Mar 17, 2026
تونس قمع متزايد ومعارضة ضعيفة ومجتمع مدني منهك - صلاح الدين الجورشي
صلاح الدين لمايزي
صحفي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات

تونس قمع متزايد ومعارضة ضعيفة ومجتمع مدني منهك

صلاح الدين الجورشي

ما يميز الحالة التونسية هو الجمود والإحساس بالخيبة والعجز. ثلاث مشاعر خطيرة قد تفسر سلوك المواطنين والنخبة، وتساعد أيضا على فهم الوضع السياسي والاجتماعي الذي يكاد يدور حول نفسه ويفقد القدرة على التغيير والتقدم. وليس من باب الصدفة أن تحتل تونس المرتبة الأولى عربيا والرابعة عالميا في معدلات الاكتئاب خلال سنة 2025 . ويؤكد تقرير World Population Review، أن نحو 6.1% من السكان يعانون من هذا الاضطراب النفسي. وذلك بسبب "تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي".

صحيح أن الثورة أو الانتفاضة التي حصلت في سنة 2011 أربكت التونسيين، وجعلتهم يتأرجحون بين الأمل في تحسين أوضاعهم، وبين الخوف من المستقبل، لكن بعد إخفاق الأحزاب السياسية التي حكمت، تضاعفت مخاوف السكان، وأصبحوا أكثر قابلية للتأثر بالخطاب الشعبوي، الذي يجمع بين تعميق الكراهية ضد السياسيين والنخب، وبين رفع الشعارات والوعود غير القابلة للتنفيذ. وأدى ذلك إلى اختيار الرئيس قيس سعيد في مرحلة أولى في انتخابات 2019 بتأييد شعبي واسع، وفي مرحلة ثانية بعد قيامه بحركة 25 جويلية 2021 التي حل بموجبها البرلمان والحكومة، وجمع كل السلطات بيده، وهو ما اعتبرته المعارضة فيما بعد انقلابا على الانتقال الديمقراطي.

تشديد التضييق على الحريات

تعرضت جميع مكونات الحياة السياسية منذ ذلك التاريخ لحصار شديد. فمعظم الأحزاب وجدت نفسها عاجزة عن القيام بدورها نتيجة فقدان القدرة على الفعل والتعبئة، وذلك بعد اعتقال ومحاكمة قادتها، الذين وصدرت في شأنهم أحكام عالية تجاوزت عشرات السنين بتهم تتعلق "التآمر على أمن الدولة". وتتواصل هذه الملاحقة بالرغم من أن السلطة لم تلغ الأحزاب، واستمرت إلى حد الآن في منح تراخيص جديدة لمن يرغب في التنظّم. كما أن وزارة الداخلية لا تزال تغض الطرف عن المعارضين ونشطاء المجتمع المدني الذين يواصلون تنظيم وقفات احتجاج والقيام بمسيرات تجمع أحيانا بضعة آلاف من المتظاهرين الذين لم يترددوا في رفع شعارات حادة ضد الرئيس سعيد، ونعته بـ "الدكتاتور".

المعارضة تحاول التنسيق

في هذا السياق حصل خلال الأشهر الأخيرة تطور لافت، ويتمثل في حصول مشاورات بين أحزاب المعارضة بهدف تقريب وجهات النظر بين مكوناتها، وذلك بعد صراع سياسي طويل ومتشنج استفادت منه السلطة كثيرا، وتسبب في تشتت المعارضة وإضعافها. وأفضى ذلك إلى تنظيم مسيرات احتجاجية شارك فيها فاعلون سياسيون ينتسبون إلى حساسيات حزبية مختلفة بمن في ذلك المنتمون إلى حركة النهضة الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى أعضاء في الحزب الدستوري من أنصار زين العابدين بن علي الرئيس السابق الذي تمت الإطاحة به بعد الثورة. واعتبر هذا القبول بالمشاركة في تحرك ميداني مؤشر إيجابي قد يؤدي مستقبلا إلى بناء جبهة سياسية تضم مختلف الأحزاب والتيارات باستثناء اليسار الراديكالي والعائلة القومية، وذلك بسبب رفضهما لكل أشكال التنسيق بل والتقاطع مع حركة النهضة بحجة اتهامها بالوقوف وراء اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وهو لم يثبته القضاء حتى الآن. ورغم اعتقال بعض العناصر القريبة من هذين الفصيلين كان آخرهم عضو بمجلس الشعب الحالي، يصر الحزبان على الدفاع عن السلطة ويتمسكان بشرعيتها.

