Mar 17, 2026
الانتخابات في المنطقة العربية بين التمثيل السياسي وإعادة انتاج السلطة - رشيد زعزع

الانتخابات في المنطقة العربية بين التمثيل السياسي وإعادة انتاج السلطة

رشيد زعزع 

لم تكن الانتخابات في العديد من الدول العربية، سواء قبل عام 2011 او بعده، اداة فعلية لتداول السلطة بقدر ما شكلت اطاراً اجرائياً لتنظيمها واعادة توزيعها ضمن حدود فرضها النظام السياسي القائم. ورغم التوقعات التي رافقت التحولات السياسية في المنطقة حول امكان انتقالها نحو انظمة حكم أكثر تمثيلاً، اظهرت التجارب اللاحقة ان البيئة التشريعية والقانونية والسياسية واليات تنظيم العملية الانتخابية، وصلاحيات التعيين من قبل السلطة التنفيذية، وحدود التنافس السياسي، يمكن ان تؤثر في النتائج قبل الوصول الى صناديق الاقتراع. في هذا السياق، تطرح الانتخابات ليس كأداة تغيير بحد ذاتها، بل كجزء من منظومة حكم تستخدم القوانين والانتخابات لإعادة انتاج الشرعية ضمن إطار تحددها موازين القوة داخل النظام السياسي.

تقدم التجارب الانتخابية في تونس ومصر وسوريا في السنوات الأخيرة نماذج مختلفة لمسارات العلاقة بين الانتخابات والسلطة السياسية في مرحلة ما بعد التحولات السياسية التي مرت بها.

تونس

دخلت تونس المرحلة الانتقالية بعد عام 2011 في ظل توافق نسبي حول النظام السياسي وقواعد العملية الانتخابية، حيث اعتمدت نظام التمثيل النسبي ضمن دوائر موسعة، ما سمح بتعددية حزبية وتمثيل اوسع للفئات الاجتماعية والسياسية. غير ان هذه الدينامية بدأت بالتراجع تدريجياً مع تفاقم الازمة السياسية والاقتصادية.

منذ عام 2021، شهدت البلاد تحولاً جذرياً في طبيعة ممارسة السلطة، تمثل في تعليق عمل البرلمان، وحل المؤسسات الدستورية، واصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وصولاً الى اقرار دستور جديد عبر استفتاء بلغت نسبة المشاركة فيه نحو 30%. وقد ادى هذا التحول الى تركيز السلطتين التنفيذية والتشريعية في يد رئيس الجمهورية، بما اثار جدلاً واسعاً حول احترام مبدأ الفصل بين السلطات. وقد استفاد الرئيس من مادة دستورية تتيح تعليق العمل بالدستور لفترة زمنية محددة، ولكن في ظل ظروف استثنائية معللة، فجاء قرار تعليق الدستور من دون تبرير مقنع واستمر لفترة زمنية أطول الى ان تم تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي اعطى بموجبه الرئيس صاحيات موسعة كانت مجال انتقاد من قبل فعاليات سياسية واجتماعية بما فيها المجتمع الدولي.

انعكس هذا الوضع على المسار الانتخابي اللاحق، حيث جرت الانتخابات التشريعية في ديسمبر 2022 بعد تعليق العمل بالهيئة المستقلة المناط بها تنظيم الانتخابات بقرار رئاسي، بنسبة مشاركة لم تتجاوز 9%، في ظل دعوات واسعة للمقاطعة، واعتقالات طالت شخصيات سياسية معارضة، وتقييد لعمل وسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني. كما سجلت الانتخابات الرئاسية لعام 2024 حالات اقصاء لمرشحين بقرارات ادارية لم يتم الالتزام بأحكام القضاء بشأنها، ما أضعف الثقة باستقلالية الادارة الانتخابية.

