قراءة قانونية في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الالتزامات المناخية في سياق الإبادة الجماعية في قطاع غزة - تمارا الطيبي
قراءة قانونية في الرأي الاستشاري
لمحكمة العدل الدولي بشأن الالتزامات المناخية في سياق الإبادة الجماعية في قطاع
غزة على أعقاب السابع من أكتوبر 2023م. - تمارا الطيبي
"لا يهدف
هذا المقال لتقديم دراسة شاملة لتفاصيل الدلالات القانونية للرأي الاستشاري لمحكمة
العدل في سياق الإبادة الجماعية في قطاع غزة على أعقاب السابع من أكتوبر 2023م"
أصدرت محكمة العدل الدولية بتاريخ 23
يوليو/تموز 2025م رأياً استشارياً يتعلق ب "
التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المُناخ"،[1] بموجب
طلب من الجمعية العامة استناداً إلى صلاحياتها المخولة بطلب الرأي الاستشاري من
المحكمة وفقاً للمادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة،[2] والمادة
(65) من النظام الأساسي للمحكمة، ويُعد الرأي
الاستشاري أول رأي استشاري يُركز بشكل شمولي على التغير المناخي والالتزامات
الدولية.[3][4]
وبتكييف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل
الدولية بسياق الضرر البيئي الناجم عن العمليات العسكري في قطاع غزة في أعقاب
السابع من أكتوبر 2023م، والتي يُستدل منها الآثار القانونية
المُترتبة على إسرائيل القوة القائمة
بالاحتلال والدول الأطراف بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والضامن
لحماية النظام المُناخي والبيئي والتي تمتد آثارها على الأفراد والأجيال الحالية
والمُستقبلية لتضرُر حقوقهم الأساسية بالحق في بيئة سليمة في ظل الانبعاثات
الغازية والتلوث البيئي الناتجين عن العمليات العسكرية التي تُرتب تداعيات على تغير
المُناخ المُترتب عن تبعات الإبادة الجماعية.
فقد فرضت الإبادة الجماعية واقع بيئي
مُعقد في قطاع غزة نتيجة العمليات العسكرية المُتعمدة التي استهدفت البيئة البرية
والبحرية والجوية، وقد أدت هذه الممارسات إلى تُفاقم الأضرار واسعة النطاق وطويلة
الأمد التي تؤثر على المناخ والتي ستمتد آثارها للأجيال القادمة.[5]
وبحسب تقديرات الخبراء فإن التكلفة
المناخية طويلة الأمد من انبعاثات الغازات الدفيئة في قطاع غزة والناجمة عن
العمليات العسكرية من ضربات برية وبحرية وجوية تُعادل 1.89 مليون طن مُكافئ Co2، ويُقدر بأن ملايين من
هذه الأطنان تُعادل حرق ملايين الأطنان من الفحم وثاني أكسد الكربون أي تنتج
تلوثاً كربونياً هائلاً تتعدى البصمة الكربونية السنوية للعديد من الدول الأكثر
عرضة للتلوث البيئي.[6]
ويُقدر بأن جُهود إعادة الإعمار ستعمل
أيضاً على إنتاج غازات الدفيئة إضافة إلى الناجم أصلاً خلال الإبادة الجماعية،
نظراً لإن هذه الغازات تتكون من إنتاج الاسمنت والحديد، وهدم وإزالة الركام،
وعمليات النقل، وتشغيل المعدات الثقيلة، ويُقدر بأن تُنتج 31 مليون طن مكافئ Co2،[7] وتُقدر الانبعاثات
الناتجة عن العمليات العسكرية في غزة خلال الأشهر الأولى بما يُعادل تقريباً
انبعاثات دولة صغيرة مما يُفاقم أزمة المناخ العالمية خصوصاً وأن هذه الانبعاثات
تكون عابرة للدول.[8]
ربطت المحكمة التزامات الدول المُتعلقة
بالتغير المناخي بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنسان، فقد
أشارت بشكل واضح على التزامات الدول القانونية في حالات النزاع المُسلح والاحتلال،
ويعني ذلك امتداد القيمة القانونية والمعنوية على الآثار البيئية في سياق الإبادة
الجماعية في غزة المُرتكبة من إسرائيل-القوة القائمة بالاحتلال.[9]
استندت المحكمة في تأسيس الالتزامات
المُلقاة على عاتق الدول إلى قواعد عامة من القانون الدولي، سيما مبدأ منع الضرر
عابر للحدود الذي يُعد من أقدم المبادئ في القانون الدولي، وتعني في سياق المُناخ منع
على جميع الدول والأطراف اتخاذ أي فعل يُسبب ضرراً جسيماً بالبيئة، وفي إطار القانون
الدولي الإنساني يستند هذا المبدأ إلى المادتين (3/35) و(1/55)
من البرتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1977م،[10][11] واللتين
تحظران استخدام أساليب أو وسائل قتال تتوقع منها أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد
وشديدة بالبيئة الطبيعية"، كما يُعزز إعلان استكهولم لعام 1972م،
وإعلان ريو لعام 1992 هذا الالتزام على صعيد القانون الدولي
البيئي، مع التأكيد على التزامات الدول بضمان ألا تحدث أنشطتها ضرراً بيئياً
يتجاوز حدودها الإقليمية.[12]
ومحاكاة هذا المبدأ في حالة الإبادة
الجماعية في غزة فأن ذلك يتطلب واجبين على إسرائيل أولاً حظر استخدام البيئة
كوسيلة للردع أو الهجوم لعدة اعتبارات منها أن البيئة من أعيان مدنية تحظى بحماية
