Jan 13, 2026
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد

 

مقدمة

حفل عام 2025 بأحداث خطيرة جاءت كتداعيات مباشرة لتطوّرات العام الذي سبقه، في سياق دولي اتّسم بتصاعد الفوضى وعدم اليقين، وتراجع غير مسبوق في احترام قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتآكل منظومة التعدّدية والحوكمة العالمية. وقد ساهمت التحوّلات في السياسة الدولية، ولا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية مطلع عام 2025، في تعميق هذه الاتجاهات، عبر تعزيز المقاربات الأحادية، وتغليب منطق القوة والمصالح الضيقة، وتهميش الأطر المتعدّدة الأطراف التي لطالما شكّلت، ولو جزئيًا، مساحة للدفاع عن حقوق الشعوب والدول الأضعف.

في هذا السياق، لم تقتصر تداعيات الأزمات الدولية المتراكمة—من الحرب الروسية–الأوكرانية، إلى تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية مع الصين، مرورًا باستمرار الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وما يرافقها من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني—على الأبعاد السياسية والأمنية فحسب، بل امتدّت بشكل مباشر إلى البُنى الاقتصادية والمالية للدول العربية. فقد أدّت هذه التطوّرات إلى تفاقم الضغوط على الاقتصادات الهشّة، عبر ارتفاع كلفة الاستيراد، وتذبذب أسعار الطاقة والغذاء، وتشديد شروط التمويل الخارجي، ما انعكس ارتفاعًا متسارعًا في مستويات المديونية العامة، وتراجعًا في القدرة على إدارة الموازنات العامة بما يستجيب للحاجات الاجتماعية الأساسية.

وأمام تصاعد أعباء خدمة الدين، لجأت العديد من الحكومات العربية إلى سياسات تقشّفية أعادت ترتيب أولويات الإنفاق العام على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في مجالات الحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والدعم الاجتماعي. وقد ترافق ذلك مع تعميق الاعتماد على برامج صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية، التي استمرّت في فرض مقاربات إصلاحية تركّز على الاستقرار المالي والنقدي، دون معالجة جذرية للاختلالات البنيوية، أو مراعاة كافية للأثر الاجتماعي لهذه السياسات، ما ساهم في توسيع فجوات اللامساواة، وتآكل الطبقات الوسطى، وتفاقم معدلات الفقر والهشاشة في المنطقة.

وفي هذا الإطار، تُظهر التجربة العربية خلال عام 2025 بشكل جلي الترابط العضوي بين اختلال النظام الدولي من جهة، وتدهور السياسات المالية والاجتماعية الوطنية من جهة أخرى. فغياب نظام دولي عادل، قائم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وعلى قواعد اقتصادية منصفة، يضع الدول العربية، ولا سيما تلك المتأثرة بالنزاعات والأزمات المالية، أمام خيارات محدودة تُختزل غالبًا في إدارة الأزمة بدل معالجتها، وفي تمويل الدين بدل الاستثمار في الإنسان والتنمية المستدامة. وهو ما يؤكّد الحاجة الملحّة إلى إعادة طرح مسألة المديونية، والموازنات العامة، والحماية الاجتماعية، ليس كقضايا تقنية، بل كقضايا حقوقية وسيادية مرتبطة عضوياً بمسار العدالة الاجتماعية والتنمية في المنطقة العربية.

 

الصراع الفلسطيني  - الإسرائيلي

أما على المستوى الإقليمي، فقد استمر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية بذريعة استهداف حركة حماس، فيما طالت آثاره الكارثية الشعب الفلسطيني بأسره. فالحكومة الإسرائيلية، التي تهيمن عليها أحزاب يمينية متطرفة، تمضي في سياسات تهدف إلى التهجير القسري وفرض وقائع ديمغرافية جديدة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولمجمل منظومة حقوق الإنسان. وتشير التقديرات إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، ما جعل أكثر من 80% من سكان غزة بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وقد أدّت حرب الإبادة هذه إلى استنفار واسع في الرأي العام العالمي، وإلى تصاعد الضغوط لوقف جرائم الحرب، بالتوازي مع الرفض القاطع الذي أبدته كل من الأردن ومصر لمشاريع تهجير الفلسطينيين ونقلهم إلى أراضيهما.

