Apr 27, 2026
لبنان في الحرب: بين الصراع الخارجي والأزمة الداخلية - اديب نعمه
اديب نعمه
خبير ومستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
اديب نعمه

لبنان في الحرب: بين الصراع الخارجي والأزمة الداخلية

اديب نعمه

الحروب: مواجهات شاملة

لا تخاض الحروب بالبنادق والدبابات والتكنولوجيا فحسب، بل هي مواجهات عنيفة وشاملة يتواجه فيها طرفان (او أكثر)، يستخدمان كل عناصر القوة التي تتيح لأي منهما التفوق على عدوه. وفي عالمنا المعاصر، وبشكل عام، لا أحد ينتصر 100%، كما ان أحدا لا يخسر كل شيء. فبحكم الطابع المركب والمتعدد المستويات للحروب بما هي مواجهات شاملة لا يترجم الانتصار العسكري مباشرة – لاسيما اذا كان محدودا او نسبيا – في نتائج سياسية بالتوازن نفسه للميزان العسكري، ذلك ان ثمة عناصر قوة سياسية دولية او داخلية، وعناصر قوة أخرى اقتصادية واجتماعية وحتى معنوية ونفسية، يمكن ان ترجح محصلة الصراع لتعزيز الانتصار العسكري، او تعدّله او تحاصر بعض نتائجه السياسية او الاقتصادية...الخ. من جهة أخرى، ان أي حرب، حتى الموضعية منها، لا تجري خارج مناخ عالمي وتوازنات عالمية لها تأثيرها أيضا؛ بالإضافة الى عامل غالبا من يتم اغفاله وهو السياق التاريخي وخصائص المجتمع والدولة في البلدان المعنية وتجاربها السابقة، وكذلك كفاءة من يقودون المواجهة الشاملة، لا العسكرية فقط.

تضع الحروب اوزارها بعد وقت قد يقصر او يطول، فتنتهي باستسلام (وهو الصيغة القصوى لترجمة التفوق العسكري في السياسة)؛ او تفاوض يؤدي الى تسويات واتفاقات. هذه الاخيرة ليس امتدادا بسيطا لميزان القوى العسكري، اذ تساهم عوامل سياسية وجيوسياسية وعوامل أخرى منها وضعية "الجبهة الداخلية" في البلدان المتحاربة وكفاءة الفريق المفاوض، في تعديل ميزان القوى العسكري. غالبا ما يضع الخطاب التبسيطي المواجهة العسكرية في مواجهة التفاوض، وهذا فهم ميتافزيقي يعزل الوسائل عن الغايات والتصورات عن الواقع. ففي واقع الأمر، من يملك عناصر القوة الشاملة ويحسن ادارتها يمكنه ان يحقق المكاسب سواء خاض المواجهة العسكرية او التفاوض؛ في حين ان من يعاني من الضعف او لا يملك عناصر القوة الكافية او لا يحسن ادارتها، فإنه على الأرجح سوف يكون خاسرا في المحصلة العامة، سواء خاض الحرب او ذهب الى التفاوض او التسوية. فالمشكلة ليست في الشكل والآليات بل هي في امتلاك عناصر القوة الشاملة، وفي امتلاك الديناميات الإيجابية التي تسمح بالمواجهة الاستراتيجية التي يذهب اليها طوعا، او تفرض عليه.

اهداف خارجية، وداخلية ايضا

الحرب ظاهرة مركبة بطبيعتها، مثلها مثل كل الظاهرات الاجتماعية، وهي تخاض من اجل تحقيق جملة اهداف لا هدفا واحدا وحيدا، وان بدا الأمر كذلك لضرورات أيديولوجية او معنوية او سياسية، لضرورات البروباغاندا الحربية التي تواكب الحروب. تشنّ الحرب عموما من اجل تحقيق نوعين رئيسيين من الأهداف، الأول خارجي، والثاني داخلي؛ حرب ضد الخارج وحرب ضد الداخل، كما نرى ذلك في الحرب الدائرة في لبنان حاليا. ولا نتناول هنا الربط بين الحرب في لبنان والأطراف المنخرطة فيها وبين الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، بل نركز تحديدا على جوانب تتصل بالوضع المباشر في لبنان لتظهير فكرة محددة تهمنا في هذه اللحظة.

