بين الذاكرة النضالية وأسئلة اللحظة الراهنة
يمثّل الثامن من مارس من كل سنة، الموافق لـاليوم العالمي للمرأة، محطة رمزية تتوقف عندها الناشطات النسويات والمنظمات المدافعة عن حقوق النساء، كما بعض الحكومات المعنية بأوضاعهن، لتقييم ما تحقق من مكاسب في اتجاه الحدّ من الفوارق بين النساء والرجال على مستوى الحقوق كافة. وهو أيضًا موعد لتسليط الضوء على العراقيل التي لا تزال تعترض مسار المساواة التامة بين الجنسين، أو على الأقل بلوغ الأهداف المرسومة في الخطط المختلفة في هذا الاتجاه.
ورغم الاختلافات الفكرية بين الحركات النسوية في المنطقة العربية تبعًا لتباين السياقات الاجتماعية والتشريعية، فإن هذه الحركات أدركت منذ نشأتها أن قضية المساواة لا يمكن أن تُطرح بمعزل عن مشروع مجتمعي شامل. فمعوّقات تحقيق المساواة وإنهاء التمييز ترتبط ارتباطًا وثيقًا بترسيخ الحريات العامة والفردية، وبعقلنة التعاطي مع المسألة الدينية عبر تحييدها عن الصراعات السياسية، فضلًا عن تحرر بلداننا من أشكال الهيمنة الخارجية.
لذلك، ارتبطت نضالات النساء في المنطقة، تاريخيًا، بالنضال من أجل الديمقراطية و العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. ولا شك أن العقود الماضية شهدت نضالات هامة خاضتها النساء ومكونات المجتمع المدني بل في بعض بلدان العربية أو غيرها القريبة منا قدمت النساء تضحيات جسيمة بحريتهن أو حتى بحياتهن .
غير أن نسق الإصلاح ظل بطيئًا ومتفاوتًا من بلد إلى آخر، بما يؤكد أن مسار المساواة لا يزال في حاجة إلى إرادة سياسية أكثر وضوحًا وجرأة، وإلى انخراط مجتمعي أوسع، ومشروع مجتمعي كامل حتى تتحول المكاسب المتفرقة إلى تحول بنيوي شامل يكرّس العدالة والمساواة الفعلية، ويضع حدًا للنظام الأبوي الذي يعيد إنتاج التمييز بأشكال جديدة كلما تغيّرت السياقات.
كيف نعيش هذه الذكرى اليوم؟
يطرح الثامن من مارس هذه السنة سؤالًا ملحًا: كيف نعيش هذه الذكرى في ظل التحولات السياسية التي تعرفها منطقتنا والعالم ؟ وكيف أعيشها أنا، كتونسية وناشطة حقوقية نسوية، ساهمت في نشأة الحركة النسوية في تونس، وترأست جمعية النساء الديمقراطيات لمدة ست سنوات، وأنا للسنة الرابعة على التوالي مُغيّبة عن بلادي في هذه المناسبة بقرار سياسي ظالم وتعسفي، لم أتخيله يومًا، حتى في أحلك فترات ما قبل الثورة التونسية؟
لم أكن أتصور أيضًا أن أرى هذا العدد من النساء التونسيات سجينات، أو مُهجّرات قسرًا، أو موضع تتبعات عدلية بسبب ممارستهن لحقوقهن المشروعة في اقتحام الفضاء العام. ذلك الفضاء الذي اعتبرناه دومًا فضاءنا الطبيعي، وناضلنا طويلًا من أجل كسر الجدران التي كانت تحجبه عنا. غير أن هذه الأولوية كانت مشروطة بالولاء، للنظام إذ مُنعت الفضاءات العامة عن غير المواليات
وهذه الصدمة التي عشتها مثل العديد من الناشطات اللواتي طالهن هذا القهر سببه أننا عشنا منذ الاستقلال تحت الدولة التونسية وإن كانت متسلطة فهي تعتبر دولة “نسوية” إذ أنها وضعت قضية حقوق النساء ضمن أولوياتها الرسمية.