وفي السياق نفسه، وامتدادًا لسياسة التصعيد الإسرائيلية، شهد لبنان استمرارًا للضربات العسكرية المركّزة، لا سيما في المناطق الجنوبية، بالتوازي مع تصاعد غير مسبوق في اللهجة التهديدية الإسرائيلية، ما أبقى البلاد في حالة توتّر أمني دائم، وحدّ من أي هامش للاستقرار. وقد ترافقت هذه التطورات مع انقسامات داخلية حادّة حول كيفية التعاطي مع التصعيد، ودور لبنان في الصراع الإقليمي، ما انعكس سلبًا على الأداء السياسي، وأضعف قدرة المؤسسات الدستورية على اتخاذ قرارات جامعة، وهدّد بشكل مباشر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

وأدّى هذا الواقع إلى مزيد من التعطيل لمسارات الإصلاح الاقتصادي والمالي والسياسي، في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في العالم. كما ساهم استمرار التوتّر الأمني في تقويض ثقة المجتمع الدولي والدول المانحة، وأعاق إمكان حصول لبنان على المساعدات الضرورية لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة من العدوان الإسرائيلي، ولدعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية التي باتت شريان حياة لغالبية السكان. وفي هذا الإطار، يتجلّى الترابط العضوي بين الاستقرار السياسي والأمني من جهة، والقدرة على التعافي الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى، بما يؤكّد أن أي مقاربة لتجنيب لبنان مزيدًا من الانهيار لا يمكن أن تنفصل عن إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية.

كما ساهمت الضربات الجوية الإسرائيلية خارج فلسطين، ومحاولات توسيع دائرة الاستهداف إقليميًا، بما في ذلك التهديدات المتكرّرة لإيران، وما رافقها من تطورات أمنية طالت العاصمة القطرية الدوحة، في استنفار خليجي ملحوظ، وأدّت إلى تراجع الاندفاعة نحو إبرام اتفاقيات سلام جديدة، مقابل إعادة التأكيد على أولوية الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد برز هذا التحوّل بشكل خاص في الموقف السعودي، الذي أعاد بوضوح ربط أي مسار تطبيعي بتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدّمها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وفق قرارات الشرعية الدولية.

 

سوريا والشرق الأوسط

وفي تطور مفصلي آخر، انتهى عام 2024 بسقوط مدوٍّ لنظام البعث في سوريا بعد حكم دام أكثر من نصف قرن، وهروب بشار الأسد إلى روسيا، في سياق تراجع ملموس للدور الإيراني في المنطقة، ولا سيما بعد تعرّض ذراعه الأساسية في لبنان لضربة قاصمة حدّت بشكل كبير من قدرته على الدفاع عن النظام السوري. وقد أدّى انهيار النظام إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل سوريا وفي الإقليم، مع تقدّم أدوار السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب الدور التركي الذي دعم قوى المعارضة السورية وساهم في وصولها إلى السلطة.

في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإسرائيلي في الترتيبات الجارية، سواء عبر تدمير ما تبقّى من القدرات العسكرية السورية، أو السعي لاستكمال تدمير قدرات حزب الله اللبناني، الذي يُعدّ أهم ذراع عسكري لإيران في المنطقة، أو من خلال محاولات تفكيك الدولة السورية ودعم نزعات انفصالية، لا سيما في جنوب البلاد. وتأتي هذه التطورات في ظل صعوبات كبيرة تواجهها السلطة الجديدة في ضبط الميليشيات المسلحة، ومع عودة تنظيم "داعش" إلى المشهد في بعض المناطق. هذا ولا تعكس المواقف الأميركية في المنطقة توجّهًا واضحًا إزاء هذه التحولات، إذ يرسل المبعوثون الأميركيون إشارات متناقضة أحيانًا، فيما لا تعبّر الإدارة الأميركية عن موقف حاسم، باستثناء التزامها المطلق بالدفاع عن إسرائيل.

الوضع في اليمن والسودان وليبيا

وشهدت الأوضاع الإقليمية تطورات خطيرة في اليمن، ولا سيما في محافظة حضرموت، حيث تبرز التناقضات العربية في مقاربة بناء العلاقات الإقليمية وصلت في الأيام الأخيرة الى تفجر مواجهة عسكرية مباشرة بين السعودية ومعها التحالف العربي والمجلس الرئاسي اليمني وبين دولة الإمارات العربية المتحدة التي تدعم ميليشيا المجلس الانتقالي ذي الميول الانفصالية في جنوب اليمن؛ وليس واضحا ما ستؤول اليه هذه المواجهة التي لا تزال في بدايتها لحظة كتابة هذه المقال.

كما تتواصل الحرب في السودان بتداعيات مأساوية، سواء من حيث شراستها أو من حيث آثارها الإنسانية، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص، وتحولت الأزمة إلى أحد أخطر الكوارث الإنسانية في العالم، مع انعكاسات إقليمية مباشرة، وتهدد هذه التطورات في البلدين وحدة البلاد وتزيد من احتمالات الانفصال. ولا يمكن إغفال التطورات في ليبيا، لا سيما بعد مقتل/اغتيال قائد أركان القوات المسلحة التابعة للمجلس الرئاسي في طرابلس في حادث غامض في تركيا، في وقت كانت تشهد فيه البلاد مؤشرات تقارب مع القوات التابعة لخليفة حفتر في بنغازي، والتي تُعرف باسم الجيش الوطني الليبي، والتي تشكل جزءًا من جهوده للسيطرة على شرق ليبيا والمناطق المحيطة ببنغازي، ما يفتح الباب مجددًا أمام احتمال عودة الصراع المسلح.

الأزمات الاقتصادية والاجتماعية

غير أنّ أثار هذه التحوّلات السياسية والأمنية تضاف على الى الازمة المزمنة والعميقة التي يعاني منها مسار التنمية والحقوق في المنطقة بفعل تأثير العولمة النيوليبرالية والسياسات الوطنية المتوافقة معها. فالحروب الممتدة، وتفكك الدول، وتغيّر أولويات الإنفاق العام، وتفاقم ازمة الديون، أدّت إلى تراجع اقتصادي واجتماعي حاد في مؤشرات التنمية البشرية، وإلى إضعاف منظومات الحماية الاجتماعية، واتساع رقعة الفقر والبطالة والتهميش. فقد شهد عام 2025 تضييقًا متزايدًا على الحريات العامة والمساحات الديمقراطية في عدد من دول المنطقة

كما ترافقت هذه الأزمات مع تفاقم غير مسبوق في معدلات الفقر والتفاوت في توزيع الثروات، ما عمّق الانقسامات الاجتماعية وهدّد السلم الأهلي في عدد من دول المنطقة. وتشير التقديرات إلى أنّ ما يزيد عن 40% من سكان المنطقة العربية باتوا يعيشون تحت خط الفقر أو على مقربة منه، فيما تعاني بعض الدول من معدلات فقر تتجاوز 50% من السكان، لا بل تصل الى 75-80% من السكان في بعض البلدان  التي تعاني من أزمات شاملة. ويواكب ذلك اتساع فجوة اللامساواة، حيث تستحوذ شرائح محدودة على الجزء الأكبر من الدخل والثروة، في مقابل تآكل الطبقة الوسطى وتراجع قدرتها الشرائية، نتيجة التضخم ورفع الدعم وتراجع الأجور الحقيقية.

إلى جانب تدهور اقتصادي ملحوظ، تفاقم مع تصاعد أزمات المديونية العامة. فقد تجاوزت نسب الدين العام في عدد من الدول العربية 90% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تخطّت في بعضها عتبة 100%، ما انعكس مباشرة على السياسات العامة والقدرة على الإنفاق الاجتماعي.

إن التعاطي مع المديونية والموازنات العامة بوصفها قضايا تقنية أو مالية بحتة يُغفل بعدها الحقوقي. فالديون غير العادلة وغير المستدامة تحوّلت إلى أداة لتقويض السيادة الاقتصادية، وإلى عامل رئيسي في إضعاف قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها تجاه حقوق مواطنيها، في ظل غياب الشفافية والمساءلة والمشاركة الديمقراطية في تحديد أولويات السياسات العامة. كما أنّ سياسات التقشّف، التي فُرضت أو اعتُمِدت تحت ضغط الأزمات، أسهمت في تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي، وزادت من هشاشة الفئات الأكثر تضررًا، وعمّقت اللامساواة داخل المجتمعات.

وفي هذا السياق، تُعدّ البطالة، ولا سيما بين الشباب، من أخطر التحديات البنيوية التي تواجه المنطقة. إذ تتجاوز معدلات البطالة بين الشباب في عدد من الدول العربية 25%، وتصل في بعضها إلى ما يفوق 35%، وهي من بين الأعلى عالميًا. ولا تقتصر هذه الظاهرة على غياب فرص العمل فحسب، بل تعكس أيضًا اختلالات عميقة في النماذج الاقتصادية المعتمدة، وعجزها عن خلق فرص عمل لائقة ومستدامة، فضلًا عن انفصال سياسات التعليم والتدريب عن حاجات الاقتصاد والمجتمع. ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم الهجرة القسرية للكفاءات، وإلى إحباط واسع في صفوف الشباب، بما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية وسياسية وأمنية على المدى المتوسط والطويل.

إنّ عام 2025، بما يحمله من تحوّلات خطيرة، يفرض إعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول العقد الاجتماعي في المنطقة، وحول كيفية إدارة الموارد العامة، وتوزيع الأعباء والأرباح، وربط الاستقرار السياسي بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، لا يكمن التحدي في إدارة الأزمات فحسب، بل في اغتنام هذه اللحظة التاريخية لإعادة بناء مسار تنموي يقوم على المساءلة والمشاركة والكرامة الإنسانية، ويضع حقوق الشعوب في صلب أي مشروع للاستقرار أو للنهوض الإقليمي.

أزمة المناخ وتداعياتها على المنطقة العربية

إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية، تواجه المنطقة العربية تفاقمًا خطيرًا في أزمة المناخ، تُعدّ من بين الأكثر هشاشة عالميًا في مواجهة تداعياتها، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات الكربونية العالمية. فقد ارتفع متوسط درجات الحرارة في المنطقة العربية بمعدل يفوق المتوسط العالمي، وتشير التقديرات إلى أنّ بعض المناطق قد تشهد ارتفاعًا يصل إلى 4 درجات مئوية بحلول منتصف القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية. وقد انعكس ذلك في تزايد الكوارث الطبيعية، من موجات جفاف حادّة، وفيضانات مدمّرة، وعواصف غير مسبوقة، فضلًا عن تدهور التنوع البيولوجي واتساع رقعة التصحر.

وتُعدّ ندرة المياه من أخطر التحديات المناخية في المنطقة، إذ يعيش أكثر من 60% من سكان العالم العربي في بلدان تعاني من شح مائي حاد، مع توقّعات بانخفاض حصة الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا في عدد متزايد من الدول، وهو ما دون خط الفقر المائي بكثير. وقد أدّى هذا الواقع إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي، حيث تعتمد معظم الدول العربية على استيراد أكثر من 50% من احتياجاتها الغذائية، فيما تسبّبت الاضطرابات المناخية وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا في تعميق هشاشة الفئات الفقيرة.

ورغم خطورة هذه التحديات، لم تُسفر مفاوضات الأطراف حول المناخ (COP) عن تقدّم ملموس في ما يتصل بالتمويل المناخي أو بتحمّل الدول الصناعية لمسؤولياتها التاريخية، إذ لا تزال التعهدات المتعلقة بالخسائر والأضرار غير كافية، كما أنّ معالجة الآثار السلبية للنماذج الاستهلاكية السائدة تبقى محدودة ومجزّأة، ما يترك دول المنطقة أمام أعباء مضاعفة تفوق قدراتها المالية والمؤسسية.

التطور التكنولوجي والفجوة الرقمية في المنطقة العربية

في موازاة ذلك، يشكّل التطور التكنولوجي المتسارع تحدّيًا إضافيًا للمنطقة العربية، التي تُصنّف في معظمها كمستهلك للتكنولوجيا الرقمية أكثر منها منتجًا لها. فعلى الرغم من ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، حيث تتجاوز نسبة المستخدمين 70% في عدد من الدول، إلا أنّ مساهمة الاقتصادات العربية في إنتاج التكنولوجيا والمعرفة الرقمية لا تزال محدودة جدًا، ولا تتجاوز في معظمها 1% من الناتج المحلي الإجمالي في مجالات البحث والتطوير، مقارنة بمتوسط عالمي يفوق 2.5%.

وتنعكس هذه الفجوة الرقمية سلبًا على مسارات التنمية الاقتصادية والثقافية، وعلى فرص خلق وظائف نوعية، لا سيما للشباب، كما تطرح تحديات جدّية على مستوى الحوكمة وحماية البيانات الشخصية والسيادة الرقمية. فضعف الأطر التشريعية والمؤسسية في العديد من الدول العربية يجعلها أكثر عرضة لانتهاك الخصوصية، ولسوء استخدام البيانات، ولانتشار المعلومات المضلّلة والأخبار الكاذبة، بما يقوّض الثقة العامة ويؤثّر على النقاش العام والعمليات الديمقراطية. كما أنّ الاعتماد شبه الكامل على منصّات وشركات عابرة للحدود يحدّ من قدرة الدول والمجتمعات على توجيه التحول الرقمي بما يخدم الصالح العام ويعزّز الحقوق الرقمية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان في العصر الحديث.

