اجتماع بون للمناخ 2026: بين أزمة التمويل وتصاعد الحروب - حبيب معلوف
افتتاح اجتماع بون للمناخ 2026: بين أزمة التمويل وتصاعد الحروب
مقدمة
مع انطلاق أعمال اجتماعات بون للمناخ (SB64) اليوم في 8 حزيران 2026 (تنتهي في 18 الجاري)، لا تبدو المفاوضات المناخية الدولية وكأنها تناقش قضية بيئية فحسب، بل باتت تعكس بصورة متزايدة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي. فالحروب الممتدة، والتنافس الجيوسياسي، وأزمات الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، كلها عوامل أصبحت تؤثر مباشرة في مسار العمل المناخي الدولي، وفي قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها تجاه اتفاق باريس.
تمثل اجتماعات بون المحطة التفاوضية الأهم قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) ، الذي يعقد نهاية هذا العام في انطاليا التركية، ولذلك ينظر إليها على أنها اختبار حقيقي لمدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
في الوقت الذي يجتمع فيه المفاوضون في بون لمناقشة مستقبل المناخ، يبدو أن الأزمة الحقيقية لم تعد تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو تزايد الكوارث الطبيعية. فالعالم يدخل هذه المفاوضات محمّلاً بأزمات أخرى لا تقل خطورة: حروب مفتوحة، تنافس جيوسياسي متصاعد، أزمات ديون، اضطرابات في أسواق الطاقة، وتراجع متزايد في الثقة بالنظام الدولي نفسه.
انطلاقا من هذه المعطيات والتحديات، لا يمكن النظر إلى اجتماعات بون 2026 باعتبارها مجرد محطة تقنية للتحضير لمؤتمر الأطراف المقبل، بل باعتبارها مرآة لتحول تاريخي أعمق: انتقال قضية المناخ من كونها قضية بيئية إلى كونها قضية تتعلق بإعادة توزيع القوة والثروة والمخاطر في العالم.
عندما برزت قضية تغير المناخ بقوة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان الخطاب السائد يقوم على فكرة بسيطة: إن البشرية تواجه خطراً مشتركاً يتطلب استجابة جماعية. لكن ما نشهده اليوم هو تآكل متزايد لهذه الفرضية. فالحرب الروسية الأوكرانية، والحرب المستمرة في الشرق الأوسط، والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، جميعها أعادت الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية والأمن القومي. وفي لحظة كهذه، تتراجع الأولويات البيئية غالباً أمام ضرورات الأمن والطاقة والغذاء.
أصبح العالم يتحدث عن "أمن الطاقة" أكثر مما يتحدث عن "الانتقال الطاقوي"، وعن "استقلال وامن سلاسل التوريد" أكثر مما يتحدث عن "التعاون الدولي". وهنا تكمن المفارقة: فالكوارث المناخية بطبيعتها قضية كونية تحتاج الى تعاون دولي لمواجهتها، بينما تزداد السياسة الدولية انغلاقاً داخل حدود المصالح الوطنية ويزداد التنفاس والصراع العالمي المميت وعلى كل شيء تقريبا.
خلف الأرقام المتعلقة بالانبعاثات والتمويل التي تبحث في بون تكمن قضية أكثر عمقاً: من يتحمل مسؤولية الكوارث؟ ومن يدفع ثمن معالجتها؟ فالدول الصناعية بنت ازدهارها خلال قرنين من استخدام الوقود الأحفوري، بينما تطالب اليوم الدول النامية بتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. ومن هنا ينبع التوتر المستمر في المفاوضات المناخية. الدول النامية لا تنظر إلى التمويل المناخي باعتباره مساعدات أو منحاً، بل باعتباره جزءاً من مسؤولية تاريخية. أما العديد من الدول الصناعية فتنظر إلى المسألة من زاوية القدرة الحالية على خفض الانبعاثات بغض النظر عن التاريخ. يترجم هذا الخلاف عند البدء بمناقشة احتياجات التكيف في الدول النامية التي تبلغ وحدها مئات مليارات الدولارات سنوياً، في حين تبقى التدفقات المالية الفعلية أقل بكثير من المطلوب. وتزداد المشكلة تعقيداً في ظل ارتفاع مستويات الديون في العديد من الدول النامية، ما يجعلها غير قادرة على الاستثمار في مشاريع التكيف أو التحول الطاقوي دون دعم خارجي. من هنا، يُتوقع أن تتحول مناقشات بون إلى ساحة مواجهة سياسية حول كيفية ترجمة التعهدات المالية السابقة إلى آليات تمويل قابلة للتنفيذ.
شكل إنشاء صندوق الخسائر والأضرار خلال السنوات الماضية إنجازاً سياسياً للدول النامية، لكنه لم يحل المشكلة. فالخلافات انتقلت من مبدأ الاعتراف بالضرر إلى أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بكيفية تحميل المسؤوليات التاريخية والجواب على سؤال من سيدفع؟ وكم سيدفع؟ وما هي معايير الاستفادة؟ هل التمويل سيكون منحاً أم قروضاً؟ بالنسبة للدول الأكثر هشاشة، لم تعد الكوارث المناخية أحداثاً استثنائية، بل أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي والاجتماعي اليومي. ولذلك تعتبر هذه الدول أن نجاح صندوق الخسائر والأضرار سيشكل اختباراً لمصداقية النظام المناخي الدولي بأكمله. ولا يبدو أن هناك امكانيات كبيرة في بون للتقدم في هذا الملف الحساس والمكلف.
من أكثر الملفات حساسية في بون ايضا العلاقة بين التحول الطاقوي والتنمية الاقتصادية. فالدول الصناعية تدفع باتجاه تسريع التخلي عن الوقود الأحفوري، بينما تؤكد العديد من الدول النامية والدول المنتجة للطاقة أن أي انتقال يجب أن يكون عادلاً وتدريجياً ومتوافقاً مع أولويات التنمية والمصالح الوطنية.
من أبرز التحولات التي ربما لن تكشفها اجتماعات بون أن عصر السوق العالمية المفتوحة بلا قيود يبدو في طريقه إلى الأفول. ففي الولايات المتحدة والصين وأوروبا، لم تعد الدولة تكتفي بتنظيم الاقتصاد، بل أصبحت تتدخل مباشرة في توجيه الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية والطاقوية. وقد وصف عدد من الباحثين هذه الظاهرة بعودة "الدولة الاستراتيجية" أو "الدولة الصناعية الجديدة". في هذا السياق، لم تعد سياسات المناخ مجرد أدوات لحماية البيئة، بل أصبحت أدوات للمنافسة الاقتصادية. البطاريات، والمعادن النادرة، والهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الكهرباء الذكية… التي بات يتم التعامل معها باعتبارها أصولاً استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط والغاز في القرن العشرين. وهكذا تتحول المناخات السياسية إلى عامل حاسم في تحديد مسار السياسات المناخية.
ثمة مفارقة أخرى تكاد تكون صادمة: بينما تدور المفاوضات حول خفض الانبعاثات، تستمر الحروب في إنتاج كميات هائلة من الانبعاثات وتدمير النظم البيئية.من دون أن يكون لهذا الموضوع اي مكان او مساحة في المفاوضات. فالمنشآت النفطية المحترقة، والبنى التحتية المدمرة، والتلوث الناتج عن العمليات العسكرية، كلها تؤثر في المناخ والبيئة. ومع ذلك لا يزال هذا الملف يحتل موقعاً هامشياً في النظام التفاوضي الدولي. كأن العالم يناقش كيفية إطفاء حريق في غرفة بينما يترك أبواباً أخرى مفتوحة أمام اشتعال حرائق جديدة. من هنا تبرز ضرورة توسيع مفهوم العدالة المناخية ليشمل العدالة البيئية في أوقات الحرب والنزاعات، وليس فقط في أوقات السلم.
تنعقد اجتماعات بون في لحظة تاريخية يبدو فيها العالم أكثر انقساماً من أي وقت مضى، فيما تتطلب مواجهة تغير المناخ أعلى درجات التعاون الدولي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فكلما ازدادت الحاجة إلى التضامن العالمي، ازدادت قوة النزعات القومية والتنافس الجيوسياسي! لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي المطروح في بون هو كيف نخفض الانبعاثات فقط، بل كيف يمكن بناء عقد عالمي جديد يوفق بين العدالة والتنمية والأمن والاستدامة. فأزمة المناخ ليست مجرد اختبار لقدرة البشر على إدارة البيئة، بل هي اختبار لقدرتهم على إعادة تعريف معنى التقدم نفسه في القرن الحادي والعشرين. يدخل العالم اجتماعات بون 2026 وهو يواجه مفارقة غير مسبوقة:
فالحاجة إلى العمل المناخي أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لكن البيئة السياسية والاقتصادية العالمية أصبحت أقل ملاءمة للتعاون الدولي.
يقول الامين التنفيذي لاتفاقية الامم المتحدة للمناخ سيمون ستيل في كلمته الافتتاحية لمؤتمر بون انه "لم يعد هناك وقت لفتح مناقشات سابقة او اعادة التفاوض على التزامات سابقة تم التعهد بها بالفعل" . وان القضايا الرئيسية التي يجب أن تحرز تقدماً في اجتماعات يونيو "الهدف العالمي للتكيف، ومؤشرات التكيف في بيليم..." والتركيز على كيفية تحقيق نتائج أول جرد عالمي للمخزون وتطوير آلية الانتقال العادل، لمساعدة جميع البلدان على دعم شعوبها وقضية التمويل بدءًا من برنامج عمل تمويل المناخ وصولًا إلى صندوق التكيف.
انطلاقا من كل ذلك، فإن نجاح هذه الاجتماعات لن يُقاس بعدد النصوص التفاوضية التي سيتم اعتمادها، بل بقدرتها على بناء الثقة بين الشمال والجنوب، وتحويل العدالة المناخية من شعار سياسي إلى آليات عملية للتمويل والتنفيذ والدعم. فإذا كانت مؤتمرات المناخ السابقة قد انشغلت بصياغة التعهدات، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: من سيدفع ثمن التحول المناخي العالمي، وكيف سيتم توزيع أعبائه ومنافعه في عالم يزداد انقساماً وعدم مساواة وفي وقت تزيد الدول من موازناتها على الحروب وعلى حساب باقي القضايا ؟
احدث المنشورات