بذلك، تحولت الانتخابات في تونس من وسيلة لتنظيم التنافس السياسي الى جزء من منظومة تعيد توزيع السلطة تحت سيطرة السلطة التنفيذية وبالتحديد رئاسة الجمهورية.

مصر

تعتمد مصر وفق دستور 2014 نظاماً رئاسياً برلمانياً يتميز بدرجة عالية من تركز السلطة في يد رئيس الجمهورية، مدعوماً بدور محوري مهيمن للمؤسسة العسكرية على المستوى السياسي والاقتصادي. ورغم رفع حالة الطوارئ رسمياً عام 2021، اقرت تعديلات تشريعية لاحقة تتعلق بمكافحة الارهاب وحماية المنشآت الحيوية وصون اسرار الدولة، وفرت اساساً قانونياً لتنظيم الفضاء العام وتقييد المشاركة السياسية ضمن حدود محددة. وقد جرت الانتخابات الرئاسية لعام 2023 في ظل هذا المناخ، حيث سبقتها حملة توقيفات طالت ناشطين سياسيين وصحفيين، وفرضت شروطا اجرائية مرهقة على المرشحين المحتملين، ما حد من فرص المنافسة الفعلية ودفع بعض قوى المعارضة الى الدعوة للمقاطعة.

هذا المسار لم يقتصر على الانتخابات الرئاسية فقط، بل تجلى بشكل اوضح في الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2025 لاختيار مجلس النواب الجديد. فقد اعتمد القانون الانتخابي نظاماً مختلطاً يجمع بين الترشح الفردي والقوائم الحزبية المغلقة، بحيث يتم انتخاب غالبية الاعضاء عبر الاقتراع المباشر، فيما يحتفظ رئيس الجمهورية بصلاحية تعيين عدد من الاعضاء داخل المجلس. وتسمح هذه الالية التنفيذية بإدخال شخصيات سياسية او تكنوقراطية ضمن البنية التشريعية من خارج العملية التنافسية المباشرة، ما يعزز من قدرة السلطة التنفيذية على التأثير في التوازنات البرلمانية.

من الناحية العملية، يؤدي اعتماد نظام القوائم المغلقة غالباً الى فوز القائمة الحاصلة على النسبة المطلوبة بكامل المقاعد المخصصة للدائرة، ما يقلص من فرص التمثيل النسبي للقوى السياسية المختلفة ويعزز حضور الائتلافات الكبرى، لاسيما تلك الداعمة السلطة. كما جرت العملية الانتخابية في ظل قيود مستمرة على التنظيم السياسي المستقل، الامر الذي حد من امكانية قيام منافسة انتخابية فعلية بين القوى المتنافسة.

في هذا الإطار، تبدو الانتخابات التشريعية والرئاسية معاًً جزءاً من منظومة مؤسساتية تهيمن عليها السلطة التنفيذية، حيث تسمح اليات التعيين الرئاسي، وطبيعة النظام الانتخابي المختلط، وتقييد الفضاء السياسي، بالحفاظ على توازن برلماني داعم للسلطة، بما يجعل العملية الانتخابية اداة لتجديد الشرعية السياسية أكثر من كونها مدخلاً فعلياً لتداولهاً.

سوريا

في سوريا، جاءت الانتخابات النيابية لعام 2025 في سياق مختلف، اذ نظمت بعد سقوط النظام السابق ودخول البلاد مرحلة انتقالية اتسمت بفراغ واسع في المؤسسات، اعتبرت السلطة الناشئة الحاجة الى أربع سنوات لإنجازها تتضمن اعتماد دستور جديد للبلاد وانتخابات هيئات تمثيلية جديدة. ما برر عدم الاعتماد على الاقتراع الشعبي المباشر لتشكيل مجلس الشعب الانتقالي، بل على نظام انتخاب غير مباشر تشارك فيه هيئات ناخبة محلية مختارة مسبقاً من دون معايير واضحة او شفافة.

