خلف المراعي الجافة: كيف يحاصر شح المياه تعليم أبناء رعاة المواشي
خلف المراعي الجافة: كيف يحاصر شح المياه تعليم أبناء رعاة المواشي
خلف معاناة كبيرة يشهدها العالم بسبب التغير المناخي وتشهدها الفئات الهشة والأكثر تضرراً جراء ما يخلفه التغير المناخي من آثار مرئية أو غير مرئية، وخاصة في المناطق الأكثر هشاشة وعرضة للخسائر والأضرار في العالم، تتعرض الكثير من المناطق التي يقطنها المزارعون والفلاحون في العالم لانحسار وخسائر كبيرة في المساحات الخضراء التي تعتبر المصدر الغذائي الرئيسي للمراعي والتي تُعد مصدر رزق ومعيشة أساسي لهؤلاء الرعاة.
تقل مساحة هذه المراعي وتجف بسرعة كبيرة بفعل عوامل عديدة منها الجفاف والتذبذب المطري وارتفاع درجات الحرارة الذي تشهده العديد من المناطق في مختلف مناطق العالم جراء التغير المناخي، مما يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على العديد من الفئات المهمشة والضعيفة. لا يقتصر هذا التأثير على العنصر البشري بل الحيواني أيضاً، ليمتد تأثيره السلبي على حرمان المواشي من الغذاء، ويمتد آثار هذا الحرمان لعواقب أخرى تصل لتحديات تعليمية تطال أبناء الرعاة المقيمين في تلك المناطق، حيث باتوا يُحرمون من فرص التعليم في الآونة الأخيرة نتيجة لهذا الواقع.
هل يمكن لنقص المياه أن يحرم طفلاً من حقه في التعليم، وكيف ذلك؟
بشكل عام، عند وصف الوضع المائي في الأردن نجد أن التحديات المتعلقة بندرة المياه تتزايد بشكل كبير، حيث تصل حصة الفرد السنوية من المياه إلى 61 متراً مكعباً سنوياً ويتوقع أن تنخفض إلى 40 متراً مكعباً في عام 2030 بسبب توقع ارتفاع عدد السكان وزيادة حدة آثار التغير المناخي على نسبة مياه الأمطار وزيادة الجفاف، وهذه التحديات المتزايدة تطال أبناء الرعاة بسبب الجفاف الذي يتسبب بفعل نقص المياه في مناطق مختلفة. فما القصة؟ وكيف لنقص المياه أن يرتبط بالتعليم في مناطقنا؟
بعد عمل مقابلات مع العديد من الرعاة القاطنين في مدينتي جرش وعمان، وجدنا أن اختيار الرعاة وأبناء الرعاة لخيار العزوف عن المدارس في أوقات متفاوتة مرتبط بأماكن تنقلهم ومعيشتهم المرتبطة بنمو الأعشاب وفي غلاء أسعار العلف (بديل الأعشاب، الغذاء اللازم للمواشي)، حيث أن نمو العشب مرتبط بهطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. وعند عمل مقارنات في كيفية نموه سابقاً قبل 15 عاماً تقريباً، يجدون أن فترات صمود الأعشاب بدون جفافها في المنطقة الواحدة كان يمتد لأكثر من أربعة أشهر، بالإضافة لكثرة توافرها في ذلك الوقت، إنما الآن ما يحدث هو العكس، حيث أن صمود الأعشاب بدون جفاف بات فقط لفترات قصيرة جداً في بعض المناطق لا يتجاوز من شهر لعشرة أيام. فما الحل؟
يكمن ارتباط هذا الموضوع بتعليم أبناء الرعاة وبترحالهم المستمر الذي طرأ على حياتهم بشكل تدريجي بسبب الجفاف وقلة الأمطار خلال السنوات القليلة الماضية، تم الميل نحو خيار العزوف عن المدارس بسبب ضياع دراستهم ووقتهم ما بين التنقل المستمر من مدرسة لأخرى خلال فترات قصيرة من السنة.
“لماذا اخترنا التنقل بحثاً عن الأعشاب على شراء الأعلاف الصناعية"
يواجه الرعاة في الأردن تحديات اقتصادية كبيرة، حيث يضطرون لتحمل تكاليف إضافية خارج نطاق الدعم الحكومي، ومنها علاجات المواشي، حيث يُلزَم الرعاة بشكل مستمر بتأمين علاجات لمقاومة التسمم الغذائي والمعوي، مثل دواء "الأموكلان" (خافض للحرارة)، ويقومون بشرائه من الأطباء البيطريين على نفقتهم الخاصة.
في حين توفر وزارة الزراعة عدداً من الأدوية المدعومة تُقدم كعلاجات مجانية لبعض الأمراض الرئيسية مثل الجدري والطاعون والحمى، وتُقدم هذه العلاجات بناءً على عدد المواشي الموجودة عند كل راعٍ، حيث يتم تقديم هذه العلاجات من قبل لجنة ترقيم متخصصة من وزارة الزراعة، والتي تقوم بفحص وتقييم المواشي باستخدام جهاز يزرع شريحة في جسم الخروف، تصدر إشارة عن حالته الصحية وتبقى الشريحة ملازمة له، لكن المشكلة تكمن في نقص الأعلاف المدعومة.
نقص الأعلاف المدعومة: على الرغم من أن طن الشعير المدعوم حكومياً يبلغ 175 ديناراً، إلا أن الكمية المتاحة لا تكفي حاجة الأغنام، مما يضطر الرعاة لشراء الشعير من السوق السوداء بسعر يصل إلى 250 ديناراً للطن، لتجنب موت المواشي. ووفقاً للرعاة، فإن الدعم الحكومي يغطي ما بين 80 إلى 100 دينار لكل 400 رأس من الماعز، وهي كمية غير كافية على الإطلاق.
تنقل الرعاة والملاحقات القانونية
نتيجة لغياب العشب الطبيعي، يضطر الرعاة إلى التنقل باستمرار بحثاً عن المراعي، مما يضعهم تحت طائلة القانون في بعض المناطق. وتتم ملاحقتهم من قبل أمانة عمان الكبرى ووزارة البيئة، حيث يتم فرض مخالفات مالية تصل إلى 15 ديناراً على كل مرة يتم فيها نقل المواشي، وقد تتراكم هذه المخالفات لتصل إلى 1000 دينار. يضطر الرعاة للتوجه إلى المناطق الغربية في عمان، مثل الصويفية والشميساني، حيث أن العشب في هذه المناطق يبقى حياً لمدة تصل إلى شهرين ونصف بسبب ارتفاعها وتظليلها، على عكس العشب في الصحراء الذي لا يصمد أكثر من 20 يوماً قبل أن يحترق.
هل يمكن لهذه الأسمدة أن تؤثر على جودة اللحوم التي نأكلها؟
(البعد الصحي)
وهنا نطرح هذا السؤال، إلى أين ستصل شبكة التغير المناخي بآثارها السلبية؟ وكيف سيطال تأثيرها مجالات وقطاعات جديدة؟ للأسف، إن قلة المياه لا تؤثر فقط على التعليم وارتباطه بالمراعي، بل له أبعاد أخرى متمثلة في تأثيره أيضاً على صحة الإنسان والحيوان، حيث تختلف وتتأثر جودة اللحوم بسبب تغير نوعية الغذاء التي يتم تناولها من قبل المواشي. هنا سنطرح مقارنة توضح الفرق بين نوعية اللحوم التي تأتي من المواشي التي تعتمد على أغذية طبيعية بنسبة مئة بالمئة وتلك التي تعتمد على الأغذية المُهرمَنة المعتمدة على الأسمدة العضوية والكيماوية والتي طُرحت كبديل لعلاج انحسار الأغذية الطبيعية الذي تسببت به آثار هذه الظاهرة. تختلف نوعية اللحوم والحليب من الحيوانات التي تتغذى على المراعي الطبيعية من عدة نواحٍ منها الدهون الصحية، مثل أوميغا 3 حيث تكون نسبة هذه الدهون أعلى في هذه اللحوم، كما تحوي هذه اللحوم على نسبة أعلى من الفيتامينات ومضادات الأكسدة مثل A و E، وأخيراً، بالنسبة لنكهة هذه اللحوم فتكون ذات طعم طبيعي أكثر، كما ينعكس هذا على رفاهية الحيوان بحيث يقل تعرضه لمشاكل صحية تتمثل في التوتر.
احدث المنشورات