Jun 22, 2026
عن إعادة الإعمار الغائبة في سوريا

عن إعادة الإعمار الغائبة في سوريا

محمد كيكي وربيع نصر
دمشق، 22 حزيران/يونيو 2026

تبدو "إعادة الإعمار" في سوريا، كما تُطرح في الخطاب الرسمي والاستثماري للمرحلة الانتقالية، وكأنها مسألة عقود وتمويل وموانئ وكهرباء وأبراج تتم فوق ركام الحرب، وتتجاهل إعادة تأسيس للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والمناطق، وبين الاقتصاد والعدالة. كما تعيد تشكيل المؤسسات العامة في ظل تغيب المشاركة الفعلية والشفافية والمساءلة، وتحويل القرار العام إلى دائرة مغلقة في السلطة التنفيذية، بحيث تصبح "إعادة الإعمار" واجهةً لإعادة إنتاج الهيمنة لا مساراً للخروج من آثار النزاع. لذلك فإن سوريا لم تدخل فعلياً مرحلة إعادة الإعمار، بل ما تزال عالقة في مرحلة ما قبلها من حيث فقدان الشروط السياسية والمؤسسية والاجتماعية التي تجعل إعادة الإعمار مشروعاً وطنياً تضمينياً. والمشكلة لا تكمن في نقص الموارد وحده، ولا في حجم الدمار الهائل، بل في أن آلية اتخاذ القرار نفسها لا تنتج عقداً اجتماعياً جديداً، فهذه الآلية تتسم بغياب التشاركية في تحديد الأولويات، وتمركز السلطة في يد نواة ضيقة، وتغليب الأمن على التنمية، والاعتماد على الخارج بوصفه مصدر الشرعية، كلها عوامل تنزع عن إعادة الإعمار مضمونها التنموي وتحولها إلى عملية انتقائية لإعادة توزيع الأصول والفرص لصالح النخبة الجديدة.

إن البنية التحتية عنصر أساسي للنشاط الإنتاجي والاستثماري، وكذلك الكهرباء والنقل والمياه والاتصالات، فهي تؤثر في تكاليف الإنتاج والتبادل وجاذبية الاستثمار. لكن السياسات المرتبطة بالبنية التحتية في بلد خارج من نزاع تحدد من يقصى من صنع القرار ومن يتضمن وأي مناطق تدمج في الدورة الاقتصادية وأي مناطق تترك في الهامش، وأي قطاعات تمنح فرصة الانتعاش وأي قطاعات تدفع إلى الانكماش. لذلك لا يمكن فصل سؤال البناء عن القضايا السياسية والاجتماعية. حتى الآن لم يترافق التحول السياسي بعد سقوط نظام الأسد مع تفكيك بنى الاستبداد، بل مع إعادة تمركز السلطة في دائرة ضيقة، ورفض المشاركة السياسية الفعلية، والاعتماد المتزايد على الشرعية الخارجية، وتبني سياسات اقتصادية نيوليبرالية وغنائمية. ويكتسب هذا التشخيص أهميته لأن "إعادة الإعمار" تتشكل داخل بنية السلطة القائمة، فإذا كانت هذه البنية قائمة على الإقصاء والقرارات المغلقة، فإن الاستثمار في البنية التحتية لن يكون بالضرورة خطوة نحو التنمية، بل قد يصبح أداة لتثبيت سلطات جديدة وشبكات مصالح جديدة.

إن أول شروط إعادة الإعمار هو وجود حوكمة تشاركية تعترف بأن السوريين ليسوا متلقين لنتائج القرارات، بل أصحاب حق في صياغتها، الأمر الذي يتطلب نقاشاً عاماً حول الأولويات، على سبيل المثال هل تمنح الأولوية لتعويض متضرري النزاع أم للاستثمارات الأكثر ربحية، أو هل الأولوية للنمو أو للتشغيل أو للانسجام الاجتماعي؟ هل تكون الأولوية للمناطق ذات الجاذبية التجارية، أم للمناطق المدمرة والمحرومة؟ هل توجه الموارد إلى العقارات والمشاريع الريعية، أم إلى الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والنقل العام والكهرباء؟ هل تدار العقود الكبرى عبر قنوات رقابية وتشريعية واضحة، أم عبر تفاهمات غامضة مع مستثمرين خارجيين وشبكات محلية نافذة؟ فحين تغيب هذه الأسئلة عن النقاش العام، لا يعود الحديث عن إعادة الإعمار سوى تسمية تقنية لعملية سياسية واقتصادية غير خاضعة للمساءلة. إن التشاركية ليست قيمة أخلاقية مطلقة بل شرطاً عملياً للخروج من النزاع، حيث تبرز الحاجة إلى بناء مؤسسات قائمة على العدالة والمواطنة وحكم القانون والتضمين والمساءلة، وفتح الفضاء العام أمام الحوار المجتمعي والمشاركة، وتفكيك البنى السياسية والعسكرية والاقتصادية المتمركزة حول النزاع.

