Apr 27, 2026
دراسة حالة – فلسطين: المجتمع المدني بين الاستهداف والتحديات الوجودية - أمجد الشوّا

دراسة حالة – فلسطين: المجتمع المدني بين الاستهداف والتحديات الوجودية

أمجد الشوّا

تشكل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، بمختلف مكوناتها، ركيزة أساسية في النسيج الاجتماعي والوطني الفلسطيني. ولم تكن نشأتها وتطورها مجرد استجابة لحاجات إغاثية طارئة، بل جاءت مرتبطة عضوياً بمسار النضال الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد تمحورت أدوارها حول تعزيز صمود المواطنين، وترسيخ مبادئ الديمقراطية والعدالة، والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة. وعلى مدار عقود، ولا سيما خلال الثلاثة عقود الأخيرة، برزت هذه المنظمات كفاعل رئيسي في خط المواجهة الأول لتداعيات الاحتلال والعدوان على مختلف المستويات.

تمر منظمات المجتمع المدني الفلسطيني اليوم بمرحلة يمكن وصفها بالوجودية، في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، إلى جانب انسداد الأفق السياسي. وقد فرض هذا الواقع قيوداً غير مسبوقة على قدرة هذه المنظمات على التعامل مع المستجدات المتسارعة المرتبطة بآليات عملها وأدوارها وشبكات علاقاتها، ما اضطرها للعمل في ظروف استثنائية تتجاوز حدود العمل الإنساني التقليدي، في محاولة لسد الفجوات الهائلة التي خلّفها العدوان.

وفي هذا السياق، تعرضت المنظمات الأهلية لاستهداف إسرائيلي مباشر وغير مسبوق، طال بنيتها المؤسسية وكوادرها البشرية. ففي قطاع غزة، شهدت هذه المنظمات تدميراً واسعاً وممنهجاً لمقارها ومرافقها، حيث تشير التقديرات إلى تدمير الغالبية العظمى منها، الأمر الذي أدى إلى شلل كبير في قدرتها التشغيلية.

ولم يقتصر الأمر على البنية التحتية، بل امتد ليطال الكوادر البشرية، حيث فقدت هذه المنظمات عدداً كبيراً من العاملين في المجال الإغاثي نتيجة الاستهدافات المباشرة. حيث أشارت التقديرات إلى تدمير 85% من مقرات هذه المنظمات. كما فقدت المنظمات طواقمها باستشهاد ما لا يقل عن 250 من عمال الإغاثة والعاملين.

أما في الضفة الغربية والقدس، فتستمر قوات الاحتلال في ممارساتها القمعية عبر اقتحام مقرات المنظمات، وتخريبها، واعتقال موظفيها، ومصادرة محتوياتها، بالتوازي مع تصعيد الاستيطان وفتح المجال أمام اعتداءات المستوطنين، إضافة إلى فرض مئات الحواجز التي تعيق حركة المواطنين وتحد من وصول الخدمات.

وإلى جانب هذا الاستهداف الميداني، تواجه منظمات المجتمع المدني سياسة ممنهجة لتجفيف مصادر تمويلها، في إطار ضغوط سياسية متزايدة تمارسها أطراف دولية وإسرائيلية. فقد أقدمت بعض الجهات المانحة على تقليص أو وقف تمويلها، فيما فُرضت عقوبات على منظمات حقوقية فلسطينية في خطوة تهدف إلى الحد من دورها في ملاحقة الاحتلال قانونياً أمام المحاكم الدولية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية.

كما ترافقت هذه التطورات مع حملة تحريض واسعة ضد المنظمات الإنسانية الدولية، شملت محاولات لتقويض دورها وفرض قيود على عملها. ويبرز في هذا السياق قرار حظر عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في سابقة خطيرة تستهدف أحد أهم الأطر الدولية الداعمة للاجئين الفلسطينيين، إلى جانب محاولات فرض إجراءات رقابية وأمنية على المنظمات غير الحكومية الدولية، بما يشكل انتهاكاً فاضحاً لمبادئ العمل الإنساني والقانون الدولي.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن مسار تراكمي ممتد على مدار العقدين الماضيين، شمل تصنيف عدد من المنظمات الحقوقية الفلسطينية على قوائم “الإرهاب”،: وفي سابقة خطيرة، أصدرت الإدارة الأمريكية قراراً بفرض عقوبات على ثلاث منظمات حقوقية فلسطينية بهدف الحد من دورها في ملاحقة الاحتلال قانونياً أمام المحكمة الجنائية الدولية. وملاحقتها قانونياً، وتقييد قدرتها على توثيق الانتهاكات أو الوصول إلى المحافل الدولية، بما يهدف إلى تقويض دورها في المساءلة وكشف الحقائق.

ورغم جسامة هذه التحديات، تواصل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني أداء دورها في دعم صمود قطاعات المجتمع المختلفة وفي مقدمتها الفئات الأكثر هشاشة، والدفاع عن الحقوق الوطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ومواصلة العمل في مجال التوثيق والمساءلة، والسعي للمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار، مع التأكيد على وحدة الأرض الفلسطينية ورفض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. كما تعمل هذه المنظمات على تعزيز حضورها كشريك فاعل في صياغة وتنفيذ السياسات المرتبطة بمستقبل المجتمع الفلسطيني.

في المحصلة، لم تعد منظمات المجتمع المدني الفلسطيني مجرد فاعل إنساني، بل تحولت إلى هدف مركزي في معركة تستهدف المجتمع نفسه. فاستهدافها ليس عرضياً أو هامشياً، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تسعى إلى تفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية وتجريدها من أدوات الصمود والتنظيم. ومع ذلك، تواصل هذه المنظمات عملها تحت النار، في ظروف تكاد تنعدم فيها مقومات العمل الإنساني، لا بوصفه استجابة طارئة، بل كفعل مواجهة يومي يهدف إلى منع الانهيار الشامل. وفي هذا السياق، لا يقتصر دورها على تقديم الخدمات، بل يتجاوز ذلك إلى حماية ما تبقى من تماسك المجتمع، والتصدي لمحاولات اقتلاعه من داخله، والإبقاء على إمكانية البقاء والاستمرار—لا كأمر واقع، بل كخيار يُنتزع رغم كل شيء.

احدث المنشورات
Apr 28, 2026
التعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Apr 27, 2026
دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي - الهام مكي