، إذ يجادل في مقاله «العدالة أساس إعادة الإعمار» بأن إعادة الإعمار تمثل المرحلة المتقدمة من إعمال الحق في الانتصاف، وأنها تخضع لالتزامات الدولة، داخليًا وخارجيًا، وهي التزامات تُلزم جميع الأطراف المنخرطة في العملية، بما في ذلك المخططون الحضريون والمتعهدون من القطاع الخاص. ويوجه شِكلا نقدًا حادًا لمقاربة «الترابط الثلاثي» (Triple Nexus) التي تجمع بين العمل الإنساني والتنمية والسلام، معتبرًا أنها تُهمّش الأساس الحقوقي الذي يُنتج السلام فعلًا. ومن خلال استعراضه لواحد وثلاثين مخططًا لإعادة إعمار فلسطين نُشر منذ عام 1996، لم يشر سوى ثلاثة منها إلى التعويضات، يخلص إلى أن إعادة الإعمار المستدامة تتطلب تفعيل الحق في الانتصاف ورد الحقوق لملايين الأشخاص الذين جُردوا من ممتلكاتهم في المنطقة.

أما على الصعيد البيئي، فيؤكد حبيب معلوف، في مقاله «إعادة الإعمار البيئي بعد الحروب: شرط أساسي لتحقيق الاستقرار والعدالة»، أن البيئة هي «الضحية الصامتة» للحروب، وفق توصيف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وأن تجاهل تلوث التربة والمياه والهواء يحكم على جهود التعافي بالفشل، ويورث الأجيال المقبلة تبعات الحرب. ويستعرض التحول الدولي نحو مفهوم «التعافي الأخضر»، الذي يشمل الطاقة المتجددة اللامركزية، ومعايير البناء الأخضر، وإعادة تدوير الأنقاض، ومقاربات الاقتصاد الدائري، ويؤكد أن هذه التدابير تكتسب أهمية خاصة في المنطقة العربية، التي تُعد أصلًا من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام تغير المناخ وشح المياه. كما يرى أن المساءلة البيئية، والأجندة الناشئة المتعلقة بـ«الخسائر والأضرار»، ينبغي أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من إعادة الإعمار في القانون الدولي والممارسة الدولية.

وأخيرًا، تجادل سيلفانا اللقيس، في مقالها «اليوم التالي للحرب: إعادة الإعمار كمنعطف نحو المدن الدامجة والخروج من الإقصاء»، بأن الحرب لا تنتهي بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة بمجرد صمت السلاح؛ بل تبدأ حرب أكثر هدوءًا، قوامها الحواجز، والعزلة، والاعتماد القسري على الآخرين، إذا أُعيد بناء المدن من دون اعتماد معايير الإدماج. واستنادًا إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تُلزم الدول بالتخطيط مع الأشخاص ذوي الإعاقة ومن خلال منظماتهم التمثيلية، لا نيابةً عنهم، تؤكد أن التصميم الشامل يخدم الجميع في مختلف مراحل الحياة، وأن إعادة الإعمار الدامجة تمثل استثمارًا طويل الأمد، لا تكلفة إضافية. وترى أن السؤال في اليوم التالي للحرب لا ينبغي أن يقتصر على: «ماذا سنبني؟»، بل يجب أن يشمل أيضًا: «لمن نبني؟ ومن الذي قد نتركه خلفنا؟»

وتنقل هذه المساهمات مجتمعةً الرسالة الأساسية التي يسعى هذا العدد إلى ترسيخها: إن نجاح إعادة الإعمار لا يُقاس بحجم الأموال التي يُتعهد بها أو بعدد المباني التي تُشيَّد، بل بقدرتها على إنتاج مجتمعات أكثر عدالة، ودول أكثر مساءلة، واقتصادات أكثر إنتاجية، وسلام يستحق اسمه. وهذه ليست مهمة المهندسين والممولين وحدهم، بل هي مهمة المواطنين أيضًا، وتبدأ بحقهم في المشاركة في تقرير ما الذي سيُقام فوق الأنقاض.

احدث المنشورات
Jul 04, 2026
النشرة الشهرية (أيار/مايو) - إعادة الإعمار في المنطقة بعد الحرب: بناء العدالة، وليس المدن فحسب
Jul 02, 2026
إعادة إعمار عادلة تحت الاحتلال في لبنان - سهى منيمنة