والشرط الثاني فهو السيادة التنموية، أي قدرة المجتمع والدولة على توجيه الموارد وفق مصلحة عامة لا وفق حسابات الخارج أو مصالح النخب، فالانفتاح الدولي ورفع العقوبات وتدفق الاستثمارات المحتملة لا تكفي بحد ذاتها لإنتاج التعافي. فالتمويل الخارجي يصبح تنموياً فقط حين يدخل ضمن رؤية وطنية ومؤسسات قادرة على التخطيط والمساءلة والتنسيق، أما حين يأتي في ظل سلطة تبحث عن اعتراف خارجي أكثر مما تبحث عن شرعية داخلية، فإنه قد يعمق التبعية بدل أن يوسع السيادة. عندئذ تتحول إعادة الإعمار إلى عقود امتياز طويلة الأجل، وإلى مشاريع تتحرك وفق أولويات الممول أو المستثمر، لا وفق احتياجات السوريين الأكثر تضرراً. وليست الدعوة إلى السيادة التنموية دعوة إلى الانغلاق، فالبلاد تحتاج إلى التمويل والخبرات والتبادل الإقليمي والدولي. لكنها تحتاج قبل ذلك إلى موقع تفاوضي يقوم على الشفافية والتمثيل والمصلحة العامة، حيث لا تنشأ التبعية فقط من الحاجة إلى الخارج، بل من غياب الداخل المنظم القادر على صياغة أولوياته. ولذلك فإن أخطر ما في المرحلة الانتقالية ليس مجرد الانفتاح على الخارج، بل الانفتاح غير المشروط سياسياً واجتماعياً، حين تدار المفاوضات والاتفاقات في ملفات سيادية واقتصادية من دون رقابة عامة ومن دون مشاركة القوى المجتمعية، ومن دون برنامج وطني واضح يحدد ما الذي يمكن قبوله وما الذي يمس حقوق السوريين وسيادتهم ومستقبلهم.

الشرط الثالث هو تفكيك منطق العسكرة والأمننة، حيث لا يمكن لإعادة الإعمار أن تزدهر في ظل موازنة وسياسات عامة محكومة بأولوية الأمن والهيمنة. وتشير مؤشرات المالية العامة إلى أن النفقات الاستثمارية بقيت عند مستويات متدنية، وأن جزءاً كبيراً من الموازنة موجه إلى الدفاع والأمن، في وقت تحتاج البلاد إلى إنفاق توسعي على البنية التحتية والخدمات الأساسية والقطاعات الإنتاجية. وهذا ليس تفصيلاً محاسبياً، بل إنه يكشف طبيعة الدولة قيد التشكل، فالسلطة تنسحب من الاستثمار العام وتوسع أدوات السيطرة لتعيد إنتاج سياسات الإخضاع. والعسكرة لا تظهر فقط في بنود الموازنة، بل في طريقة إدارة المجال العام والملكية والحركة والاختلاف السياسي. حين تُعالج القضايا المحلية والأهلية والأمنية بمنطق الحملات والردع، وحين تتقدم الأجهزة الأمنية على المؤسسات المدنية والقضائية، تصبح إعادة الإعمار انتقائية بطبيعتها. فالمناطق التي تُصنّف أمنياً قد تُعاقب بالتهميش، والمتضررون قد يُطلب منهم إثبات الولاء قبل استعادة حقوقهم، والملكية قد تتحول إلى مجال للتسويات القسرية أو الاستيلاء غير الشفاف. بذلك لا تعيد الدولة بناء الثقة، بل تعيد إنتاج الخوف في صورة إجراءات إدارية واستثمارية.