منظمات المجتمع المدني تختنق

في خط موازي لهذا المشهد الحزبي، يشتد الخناق يوما بعد يوم حول منظمات المجتمع المدني. فعديد الجمعيات توقفت عن النشاط بسبب اتهامها بتلقي تمويلات من جهات أجنبية. ولا تزال بعض هذه الجمعيات تخضع للمحاسبة المالية والقضائية على خلفية حصولها على "أموال مشبوهة" أو بتهم تتعلق بسوء التصرف و"تبييض الأموال". ولم يؤدِّ ذلك فقط إلى تقلص مصادر تمويل هذه الجمعيات وتجفيفها، وإنما أيضا قررت عديد مؤسسات التمويل إلى غلق مقراتها في تونس والانتقال إلى دول أخرى مثل المغرب. وهو ما أثر سلبيا على العديد منها، وأضعف كثيرا المجتمع المدني الذي لم يجد في المقابل تمويلات من جهات حكومية أو قطاع خاص محلي. فخسرت السلطة والمجتمع خدمات أساسية كانت متوفرة من قبل، ودون أن تتعارض مع مبادئ الوطنية والاستقلالية والشفافية. كما ترتب عن هذا الوضع الجديد إحالة آلاف الشباب والشابات على البطالة بعد أن أصبحت الجمعيات غير قادرة على تشغيلهم.

اتحاد الشغل في قلب العاصفة

في ظل هذا التراجع في الحريات حصل تصدع خطير في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لم يحسن إدارة المعركة مع السلطة من جهة، ولم يوفر شروط التنافس الديمقراطي بين تياراته المتنافسة داخله. ونظرا للمكانة المركزية التي كانت تتمتع به هذه المنظمة الاجتماعية، فقد انعكس ضعفها على المجتمع المدني والأحزاب السياسية بشكل سلبي وخطير. هذا الاختلال في موازين القوى، جعل النقابات تتراجع قوتها، خاصة مع رفض السلطة المشاركة في أي شكل من أشكال الحوار الاجتماعي، كما رفضت الحكومة التعاون مع هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل في أي ملف من الملفات، وتمت معاقبة هذا الأخير بإيقاف الاقتطاع الآلي من الأجور لصالح ميزانية الاتحاد، وذلك بعد القرار القاضي بإلغاء التفرغ النقابي. وهو قرار ذو طابع سياسي من شأنه أن يزيد من إضعاف الاتحاد وتحجيم دوره في المستقبل.

لهذه الأسباب تقرر التعجيل بعقد المؤتمر العام لاتحاد الشغل في شهر مارس القادم بعد أن تراجع الأمين العام عن استقالته، وذلك رغم خلافه الشديد مع أغلبية أعضاء المكتب التنفيذي التي أصرت على تأجيل انعقاد المؤتمر. كما اضطرت هياكل الاتحاد لكي تتراجع عن قرار الإضراب العام الذي قررته الهيئة الإدارية ليوم 21 يناير الماضي، وذلك بسبب الأزمة التنظيمية العميقة التي يمر بها الاتحاد. وهو الإضراب الذي أربك السلطة وجعلها تتهيأ لمواجهة اجتماعية وسياسية قد تشبه الإضراب العام الذي حدث في 26 يناير 1978. وهو الإضراب الذي أدى إلى سقوط المئات من التونسيين بين قتيل وجريح بعد قرار الرئيس بورقيبة الاستعانة بالجيش إلى الشوارع واعتقال القادة النقابيين ومحاكمتهم.

الخلاصة

في ضوء هذا العرض، يتبين أن الحالة التونسية تتسم بثلاث خصائص:

أولا: تصاعد وتيرة تشديد الخناق على المعارضين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني ورجال الأعمال بطريقة غير مسبوقة، وهو ما أقرت به جميع الأحزاب وأجدته مختلف الأطراف في بياناتها وتحركاتها الاحتجاجية.

ثانيا: لا تزال الخلافات الأيديولوجية والحزبية الضيقة تحول دون توحيد المعارضة حول برنامج سياسي واقتصادي، يكون قادرا على بناء جبهة سياسية قوية ذات مصداقية عالية من شأنها أن توحد التونسيين، وتجعل منهم قوة تغيير فعلية.

ثالثا: تمر الحركة النقابية بحالة ضعف وتفكك رغم الشعارات التي حركت بها آمال التونسيين في بعض المحطات، وهو ما جعل عثراتها تتزايد، وبقيت غير قادرة على أن تكون القوة الاجتماعية التي تبشر بغد أفضل، وتقود البلاد نحو ديمقراطية اجتماعية حقيقية.

احدث المنشورات
Mar 18, 2026
من النووي إلى المنطقة العازلة: حرب على إيران أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟ - زياد عبد الصمد
Mar 17, 2026
سوريا في المرحلة الانتقالية: إعادة إنتاج الاستبداد برعاية غربية - ربيع نصر