الهجرة والنزوح واللجوء: أزمة مركّبة ذات أبعاد حقوقية وتنموية

تُعدّ المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تضررًا من أزمات النزوح القسري واللجوء والهجرة غير النظامية، نتيجة تداخل النزاعات المسلحة، والانهيارات الاقتصادية، وتداعيات تغيّر المناخ، وضعف نماذج التنمية. ووفقًا لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف الدول العربية وتنتج ما يزيد عن 40% من مجموع اللاجئين والنازحين قسرًا في العالم، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 50 مليون شخص بين لاجئ ونازح داخليًا وعديم جنسية في المنطقة.

وتحتلّ دول مثل سوريا واليمن والسودان وفلسطين والعراق مراتب متقدمة عالميًا في أعداد النازحين داخليًا، فيما تتحمّل دول الجوار، ولا سيما لبنان والأردن ومصر، أعباء استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين مقارنة بحجم اقتصاداتها وقدراتها المؤسسية. وتشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أنّ المنطقة تشهد أيضًا تصاعدًا في الهجرة القسرية المرتبطة بتدهور سبل العيش، حيث باتت الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب الجفاف وندرة المياه، عوامل أساسية تدفع فئات واسعة، خصوصًا من الشباب، إلى الهجرة. وقد أدّى هذا الواقع إلى ضغوط إضافية على البنى التحتية والخدمات العامة في دول الاستقبال، وإلى توترات اجتماعية وسياسية متزايدة، في ظل غياب سياسات شاملة قائمة على تقاسم الأعباء والمسؤوليات.

ومن منظور حقوقي وتنموي، لا يمكن التعامل مع قضايا النزوح واللجوء بوصفها مسألة إنسانية طارئة فحسب، بل كنتاج مباشر لفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولغياب العدالة في توزيع الموارد، ولتراكم أزمات المديونية التي قيّدت قدرة الدول على الاستثمار في الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية. كما أنّ ربط إدارة هذه الأزمات بأدوات أمنية أو بتمويل خارجي مشروط، من دون معالجة جذورها البنيوية، يفاقم هشاشة أوضاع اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حدّ سواء، ويقوّض حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

استشراف عام 2026

مع دخول عام 2026، لا يُتوقع أن يشهد الصراع العربي-الإسرائيلي تحسّنًا ملموسًا، على الأقل قبل إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية العام، والتي قد تُنتج أحزابًا أكثر اعتدالًا. ومع ذلك، فإن هذا لا يضمن بالضرورة تقدّمًا حقيقيًا في تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، خاصة في ظل الانقسام الفلسطيني المستمر وضعف السلطة الوطنية وعدم سلامة وفعالية خياراتها.

ومن جهة ثانية، تستمر القيادة الإسرائيلية الحالية في تأكيد ضرورة منع إيران من تطوير قدراتها النووية وإنتاج صواريخ بالستية، فيما تتمسّك الإدارة الإيرانية بقيادة الإمام خامنئي بحقها في هذه القدرات. هذا الوضع يعزز احتمالية وقوع تصعيدات محتملة في المنطقة، ويجعل حلّ الصراع بعيد المنال في الأفق القريب، مع احتمال امتداد انعكاساته إلى دول أخرى مثل  سوريا واليمن ولبنان وربما غيرها من الدول الإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة.

وبالاستناد إلى أحداث 2025، من المتوقع أن يحمل عام 2026 تحديات إضافية تتصل بتداعيات النزاعات المستمرة على الاستقرار السياسي، وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن أزمات المديونية والفقر والبطالة، وتصاعد حدة آثار تغيّر المناخ والجفاف، إلى جانب استمرار الفجوة التكنولوجية وضعف القدرة على إدارة المعرفة الرقمية بشكل مستدام. وعليه، فإن تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، ودعم قدرة المجتمعات على الصمود، وإعادة تصميم السياسات الاقتصادية والمالية بما يرتكز على الحقوق والمساءلة والمشاركة، سيكونان محوريين لضمان عدم تعميق هشاشة المنطقة، وتحويل التحديات إلى فرص لإرساء استقرار شامل وعادل في مختلف دول المنطقة.

احدث المنشورات
Jan 13, 2026
2025، عام نهاية جدوى مفاوضات المناخ وانقاذه… وبداية مرحلة جديدة قاتمة - حبيب معلوف
Jan 13, 2026
مخرجات تمويل التنمية والتنمية الاجتماعية وسؤال العدالة المؤجل - أحمد عوض