أما الشرط الرابع فهو تبني نموذج اقتصادي يعيد بناء التنمية لا يفككها، فالسياسات الاقتصادية السائدة في المرحلة الانتقالية مثل رفع الدعم، وتحرير الاستيراد، وزيادة أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج، وتقليص الاستثمار العام، وطرح الأصول العامة للاستثمار أو البيع في بيئة ضعيفة الشفافية، لا تشكل قاعدة لتعافٍ إنتاجي. تشير تقديرات النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي عام 2025 إلى معدل منخفض جداً لم يتجاوز 0.3 بالمئة، مع تراجع الزراعة والصناعة التحويلية مما يكش الفجوة الكبيرة بين خطاب التعافي والواقع الإنتاجي. إن تحرير السوق في اقتصاد مدمّر لا يخلق تلقائياً منافسة ولا كفاءة، فعندما ترتفع كلفة الطاقة والتمويل، وتتراجع القدرة الشرائية، وتفتح الأسواق أمام المستوردات من دون سياسة حماية إنتاجية مؤقتة، ويضعف الاستثمار العام، يصبح المنتج المحلي الحلقة الأضعف. لا تعني الدولة التنموية العودة إلى جهاز بيروقراطي مغلق أو إلى دعم غير كفؤ، بل تعني وجود سياسة عامة قادرة على تخفيض كلفة الإنتاج، وتوجيه الائتمان، وحماية القطاعات الناشئة، وإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير الحماية الاجتماعية، وربط القطاع الخاص بأهداف التشغيل والاستدامة والعدالة المكانية.

في هذا السياق، يصبح الفائض المالي أو الإعلان عن توسع اسمي في الموازنة مؤشراً مضللاً إن لم يقرأ تنموياً، فالفائض الناتج عن تآكل الدعم، وارتفاع الرسوم والجباية غير المباشرة، وانخفاض الاستثمار العام، لا يدل على تعافٍ، بل على نقل العبء من الدولة إلى الأسر والمنتجين. وعندما تأتي نسبة كبيرة من الإيرادات من الاستهلاك والتجارة والاستيراد، بينما تبقى الضرائب المباشرة على الثروة والريوع والأرباح الكبيرة محدودة أو غامضة، فإن النظام المالي يصبح رجعياً، ويدفع الفقراء والطبقات الوسطى والمنتجون الصغار حصة أكبر من كلفة المرحلة الانتقالية. ولهذا فإن إعادة الإعمار لا يمكن أن تقاس بعدد الاتفاقيات أو حجم الوعود الاستثمارية، بل بقدرتها على إعادة دمج السوريين المهمشين في الاقتصاد والمجتمع. فالمناطق التي تعرضت لدمار واسع في مخيم اليرموك وجوبر والقابون والغوطة الشرقية وحمص القديمة وحلب القديمة والرقة ودير الزور وإدلب ودرعا لا تحتاج إلى أن تُذكر كهوامش إنسانية في خطاب وطني عام، بل إلى أن تكون في صلب الأولويات. وإعادة الإعمار التي تتجه إلى العقارات والمرافئ والمجمعات التجارية، وتترك السكن والخدمات العامة والزراعة والصناعة والتعليم والصحة في مرتبة لاحقة، تعيد إنتاج الخريطة نفسها التي ساهمت في تعميق التفاوت والمظلومية قبل النزاع وخلاله.

ويصبح التهميش أعمق حين يجري تجاهل اللاجئين والنازحين والنساء والشباب والجرحى وذوي الإعاقة والأسر التي فقدت معيلها، وحين تتحول المشاركة إلى مشاورات شكلية أو حملات علاقات عامة. فالمشاركة الفعلية تعني أن المجتمعات المحلية تشارك في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ وتقييم الأثر، وأن تكون البيانات العامة متاحة، وأن تُنشر العقود والكلف والمعايير، وأن تتاح قنوات اعتراض وإنصاف. ويتقاطع ذلك مع شرط خامس لا يقل أهمية وهو العدالة الانتقالية، فلا يمكن بناء بيوت فوق ذاكرة لم تعالج، ولا يمكن إعادة تأهيل الملكيات من دون مساءلة عن المصادرة والنهب والاستيلاء، ولا يمكن الحديث عن السلم الأهلي من دون كشف مصير المعتقلين والمختفين قسرياً، وتعويض المتضررين، ورد الحقوق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم. إن غياب برنامج شامل للعدالة الانتقالية يجعل إعادة الإعمار امتداداً للصراع بوسائل أخرى، لأن من خسر منزله أو أرضه أو عمله أو فرداً من عائلته سيجد أن «التعافي» يجري فوق مظلمته لا من خلالها. كما أن الاستقطاب المجتمعي وخطاب المكونات والهويات المتنازعة يهددان بتحويل إعادة الإعمار إلى سياسة فرز اجتماعي ومناطقي، فقد أظهرت المرحلة الانتقالية استمرار استخدام الهويات الضيقة مثل الطائفية والمناطقية لتفكيك الثقة والتضامن، وهدر رأس المال الاجتماعي من خلال خلق علاقات مشوهة قائمة على الخوف والكراهية ورفض الآخر. في مثل هذا السياق،المطلوب ترميم شروط العيش المشترك، وهذا لا يحدث بإنكار المظالم أو بدعوات عامة للمصالحة، بل عبر اعتراف قانوني وسياسي واضح بالحقوق والانتهاكات، وبناء آليات عادلة للتعويض والتمثيل.