لكن طرحتها النساء بمعزل عن بقية القضايا بل استُخدمت ورقة “حماية حقوق النساء” لتبرير القمع السياسي وتقييد الحريات. والمفارقة أن تونس، البلد الذي نشأت فيه أولى الحركات النسوية المستقلة في المنطقة، شهد حركة نسوية تكاد تكون في معارضة دائمة للسلطة، رغم ما تحقق فيه من مكاسب تشريعية متقدمة مقارنة بغيره.و لربما ليست بمفارقة بل شعور نساء عشنا و نشأنا مع مجلة الأحوال الشخصية .
لهذا فالانتماء لتونس وتمسكنا بمكاسبها ربما هو يفسر أننا كلنا أكثر حركة نقدًا لدولتنا، وذلك لشعورنا بأن قضية المساواة قضية شرعية وليست من المحرمات. ورغم إصرار الدولة على احتكارها، اعتبرنا أن المساواة ليست شأنًا رسميا ولا قضية الدولة وحدها بل قضية مجتمعية بامتياز. لا يحق للدولة أن تقرر وحدها متى وكيف نتقدم في هذا المسار. هي مطالبة بالاستماع إلى المجتمع المدني، وفتح الفضاءات لحوارات حرة وهادئة، بعيدًا عن الخطابات المتباهية التي تدّعي أن تونس حققت المساواة بشكل نهائي، بينما لا يزال التمييز قائمًا بأشكال متعددة.
وقد ساهم هذا الخطاب المتباهي، في خلق شعور لدى جزء من المجتمع بأن النساء التونسيات يتمتعن “بامتيازات” تفوق الرجال، وأن هناك “غلوًا” في الحقوق. تعالت هذه الأصوات بعد الثورة، ونراها اليوم أكثر حضورًا في سياق سياسي يتسم بغياب خطاب رسمي واضح مساند للمساواة، بل تحررت هذه الاصوات من كل العقد خاصة أمام تغييب شبه تام للحركة النسوية وكل مكونات المجتمع المدني من وسائل الإعلام التي عادت، في كثير من الأحيان، إلى مناخات ما قبل 2011(حملات تشويه و تتبعات ).
دروس التجربة التونسية ورهانات المستقبل
أكدت التجربة التونسية أن لا مجال لتحقيق المساواة وضمان ديمومتها دون نظام ديمقراطي ومجتمع حر وعادل. فالمكاسب، مهما كانت مهمة، تظل هشة وقابلة للتراجع إذا لم تُحصَّن داخل المجتمع نفسه. صحيح أننا حققنا بعد الثورة مكاسب بالغة الأهمية، وأُتيحت لنا فرص للحوار التعددي الهادئ، لكن غياب الإصلاحات الجذرية، وهيمنة الخطابات السياسية القائمة على المصالح الحزبية والشخصية، حالا دون بناء دولة ديمقراطية صلبة ومجتمع موحد في إطار التعدد والتنوع.
في عالم يشهد صعود التيارات الشعبوية اليمينية المتطرفة، وتتزايد فيه النزاعات والحروب، كما نرى اليوم في سياقات إقليمية معقدة، يبدو أن القيم الكونية لحقوق الإنسان تتعرض لاختبارات قاسية. غير أن دروس التاريخ تؤكد أن لا أمن من دون حرية، ولا حرية من دون مساواة، ولا سيادة من دون وحدة وطنية في مواجهة كل أشكال العدوان.
من هنا، فإن إحياء الثامن من مارس هذا العام لا يمكن أن يكون مجرد احتفال رمزي، بل يجب أن يكون فعل مقاومة سلمية، وتجديدًا للعهد مع قيم المساواة والعدالة. بالنسبة لي، ورغم الغياب القسري، يظل هذا اليوم مناسبة لتأكيد أن النضال النسوي في تونس لم يكن يومًا مطلبًا فئويًا، بل كان، وما يزال، جزءًا لا يتجزأ من مشروع ديمقراطي تحرري أوسع.
إن المساواة ليست هدية من سلطة، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة وفي المناسبات بل مسار طويل يتطلب شجاعة سياسية، ووعيًا مجتمعيًا، وتضامنًا عابرًا للحدود. وفي مواجهة التراجع، لا يبقى لنا إلا التمسك بالأمل، والعمل من أجل أن يكون عالم أفضل ممكنًا — عالم يدرك أن الأمن لا يتحقق إلا بالحرية، وأن الحرية لا تستقيم دون مساواة ولا مساواة ولا عدل ولا حرية دون سيادة تقوم على وحدة شعب متشبع بالقيم الإنسانية السامية .