قانونية، وثانياً الالتزام بتطبيق مبادئ القانون الدولي (التمييز، التناسب، اتخاذ
الاحتياطات) بحيث تكون أي عملية عسكرية مُبررة عسكرياً لا تتسبب بأضرار بيئية
واسعة النطاق وطويلة الأمد تفوق النتيجة العسكرية المُتوخاة.[13]
وبخصوص مبدأ العناية الواجبة وهو التزام إيجابي يوقع
التزام على الدول باتخاذ جميع التدابير الضرورية المتاحة والمعقولة لمنع إلحاق
الضرر الجسيم ولا يتطلب منه تحقيق نتيجة، وفي حالة غزة يتطلب مبدأ العناية الواجبة من إسرائيل باتخاذ
الإجراءات لمنع والتقليل والسيطرة على انبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن
عملياتها العسكرية والمُمتدة إلى الغلاف الجوي أو العابرة للحدود، أيضاً يتطلب
اتخاذ تدابير وقائية وإدارية في سبيل تحقيق ذلك فكان على إسرائيل أن تضمن أن الجيش
الإسرائيلي يحترم البيئة، والأخذ بعين الاعتبار حماية البيئة في التدريب العسكري لإدراك أثر
أعمالهم، وإدماج الاعتبارات البيئية في جميع مراحل التخطيط العملياتي تحديداً
تقييمات المخاطر البيئية، واحترام وحماية العاملين في المجال البيئي والإنساني، واختيار
الأسلحة الأقل ضرراً.[14] وتيسير
حوكمة النظم البيئية من خلال تنظيم إدارية النفايات ومُخلفات العملية العسكرية الإسرائيلية،
وإجراء تقييم مخاطر بيئية قبل أي هجمات عسكرية، والسماح بدخول الفرق الفنية
والمُختصين والخبراء لإجراء تقييمات بيئية.
أضف لذلك وعليها التزام بإخطار الدول بوجود ضرر
مُحتمل، ففي حالة قطاع غزة رتبت العمليات العسكرية انبعاثات للغازات الدفيئة
العابر للحدود؛ وأكد الرأي الاستشاري بشكل جلي على أن يكون التقييم البيئي حسب
السياق والظروف لكل حالة .[15][16] ومن
الجدير بالذكر هنا بأن إسرائيل لا تلتزم بإدراج انبعاثاتها في الأرض الفلسطينية
المُحتلة سواء الناجمة عن الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وجرائم العدوان والحرب في
الضفة الغربية ضمن تقاريرها الخاصة بالانبعاثات.[17]
وأوضحت المحكمة التزامات الدول بالنظام
المناخي لتحقيق مبدأ العدالة البيئية بين الأجيال الحالية والمستقبلية والعدالة في
استخدام الموارد الطبيعية، كما وأكدت على الدول تحقيق التعاون بالقدر المُمكن لها
للحد من الانبعاثات والتكيف مع آثار المناخ الناجمة عن العمليات العسكرية، ويتجسد
هذا كواجباً على الدول بتقديم الدعم المالي والتقني لتحقيق مبدأ العدالة المُناخية
في قطاع غزة وغيرها من الدول خاصة في مناطق النزاعات.[18]
وتطرقت المحكمة الآثار القانونية
المُترتبة على الدول التي تخالف التزاماتها البيئية والمناخية وفقاً لمسؤولية
الدول عن الأعمال الغير مشروعة، وتظهر السياسات الإسرائيلية الواقعية إخفاقاً
وانتهاكاً مُضاعفاً في واجب العناية الواجبة ومنع الضرر البيئي والمُناخي مما تسبب
بكارثة بيئية ومُناخية، ونظراً لذلك فإن إسرائيل مُلزمة باحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان
والقانون الدولي الإنساني، وبالتالي وقف
الإبادة الجماعية واستهداف البيئية في عملياتها العسكرية لما يترتب عليها من أضرار بيئية ومناخية،
وتقديم ضمانات بعدم تكرار هذه الممارسات ، وكذلك تتحمل تبعات الأعباء البيئية
والمُناخية بناء على ممارساتها الهيكلية وبالتالي عليها جبر الضرر البيئي بإعادة
تأهيل النظم البيئية وتمويل التكيف المُناخي، والتعويض المادي والمعنوي، أو
الاعتراف بالمسؤولية والاعتذار؛ من الجدير بالذكر أن المحكمة أضاءت على نقطة
جوهرية بتأكيدها أن الالتزامات البيئية لا تتعطل بالنزاعات المُسلحة، ووفقاً لذلك
فإن الاحتلال لا يُعفى من المسؤولية المُناخية.[19]
وبخصوص الدول الأطراف فقد أكدت المحكمة
نظراً لما تتمتع به الالتزامات المناخية من مصلحة جماعية فأنه يجب على كافة الدول
المطالبة بوقف أفعال إسرائيل غير المشروعة وعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ وعدم
تقديم المساعدة التي تُكرس لاستمراره.[20]
يُكرس الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة
العدل الدولية تحولاً استراتيجياً في الفقه الدولي نحو الاعتراف بالبيئة والمناخ
كحقوق إنسانية جماعية، وربطه بالسلام والأمن العالميين باستمرار تطبيقه في سياقات
النزاعات المسلحة والاحتلال، مما يُوسع أفقاً قضائياً في المساءلة الدولية عن
مخالفة الالتزامات الدولية المناخية لإسرائيل-القوة القائمة بالاحتلال في زمن
الإبادة الجماعية في غزة لما يترتب على ممارساتها زيادة في الانبعاثات الدفيئة
نتيجة العمليات العسكرية، وبتأكيدها أيضاً على مسؤولية كافة الدول في منع الضرر البيئي
العابر للحدود والعناية الواجبة في إطار ذلك.