إن طرح إعادة الإعمار، كما هو قائم اليوم، يفقد أسسه لأن السلطة الانتقالية لا تبدو بصدد بناء حوكمة مشاركة، ولا بصدد تفكيك الأمننة، ولا صياغة سياسة اقتصادية تضمينية، ولا ربط التمويل الخارجي بسيادة اجتماعية، ولا تحويل العدالة إلى إطار ناظم للتعافي. ولهذا فإن المشكلة ليست في أن إعادة الإعمار متأخرة، بل في أنها تطرح قبل بناء شروطها، فقبل المرافئ والمناطق الاستثمارية والعقود الكبرى، تحتاج سوريا إلى إطار وطني يحدد الأولويات بحسب الضرر والحاجة والعدالة المكانية؛ وإلى موازنة تعطي الاستثمار العام والخدمات والحماية الاجتماعية أولوية على الإنفاق الأمني؛ وإلى نظام بيانات مستقل وشفاف؛ وإلى قواعد واضحة لإدارة الأصول العامة؛ وإلى سياسة ضريبية أكثر تصاعدية؛ وإلى حماية مؤقتة ومنتجة للقطاعات الزراعية والصناعية؛ وإلى مشاركة فعلية للمجتمعات المحلية واللاجئين والنازحين والنساء والنقابات والقطاع الخاص المنتج والمجتمع المدني.

إن إعادة الإعمار الناجحة ليست مشروعاً ضد الدولة ولا مشروعاً للقطاع الخاص وحده، بل هي إعادة بناء للدولة بوصفها مؤسسة تنموية جامعة لا أداة جباية وسيطرة. وهي ليست مشروعاً ضد الخارج، بل مشروع يضع العلاقة مع الخارج ضمن عقد وطني واضح، وهي ليست مجرد إنصاف للضحايا بعد اكتمال البناء، بل عدالة حاضرة في طريقة تحديد الأولويات وتمويلها وتنفيذها. حين تُبنى محطة كهرباء أو طريق أو مدرسة وفق احتياجات الناس ومشاركتهم وحقهم في الرقابة، تصبح البنية التحتية جزءاً من إعادة بناء الثقة، وحين تبنى عبر شبكات مغلقة وامتيازات وعقود غامضة، تصبح جزءاً من إعادة إنتاج المظلومية. لذلك من المهم تحديد أي إعادة إعمار يريدها السوريون، ومن يملك حق تعريفها، فإذا بقي القرار محصوراً في المركز، والتمويل مرتهناً للخارج، والموازنة محكومة بالأمن، والاقتصاد موجهاً نحو الريع والاستيراد، والعدالة مؤجلة، فإن إعادة الإعمار ستتحول إلى عنوان جديد للاستبداد. أما إذا أُعيد ربطها بالمشاركة والسيادة التنموية وتفكيك اقتصاد النزاع والعدالة الانتقالية، فقد تصبح مدخلاً لإعادة بناء التنمية والدولة والمجتمع معاً.

مراجع ومصادر مختارة

• المركز السوري لبحوث السياسات. (2026أ). التعافي الخطابي والركود الفعلي للناتج المحلي الإجمالي في سوريا: الاقتصاد السياسي للتقديرات الاقتصادية الرسمية.

• المركز السوري لبحوث السياسات. (2026ب). المالية العامة في سوريا الانتقالية: فائض محاسبي وعجز في الدور التنموي للدولة وإعادة إنتاج التفاوت.

• المركز السوري لبحوث السياسات. (2020). العدالة لتجاوز النزاع: آثار النزاع السوري خلال الفترة 2016-2019.

احدث المنشورات
Jun 29, 2026
الحق في المياه في الأردن من منظور حقوق الإنسان
Jun 29, 2026
دراسة حالة: الحقّ في المياه في اليمن