اجتماعات الربيع لصندوق النقد: لغة جديدة وأدوات قديمة
إذا جاز لي أن ألخص اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي هذا العام في جملة واحدة، فهي أن الصندوق أصبح أكثر إدراكا طبيعة الأزمة الاقتصادية العالمية المركبة، لكنه ما زال يعمل ضمن نطاق السياسات القديم. ربما لم يكن هذا الادراك جديدا فمنذ كوفيد-19 وهناك تغير في لغة الصندوق، الجدير بالذكر أن العالم لم يتعاف بالكامل من الصدمة الاقتصادية لكوفيد-19 والتضخم الذي أنتجته، وكذلك لا يبدو أن تأثير كوفيد- 19 ، ذلك الحدث الذي يبدو بعيدا الآن سوف يذهب عن الاقتصاد العالمي، أعادت الجائحة تشكيل الاقتصاد العالمي من جهات عده، وأطلقت المسار الحالي لسياسات التشديد النقدي في شمال وجنوب العالم، وهي سياسات جاءت نتيجة أزمة التضخم العالمية، والذي من المرجح أن يرتفع جراء الاضطرابات الحالية في أسواق الطاقة العالمية.
اليوم، وعلي وقع الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات المصاحبة لها، يبدو الصندوق أكثر إدراكا لواقع أزمة الدين العالمية، وكيف أن الدول بالأخص في الجنوب العالمي أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضي، لكن هذا الوعي لم يتحول بعد إلي أدوات يمكن للصندوق التدخل فيها، خلال الاجتماعات المختلفة مع ممثلي المجتمع المدني بدا مسئولي الصندوق مهتمين بالدفاع عن الأدوات القديمة وبالأخص التدخلات النقدية بالأساس والمرتبطة بنطاق عمل ومشروطيه الصندوق، تلك الأدوات التي ترتكز علي التقشف علي المستوي المالي وتحرير الحساب الرأسمالي بما يشمل ذلك التأكيد علي مرونة سعر الصرف، لكن تلك المشروطية مازالت تتجاهل الواقع المعقد للديون وبالأخص في المنطقة العربية والتي تعاني بشكل مباشر في الوقت الحالي بفعل الحرب في الشرق الأوسط. في مصر وهي أكبر المقترضين العرب من صندوق النقد أثرت الحرب بشكل فوري علي الاقتصاد المصري، انخفض سعر صرف الجنية جراء هروب الأموال الساخنة والذي لا يبدو صندوق النقد كثير الاهتمام بالتأثيرات السلبية لهذا النوع من التمويل، وبالأخص في عالم الاضطرابات الجيوسياسية الذي نعيش فيها حاليا، والتي تقود في النهاية لتقلبات أكثر في دخول وخروج الأموال الساخنة بما يضع ضغوط أكبر علي أسعار الصرف.
قدم تقرير افاق الاقتصاد العالمي الذي أطلقه الصندوق في اليوم الثاني للاجتماعات صورة قاتمة للاضطرابات الاقتصادية الحالية بسبب الحرب، اعتبر الصندوق الحرب صدمة كبري للاقتصاد العالمي جعلته يراجع السيناريوهات الخاصة بالنمو، والتي كان يتوقعها الصندوق بفعل تراجع التضخم المتوقع قبل الحرب، وقد انعكس هذا المسار كليا بفعل زيادة أسعار الطاقة وتأثيرها المتوقع علي التضخم العالمي. خفض صندوق النقد توقعات النمو العالمي ل3.1 ٪ مع توقعات بارتفاع التضخم إلي 4.4 ٪ علي أساسا سنوي ، تلك التوقعات ربطها الصندوق بشكل واضح بالمدة التي سوف تستمر فيها الحرب والأضرار التي تأتي منها علي البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وعلي الرغم من وقف إطلاق النار إلا أن تلك الأثار ما زالت حاضرة، ومازالت السفن غير قادرة في أغلبها علي عبور مضيق هرمز.
تبدو الصورة أكثر قتامة في الشرق الأوسط، والذي يصفه الصندوق أنه أكثر المناطق تضررا بفعل الحرب الحالية، خفضا الصندوق توقعات النمو لمنطقة الشرق الأوسط وأسيا الوسطي ككل من 3.6 ٪ في 2025 إلي 2.9 ٪ في 2026، وفي الشرق الأوسط يبدو أكثر المتضررين هي الدول النفطية حول الخليج العربي بفعل تضرر البنية التحتية لتصدير الطاقة وكذلك كما أسلفنا الاضطرابات في الحركة الملاحية ضمن مضيق هرمز والذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط، وربع الغاز المسار العالمي، كذلك يعد مصدرا مهما للضغوط هو الإيرادات السياحية والتي سوف تتأثر بارتفاع أسعار الطيران بفعل الاضطرابات في الإمدادات الخاصة بوقود الطائرات، كما أن الاضطرابات الحالية سوف تؤثر بدورها علي أسعار الغذاء، وإن كانت تلك التأثيرات لم تظهر بعد إلا أنها قادمة لا محالة بفعل تضرر بنية الغاز الطبيعي وإنتاج الأسمدة والتي تعتمد بشكل كبير علي منطقة الخليج والمنتجات النفطية التي تصدرها تلك الدول. وبالنسبة للدول المستوردة للسلع الأولية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا فقد أشار الصندوق إلي التأثير المزدوج لارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وسوف تختلف التأثيرات من بلد لبلد بحسب درجة الاعتماد علي تلك الواردات السلعية سواء الغذاء وكذلك ورادات الطاقة.