حرب إسرائيل على لبنان

وهي في واقع الامر حربان: الحرب الأولى هي حرب لتحقيق اهداف داخلية في إسرائيل نفسها، عنوانها – مع قدر من التبسيط – ترسيخ سلطة حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو (وهي ليست محل اهتمامنا هنا). والحرب الثانية هي الحرب ضد لبنان، وهي حرب فرعية أولى على حزب الله، وشكلها الطاغي هو الحرب العسكرية وغارات الطيران والقصف والقتل والتوغل على الأرض من اجل انشاء نقاط تمركز او احتلال... الخ؛ وهي حرب عسكرية من الطرفين. اما الحرب الفرعية الثانية فهي تلك التي تخوضها إسرائيل ضد الدولة اللبنانية. هذه الاخيرة أكثر خبثا وتستخدم فيها القوى العسكرية المباشرة من خلال الاعتداءات والضربات وعمليات القتل والقصف والتهجير الجماعي وتدمير القرى في المناطق الحدودية، التي يمكن ان تندرج في خانة الضغط العسكري وغير العسكري الشامل على الدولة اللبنانية. الغاية من ذلك تحقيق هدفين مترابطين: الأول هو ضرب او إعاقة مشروع استعادة الدولة لدورها وسلطتها في لبنان من جهة أولى بما هو هدف إسرائيلي استراتيجي من اجل ضمان أمن إسرائيل من خلال احاطة نفسها بدول ضعيفة؛ والهدف الثاني هو اضعافها لعرقلة قدرتها على استجماع عناصر القوة المحتملة ديبلوماسيا وسياسيا للحد من ترجمة التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق الى تفوق سياسي وديبلوماسي بالمستوى نفسه، الأمر الذي يتيح لإسرائيل مواجهة أي محاولة للحد من الخسائر، وإمكانية بناء عناصر قوة شاملة مستقبلية من قبل الدولة اللبنانية. وفي اقصى الحالات تسعى إسرائيل الى فرض قيام حكومة مستسلمة او مؤيدة لها.

وضعت إسرائيل استراتيجية عسكرية ومن ضمنها الدعاية السياسية المرتبطة بها، شديدة الخبث تسعى من خلالها بشكل صريح او خفي، الى زيادة مخاطر الاضطرابات الداخلية في لبنان مستندة في ذلك الى استمرار مخلفات الحرب الاهلية وانقساماتها، والى الانقسامات السياسية والاجتماعية الحادة التي ولدتها ممارسات الصراع الداخلي في لبنان بعد تحرير لبنان عام 2000، وتفريغ الدولة من سلطتها الفعلية بشكل متدرج بلغ حده الأقصى اثناء حرب اسناد غزة عام 2024.

حرب ضد إسرائيل وضد مشروع الدولة

تدور على ارض لبنان سبعة حروب/مواجهات متداخلة. من الجهة الإسرائيلية هناك الحرب الأولى بما هي امتداد للحرب الإيرانية والأميركية على إيران، وتخوضها ضد طرف غير دولتي تعتبره امتدادا للحرس الثوري الإيراني، وهي الحرب/المواجهة العسكرية الأولى. الحرب الثانية هي الحرب/المواجهة العسكرية مع هذا الطرف غير الدولتي نفسه لتحقيق اهداف عسكرية في لبنان. والثالثة هي الحرب/المواجهة العسكرية والسياسية المباشرة وغير المباشرة على الدولة اللبنانية كما سبقت الإشارة الى ذلك.

من الجهة اللبنانية، هناك اربعة حروب أيضا. الأولى هي الحرب/المواجهة العسكرية من قبل حزب الله ضد إسرائيل بما هي تمثل البعد الإقليمي لدوره المرتبط بإيران، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية، وليس محل اهتمامنا الرئيسي في هذا النص. والحرب/المواجهة العسكرية الثانية التي يخوضها الحزب نفسه ضد إسرائيل في ما يتعلق بأهداف عسكرية وسياسية لبنانية. هاتان الحربان الأولى والثانية هما بين طرف غير دولتي وإسرائيل، والحكومة اللبنانية أعلنت عدم علاقاتها بالحرب الأولى الإقليمية على إيران، ونأت بنفسها عن المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل في الحرب الثانية نظرا لإنها لم تتخذ قرار الحرب أصلا بل اتخذه طرف غير دولتي ليس لها سلطة فعلية عليه.

الحرب/المواجهة الثالثة هي المواجهة الديبلوماسية بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وقد اختارت الحكومة اللبنانية هذا النوع من المواجهة من اجل الحد من اختلال ميزان القوى العسكري، حيث انها تتوقع ان تكون شروطها افضل من نتائج ميزان القوى العسكري في الميدان. المواجهة الداخلية الرابعة، التي لا يمكن تسميتها حربا رغم كونها مواجهة سياسية حادة ومتصلة اتصالا وثيقا بالحروب العسكرية الدائرة، فهي المواجهة بين الدولة/الحكومة وبين الطرف غير الدولتي الذي تفرّد بخوض الحرب، وهو هنا حزب الله. وهذا الحزب تمكن على امتداد عقود من بناء مشروعه الخاص داخل لبنان على حساب الدولة اللبنانية وخارج مؤسساتها؛ كما سيطر على مفاصل القرار داخل مؤسسات الدولة نفسها لاسيما بعد 2006.

ثمة تناقض واضح في الموقف والخطاب والممارسة بين الطرفين، الحكومة تسعى الى استعادة قرار الدولة بما هي صاحبة قرار الحرب والسلم بما في ذلك بساط سيادتها وحصرية استخدام السلاح والقوة الشرعية؛ في حين ان مشروع حزب الله يتطلب شرعنة واستمرارية العمل العسكري خارج إطار الدولة ومؤسساتها على ما كان عليه الوضع خلال العقود السابقة. وثمة قلق كبير – ربطا بتاريخ الصراع الأهلي في لبنان – ان يتحول هذا التعارض السياسي الى نوع من الحرب بين الطرفين حيث تكون إعاقة مشروع استعادة الدولة احد اهداف الحزب الداخلية، وهو ما تراه قوى سياسية متعددة وشرائح واسعة من اللبنانيين.