تم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات بمرسوم رئاسي، ومنحت صلاحيات واسعة تشمل تحديد الدوائر الانتخابية، واعتماد الهيئات الناخبة، واستبعاد المرشحين بناء على معايير عامة مثل الارتباط بالنظام السابق كما تم استبعاد المحافظات التي تعان يمن التوتر او تباينات مع النظام الجديد لقائم. كما تم تعيين 70 عضواً من أصل 210 اعضاء في مجلس الشعب مباشرة من قبل رئيس الجمهورية.

في ظل استمرار التدهور الاقتصادي، وغياب بيئة سياسية امنة، وعدم مشاركة المواطنين بشكل مباشر في عملية الاقتراع، قدمت الانتخابات بوصفها اجراءً تنظيمياً مؤقتاً لسد الفراغ المؤسساتي، أكثر من كونها ممارسة ديمقراطية قائمة على التمثيل الشعبي.

بالخلاصة تشير التجارب الانتخابية في تونس ومصر وسوريا الى ان الانتخابات في حد ذاتها لا تشكل ضمانة للتحول الديمقراطي، بل تعتمد فعاليتها على السياق السياسي والقانوني الذي تجرى ضمنه. ففي الحالات الثلاث، لم تكن العملية الانتخابية منفصلة عن تركيبة السلطة القائمة، بل جرت ضمن اطر قانونية واجرائية سمحت للسلطة التنفيذية بالحفاظ على موقعها المركزي داخل النظام السياسي.

في تونس، ارتبط المسار الانتخابي بتغييرات دستورية وقانونية عززت من صلاحيات الرئاسة على حساب المؤسسات التمثيلية، بينما شهدت مصر ادماج اليات تعيين رئاسي ضمن البنية البرلمانية، الى جانب نظام انتخابي مختلط يقلص من فرص التعددية الحزبية الفعلية. اما في سوريا، فقد اتخذت الانتخابات طابعاً انتقالياً غير مباشر، يجمع بين الانتخاب المحدود والتعيين التنفيذي، في ظل غياب اقتراع شعبي شامل.

تعكس هذه النماذج تحولاً في وظيفة الانتخابات من كونها اداة لتداول السلطة الى آلية لإعادة تنظيمها ضمن إطار قانوني يضفي طابعاً تمثيلياً على ممارسات سياسية قائمة. وفي ظل تركز الصلاحيات، وضعف استقلالية الهيئات الانتخابية، وتقييد الفضاء العام، مع ضعف الثقافة الانتخابية عند المجتمعات التي عانت من سنوات من الاستبداد والتهميش وقمع الحريات العامة في إطار الفضاء المدني، تتحول العملية الانتخابية الى وسيلة لإعادة انتاج النخب الحاكمة، بدلاً من ان تكون مدخلاً فعلياً للتغيير السياسي.

وعليه، فان تعزيز الدور التغييري للانتخابات في المنطقة العربية يتطلب تعزيز ثقافة المواطنة التي تقوم على التعددية واحترام الاخر والتنوع السياسي والثقافي والفكري، وضمان استقلالية الادارة الانتخابية، واحترام مبدأ الفصل بين السلطات، وإلغاء وتقييد صلاحيات التعيين التنفيذي داخل المؤسسات التمثيلية، وتوفير إطار قانوني وبيئة سياسية تسمح بالتنافس الحر ومراقبة المجتمع المدني. في غياب هذه الشروط، تبقى الانتخابات اطاراً اجرائياً قد يستخدم لتكريس شرعية قائمة، بدلاً من ان يكون اداة لتداول السلطة او اعادة توزيعها.

احدث المنشورات
Mar 18, 2026
من النووي إلى المنطقة العازلة: حرب على إيران أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟ - زياد عبد الصمد
Mar 17, 2026
سوريا في المرحلة الانتقالية: إعادة إنتاج الاستبداد برعاية غربية - ربيع نصر