غير أن نظرة الصندوق للحرب في الشرق الأوسط تبدو قاصرة لحد كبير، فهي تتعامل مع الحرب بوصفها صدمة جيوسياسية خارجية تضغط علي النمو والتضخم، لكنه يغفل عن التأثيرات المتوقعة لتلك الحرب بشكل أكثر هيكلية، وخاصة داخل البني الاقتصادية الهشة. ضربت الحرب اقتصادات تعاني بالأساس من مدفوعات ديون مرتفعة وضيق في الحيز المالي واعتماد واسع علي الواردات وعلي تمويلات دولية شديدة التقلب، ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يقتصر فقط علي انخفاض معدلات النمو بل أن تتحول تلك الصدمات لأليات لتبرير المزيد من الضغط علي الإنفاق الاجتماعي في تلك الدول، علي سبيل المثال سارعت مصر بمجرد بداية الحرب في رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14٪ و 17٪ قبل أن ترفع أسعار الكهرباء لاحقا ، وكذلك في الأردن رفعت الحكومة أسعار المحروقات بحوالي 11 ٪ في مطلع إبريل الماضي، وفي المغرب كذلك ارتفعت أسعار الوقود بنحو 13٪ في بداية إبريل. تدفع الحرب للمزيد من التقشف في المنطقة، وبالأخص في الدول التي تعاني من مدفوعات دين مرتفعة، وبالأخص إذا كان لدي تلك الدول برامج مع صندوق النقد، والذي يبدو أنه ما زال يعرف الاستقرار باعتباره القدرة علي امتصاص الصدمات دون المساس بأولويات سداد الديون والانضباط المالي علي مستوي الموازنات الحكومية وبهذا المعني تظل قراءة الصندوق للتأثيرات الاقتصادية المرتبطة بالحرب جزئية فهي تري التأثير علي المؤشرات الكلية، لكنها لا تولي الكثير من الاهتمام بسؤال كيف تتوزع أعباء تلك الصدمة الاقتصادية داخل المجتمعات، ولا كيف يمكن أن تؤدي سياسات إدارة الأزمة الاقتصادية إلي تعميق الهشاشة من الاعتماد أكثر علي الاقتراض والذي كان سببا مباشرا للهشاشة الاقتصادية في كثير من الدول في المنطقة.
حضر ملف الديون خلال الاجتماعات بشكل واضح، تضمن البرنامج الكثير من اللقاءات والاجتماعات حول الديون وعلي الكثير من المستويات، والتي بدأت من مسألة الرقابة التشريعية علي الديون وكيف يمكن تحسين شفافية الديون، وكذلك كيف يمكن إعادة تعريف استدامة الدين في الدول النامية، هذا الاهتمام ليس جديدا فمنذ كوفيد-19 يحذر الصندوق من تنامي الديون في الجنوب العالمي. لكن علي الرغم من هذا الاعتراف بأزمة الدين العالمية غير أن الصندوق والبنك ما زالا يتصرفان داخل نفس الحدود القديمة، والتي تعيد إنتاج خطابات حول استدامة الدين ترتبط فقط بالقدرة علي السداد، ما يدافع عنه الكثيرين بأنه الطريق الوحيد لإستمرار الوصول لأسواق الديون الدولية من أجل الإقتراض مرة أخري، بينما يستبعد الصندوق من هذا التصور حول الاستدامة أسئلة أكثر أهمية ترتبط بحجم الإنفاق الذي يجري التضحية به علي المستوي المحلي كي يكون هذا السداد ممكنا ؟ وبالتالي تعيد تلك الديون إنتاج نمط اقتصادي يصبح فيه خدمة الدين شيء مقدم علي الحماية الاجتماعية والاستثمار العام والتحول الأخضر.
بهذا المعنى، لا تبدو أطر الصندوق الحالية وكأنها تقيس استدامة الدين بقدر ما تقيس قدرة المجتمعات على تحمّل المزيد من الضغط. وهذه هي النقطة التي يغيب فيها البعد السياسي والاجتماعي للأزمة: فحين تُضغط الموازنات العامة لإتاحة موارد أكبر للدائنين، لا يختفي عبء الدين، بل يُعاد توزيعه إلى الداخل في صورة تضخم، وتراجع في الخدمات، ورفع للأسعار، وتآكل في الدخول الحقيقية. لذلك فإن النقد الأساسي للصندوق لا يتعلق فقط ببطئه في الاستجابة، بل بكونه ما يزال يتعامل مع الدين كمسألة مالية تُحل بالانضباط، لا كعلاقة قوة دولية تُنتج التبعية وتعيد تدوير الهشاشة في اقتصادات الجنوب.
لهذا، لم تكن اجتماعات الربيع هذا العام مجرد مناسبة لتبادل التقديرات الاقتصادية، بل لحظة كشفت حدود التفكير السائد داخل المؤسسات المالية الدولية. فالصندوق يبدو اليوم أكثر قدرة على وصف العالم كما هو: عالم تحكمه الحرب، والديون، والتضخم، والتمويل شديد التقلب. لكنه لا يزال أقل استعدادًا للاعتراف بأن إدارة هذا العالم بالأدوات نفسها لم تعد ممكنة من دون كلفة اجتماعية وسياسية باهظة. وبينما تتسع الهوة بين التشخيص والدواء، يظل السؤال معلقًا: هل يستطيع الصندوق أن يراجع حقًا معنى الاستقرار والاستدامة، أم أنه سيواصل فقط تحديث لغته بينما تبقى وصفته القديمة كما هي؟
احدث المنشورات
لماذا ما زلنا نشارك؟ تأملات من الدورة السبعين للجنة وضع المرأة - كارلا عقيل