اليوم التالي للحرب: إعادة الإعمار كمنعطف نحو المدن الدامجة والخروج من الإقصاء
اليوم التالي للحرب: إعادة الإعمار كمنعطف نحو المدن الدامجة والخروج من الإقصاء
البناء وفق المعايير الدامجة هو مدخل أساسي إلى التماسك الاجتماعي، لأن المدينة التي تتيح للجميع الوصول والمشاركة، تبني مجتمعًا أكثر عدلًا وقربًا وقدرة على النهوض.
في اليوم التالي للحرب، لا تبدأ إعادة الإعمار من الإسمنت والحجر فقط، بل من سؤال أساسي: أي نوع من المدن نريد أن نبني؟ مدن تعيد إنتاج الحواجز القديمة، أم مدن دامجة تمنح كل إنسان حق الوصول، والحماية، والمشاركة، والعيش بكرامة؟
في لبنان وفلسطين والسودان، خلّفت الحروب دمارًا واسعًا في البيوت، والأحياء، والخدمات، والبنى التحتية. لكن الخطر لا ينتهي عندما يتوقف القصف. فقد يستمر بشكل آخر إذا أُعيد بناء المدن من دون اعتماد معايير دامجة، ومن دون إشراك الأشخاص المعوقين في التخطيط والقرار. هنا يصبح الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة أكثر من هدف عمراني أو تنموي. يصبح دعوة إلى بناء مدن آمنة، مرنة، ومستدامة، لا تترك أحدًا خلفها. فالمدينة العادلة ليست تلك التي تُرمّم ما تهدّم فقط، بل تلك التي تضمن أن ما يُبنى من جديد يمكن للجميع الوصول إليه واستخدامه بكرامة.
حين لا نبني بطريقة دامجة، نُطيل عمر الأذى
إن تجاهل المعايير الدامجة في إعادة الإعمار لا يعني فقط خطأً هندسيًا أو تفصيلًا تقنيًا. إنه يعني إطالة عمر المعاناة، وتحويل ما كان يجب أن يكون بداية جديدة إلى استمرار لشكل آخر من الأذى.
يعني أن يعود شخص إلى حيّه ولا يستطيع دخول منزله. أن يصل إلى مركز صحي ولا يجد طريقًا مهيّأً للدخول. أن يسكن في مأوى لا يستطيع استخدام حمامه. أن يحتاج إلى معلومة عاجلة ولا يستطيع سماعها أو رؤيتها أو فهمها. أن يبحث عن مدرسة أو عمل، فيجد أن المدينة الجديدة ما زالت تغلق الباب أمامه. بهذا المعنى، لا تنتهي الحرب عند الأشخاص المعوقين عندما يسكت السلاح. فقد تبدأ حرب أخرى، أقل ظهورًا لكنها قاسية: حرب الحواجز، والعزلة، وفقدان الاستقلالية، والاعتماد القسري على الآخرين.
كي لا يصبح الضحايا ضحايا مرة ثانية
من المهم أن نضيء على إصابات الحرب والضحايا الذين قد يخرجون منها بإعاقات دائمة أو مؤقتة. فالحروب لا تقتل وتدمّر فقط، بل تترك أجسادًا مصابة، وحواسًا متضررة، واحتياجات طويلة الأمد للعلاج، والتأهيل، والدعم، والأدوات المساعدة. ولا يجوز أن يصبح هؤلاء ضحايا مرة ثانية بسبب مدينة لا تراعيهم، أو بيت لا يستطيعون دخوله، أو خدمة لا يمكنهم الوصول إليها، أو خطة إعادة إعمار لم تُصمَّم معهم ومن أجلهم. من يفقد قدرته على الحركة، أو السمع، أو النظر، أو من يحتاج إلى علاج وتأهيل، لا يحتاج إلى التعاطف فقط. يحتاج إلى بيئة تسمح له بالعودة إلى الحياة. يحتاج إلى شارع يمكن استخدامه، ومركز صحي يمكن الوصول إليه، ومدرسة أو مكان عمل لا يضعان أمامه حواجز جديدة.
الإعاقة قد تطال الجميع في أوقات مختلفة
علينا أن نتذكر أن الإعاقة ليست حالة بعيدة عنّا أو تخص مجموعة محددة فقط. فكل إنسان قد يمرّ في مرحلة من حياته بتجربة تحدّ من حركته، أو قدرته على السمع أو النظر أو الفهم أو التواصل، سواء بسبب التقدم في العمر، أو المرض، أو الإصابة، أو الحمل، أو حادث مؤقت، أو حتى بسبب الخوف والضغط في أوقات الأزمات. لذلك، فإن البيئة الدامجة لا تخدم الأشخاص المعوقين وحدهم. هي تخدم الجميع في لحظات مختلفة من الحياة. فالمنحدر الذي يساعد مستخدم الكرسي المتحرك يساعد أيضًا كبار السن، والأهل الذين يدفعون عربة طفل، والشخص الذي يحمل حقائب ثقيلة. والمعلومة الواضحة والمكتوبة أو المسموعة أو المرئية تساعد الجميع في لحظات الارتباك والخطر. عندما نبني للأشخاص المعوقين، نحن في الحقيقة نبني للجميع.
من المقاربة المنفصلة إلى السياسات الدامجة
من أبرز التحديات في دولنا وأنظمتنا أنها اعتادت، في كثير من الأحيان، التعامل مع قضايا الأشخاص المعوقين بشكل منفصل وموازٍ، بدل إدماجها بطريقة ممنهجة داخل السياسات العامة، والتخطيط العمراني، والخدمات، والاستجابة للأزمات. وهذا النمط لا يرتبط فقط بضعف الموارد أو القوانين، بل أيضًا بنظرة تقليدية نمطية ما زالت ترى الأشخاص المعوقين كفئة تحتاج إلى رعاية خاصة، بدل النظر إليهم كأصحاب حقوق وشركاء كاملين في المجتمع وصناعة القرار. هذه المقاربة لم تعد مقبولة، خصوصًا في مرحلة إعادة الإعمار. فلا يكفي إنشاء حلول جانبية أو مسارات موازية للأشخاص المعوقين. المطلوب أن تكون المعايير الدامجة جزءًا من صلب التخطيط منذ البداية، لا إضافة لاحقة بعد انتهاء التصاميم.
لا إعادة إعمار دامجة من دون مشاركة الأشخاص المعوقين
تؤكد الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوقين، التي صدّق عليها لبنان وعدد كبير من الدول العربية، أن الأشخاص المعوقين ليسوا متلقّين للمساعدة فقط، بل أصحاب حقوق وشركاء في القرارات التي تعنيهم. وتشير المادة الرابعة، ولا سيما الفقرة الثالثة، إلى ضرورة التشاور معهم وإشراكهم، عبر منظماتهم التمثيلية، في إعداد وتنفيذ السياسات والتشريعات. وهذا المبدأ يصبح أكثر إلحاحًا في اليوم التالي للحرب، فإعادة الإعمار لا يجب أن تُخطَّط نيابة عن الأشخاص المعوقين، بل معهم وبمشاركتهم منذ المراحل الأولى. فمن يعرف الحواجز أكثر ممن يواجهها يوميًا. ومن يستطيع أن يحدّد معنى الوصول الآمن، والكرامة، والاستقلالية، أكثر من الأشخاص المعوقين أنفسهم. إن إشراكهم ليس خطوة شكلية، بل هو ضمانة كي لا تعيد المدن الجديدة إنتاج الحواجز القديمة.
المدن الدامجة ليست كلفة إضافية
الأشخاص المعوقون ليسوا فئة صغيرة أو هامشية. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن نسبة كبيرة من سكان العالم تعيش مع شكل من أشكال الإعاقة، وفي لبنان تشير التقديرات إلى أن ما بين 10% و15% من السكان هم من الأشخاص المعوقين. كما أن الحروب قد ترفع هذه النسب بسبب الإصابات، والصدمات، وتراجع الخدمات الصحية والتأهيلية. لذلك، فإن تجاهل المعايير الدامجة ليس خسارة إنسانية واجتماعية فقط، بل هو أيضًا خسارة اقتصادية ووطنية. فعندما تُبنى المدن والخدمات بطريقة تُقصي جزءًا من الناس، يُحرم كثيرون من التعليم، والعمل، والإنتاج، والاستهلاك، والمشاركة في الحياة العامة. وبدل أن تكون إعادة الإعمار فرصة لتحريك الاقتصاد ودمج الجميع في النهوض، يصبح غياب المعايير الدامجة سببًا في زيادة العزلة، والاعتماد، وكلفة الرعاية، وفقدان طاقات بشرية كان يمكن أن تساهم في إعادة بناء البلد. البيئة المبنية الدامجة ليست كلفة إضافية. إنها استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي الاقتصاد، وفي التماسك الاجتماعي. فعندما يستطيع الجميع الوصول والمشاركة والعيش بكرامة، يصبح المجتمع أكثر عدلًا، وأكثر قربًا، وأكثر قدرة على احتضان اختلاف أفراده.
المدن الدامجة مدخل لتحقيق التنمية المستدامة
إن البيئة المبنية الدامجة لا تخدم الهدف 11 وحده، بل تسهّل تحقيق غايات أهداف التنمية المستدامة ككل. لأن الوصول إلى التعليم، والعمل، والصحة، والحماية، والمشاركة العامة، يبدأ من بيئة تسمح للجميع بالحضور والمشاركة بكرامة. لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة إذا بقي جزء من الناس خارج الوصول، وخارج القرار، وخارج الفرص. فالدمج ليس مسارًا جانبيًا داخل التنمية، بل شرط أساسي لنجاحها. وهنا تتقاطع فكرة المدن الدامجة مع مبدأ أساسي: كل الحقوق لكل الناس. فحق السكن، والتنقّل، والعمل، والتعليم، والثقافة، والحماية، والمشاركة في الحياة العامة، لا يجب أن يكون مرتبطًا بقدرة الجسد أو الحواس أو الظروف الصحية والذهنية. الحقوق لا تصبح كاملة إذا بقي بعض الناس خارجها.
في اليوم التالي للحرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا سنبني؟ بل علينا أن نسأل: لمن سنبني؟ ومن سيستطيع استخدام ما نبنيه؟ ومن قد نتركه خلفنا إذا لم نغيّر طريقة التفكير؟ إن إعادة الإعمار الدامجة ليست تفصيلًا تقنيًا. إنها خيار حقوقي، وإنساني، واقتصادي، وتنموي. إنها فرصة كي لا نعيد بناء المدن فقط، بل أن نعيد بناء العدالة، والكرامة، والثقة، والقدرة على العيش المشترك. فالمدينة العادلة هي التي تؤمن بأن كل الحقوق لكل الناس، وأن البناء للأشخاص المعوقين هو في الحقيقة بناء لمجتمع يحمي الجميع.
للتوثيق : لبنان وقّع الاتفاقية في 14
حزيران 2007 وصدّق عليها في 5 حزيران 2025 بحسب سجل معاهدات الأمم المتحدة. كما
تنص المادة 4(3) على التشاور الوثيق والإشراك الفعّال للأشخاص المعوقين عبر
منظماتهم التمثيلية. ويقدّر البنك الدولي أن أكثر من مليار شخص، أي نحو 16% من
سكان العالم، لديهم إعاقة، بينما تشير تقديرات متداولة حول لبنان إلى نسبة –15%.
كما يربط البنك الدولي الاستبعاد بخسائر اقتصادية قد تصل إلى 3–7% من الناتج
المحلي.
احدث المنشورات