في لبنان الحكومة ليست السلطة

لتسهيل فهم هذا التناقض بالنسبة الى القارئ غير اللبناني، نذكر أن احتكار استخدام القوة الشرعية هو التعريف البديهي للدولة الحديثة. وما نسميه مشروع الدولة في لبنان، يعني تحديدا ان تكون السلطة داخل الدولة ومؤسساتها لا خارجها (كي لا نقول خارج لبنان)، هو لبّ المسألة هنا. وهذه مسألة غير مألوفة في البلدان العربية حيث السلطة شديدة المركزية وهي موجودة في مؤسسة الحكم الفعلية (غالبا الحاكم الأعلى شخصا او مؤسسة). فالوضع الذي كان قائما خلال العقود السابقة كان خلاف ذلك تماما: مركز السلطة او القرار كان خارج لبنان (على الأقل منذ التسعينات ومرحلة الوصاية السورية بعد اتفاق الطائف)، كما ان السلطة الفعلية كانت خارج المؤسسات الدستورية. وقد عرف لبنان صيغ متعددة من هذا التخارج بين الدولة والمؤسسات وبين السلطة الفعلية التي تعني القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وقد بلغ ذلك ذروته في السنوات الأخيرة في شكل أول هو حصر قرار الحرب والسلم بشكل صريح وكامل خارج الدولة ومؤسساتها لاسيما الحكومة، وهذا ما كان عليه الامر خلال حرب 2006 وحرب اسناد غزة عام 2024 واليوم (حرب 2026). والشكل الثاني هو احتلال قرار المؤسسات او تعطيله من داخل المؤسسات نفسها لاسيما بعد اتفاق الدوحة عام 2008 حيث يمكن لطرف سياسي مهيمن، أن يعطل أي قرار لا يناسب مصالحه.

تستخدم الحرب والمواجهة مع الجيش الإسرائيلي على الأرض (في الميدان حسب التعبير الشائع) من اجل إضفاء مشروعية على الهدف الداخلي المتمثل بإعاقة مشروع قيام الدولة. ذلك أن نجاح مشروع استعادة الدولة والسلطة الى داخل المؤسسات يعني حكما اضعاف مراكز السلطة القائمة خارج المؤسسات. في هذا السياق يمكن تفسير المرونة التي ابداها كل من حركة أمل وحزب الله إزاء تنفيذ الاتفاق الموقع في نوفمبر 2024 - ووافقت عليه حكومة الرئيس ميقاتي دون قراءته - من خلال التفاوض مع إسرائيل بوساطة أميركية في ما يتعلق بالسلاح جنوب الليطاني؛ في حين يقابل طرح مسألة السلاح شمال الليطاني برفض عنيف نظرا لأهميته في تحقيق الأهداف الداخلية.

سلاحنا ضد إسرائيل: مشروع الدولة

ما الذي يمكن ان نستخلصه من هذه العرض. ان المواجهة الشاملة مع إسرائيل تتطلب ان نلحظ فئتي الأهداف: ما يتصل بالمواجهة العسكرية المباشرة وهو ما يجب ان يتم من خلال خطة عمل تقضي بوقف إطلاق النار، والالتزام بالاتفاقيات المعنية بذلك من كل الأطراف، وبالقانون الدولي؛ ومن خلال استخدام كل الوسائل الديبلوماسية في الخارج من اجل الحد من الخسائر وتقليص الشروط الإسرائيلية المضرة بمصالح لبنان، مستفيدة من عناصر القوة الداعمة لهذا الخيار داخليا وخارجيا. وبالتلازم مع ذلك لا بد أيضا من مواجهة المشروع الإسرائيلي الاستراتيجي المتمثل في إعاقة مشروع الدولة في لبنان، ويتطلب ذلك ايضا استراتيجية شجاعة وفعالة من اجل مواجهة عمليات الإعاقة الداخلية لهذا المشروع. ولا مكان هنا لفكرة الأولوية الساذجة والتبسيطية، ذلك ان الجواب الاستراتيجي والآني على العدوان الإسرائيلي هو في إنجاح مشروع قيام الدولة بما هي دولة طبيعية، تكون فيها السلطة داخل مؤسساتها الدستورية لا في مكان اخر. ففي لبنان اليوم، صحيح انه توجد حكومة (ومؤسسات أخرى)، الا ان الحكومة ليست مركز السلطة الوحيد، ولا مركز السلطة الأقوى. وطالما الوضع كذلك، لا يمكن مواجهة لا إسرائيل ولا غيرها بما يحقق المصالح الوطنية للبنان.

احدث المنشورات
Apr 28, 2026
التعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Apr 27, 2026
دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي - الهام مكي