[1]
International Court of Justice. (2025) . Obligation of states in
respect of climate change. https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/187/187-20250723-pre-01-00-en.pdf
[2]
المادة (1/96) من ميثاق الأمم
المتحدة: "لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل
الدولية إفتاءه في أية مسألة قانونية".
[3]
المادة (1/65) من النظام الأساسي لمحكمة
العدل الدولية: تنص على "يجوز للمحكمة أن تصدر فتوى بشأن أي
مسألة قانونية بناء على طلب أي هيئة مخولة من قبل أو وفقا لميثاق الأمم المتحدة
لتقديم مثل هذا الطلب".
[4]
Columbia law school. (2023). Request for an advisory opinion on the
obligations of States with respect to climate change. https://bit.ly/476nFrj
[5]
UN Environment program. (2024). Environmental Impact of the Conflict in
Gaza: Preliminary Assessment of Environmental Impacts. https://bit.ly/3JW5awO
[6]
Glodsmith, Eloith. (2025). On Top of All of Israel’s Other Bombs in
Gaza, Study Reveals a War-Driven Carbon Bomb. https://bit.ly/48ag1x8
[7]
Neimark, Benjamin. Bigger, Patrick. Larbi,
Fredritch. Larbi, Reubean. (2024). A Multitemporal Snapshot of Greenhouse Gas
Emissions. SSRN. from the Israel-Gaza
Conflict
[8]
Neimark, Benjamin. Bigger, Patrick. Larbi, Fredritch. Larbi, Reubean.
(2024). A Multitemporal Snapshot of Greenhouse Gas Emissions. SSRN. from the
Israel-Gaza Conflict
[9]ICJ.
(2025). Obligations of Stated in Respect of climate Change. file:///C:/Users/alhmshri/Downloads/AO%20(1).pdf
[10]
البرتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف (1977م)، المادة (35/3).
[11]
البرتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف (1977م)، المادة (1/55).
[12]
ICJ. (2025). Obligations of Stated in Respect of climate Change. Previous
Reference file:///C:/Users/alhmshri/Downloads/AO%20(1).pdf
[13]
ICRC. (2019). Guidelines on the
protection on the natural environment in armed conflict.
https://www.icrc.org/sites/default/files/document_new/file_list/guidelines_on_the_protection_of_the_natural
[14]
ICRC. (2019). Guidelines on the
protection on the natural environment in armed conflict. https://www.icrc.org/sites/default/files/document_new/file_list/guidelines_on_the_protection_of_the_natural_environment_in_armed_conflict_advance-copy.pdf?utm_source=chatgpt.com
[15]
UN Environment program. (2024). Environmental Impact of the Conflict in
Gaza: Preliminary Assessment of Environmental Impacts. Previous Reference https://bit.ly/3JW5awO
[16]
ICJ. (2025). Obligations of Stated in Respect of climate Change. Previous
Reference. file:///C:/Users/alhmshri/Downloads/AO%20(1).pdf
[17]
Eco Business. (2024).State responsibility for climate must include
impacts caused by armed conflict, Palestine tells top court. https://tinyurl.com/3e9huxke
[18]
ICJ. (2025). Obligations of Stated in Respect of climate Change.
Previous Reference file:///C:/Users/alhmshri/Downloads/AO%20(1).pdf
[19]
انظر في مشروع المادة رقم (29) و(30) و(31) من مشروع مواد
لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، حولية
لجنة القانون الدولي 2001، المجلد الثاني، الجزء الثاني، المرجع السابق، ص 113-120.
[20]
ICJ. (2025). Obligations of Stated in Respect
of climate Change. Previous Reference
file:///C:/Users/alhmshri/Downloads/AO%20(1).pdf
احدث المنشورات
تعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد