هناك بون وهنا جاكرتا: التنفيذ المناخي محكّ العدالة في زمن الشراكات الجديدة - هلا مراد
هناك بون وهنا جاكرتا: التنفيذ المناخي محكّ العدالة في زمن الشراكات الجديدة
قراءة نقدية في التمويل والتكيف والانتقال العادل وتحولات الشراكة المناخية والتنموية
لا يمكن اعتبار اجتماعات بون المناخية لعام 2026 مجرد محطة تفاوضية تمهّد الطريق إلى مؤتمر أنطاليا القادم، مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31). فقد كشفت، بعد أسبوعين من النقاشات المكثفة، عن انتقال أعمق في بنية النظام المناخي العالمي: انتقال من زمن التعهدات الكبرى إلى زمن اختبار القدرة الفعلية على تنفيذها، وهي قدرة يُفترض أن تدفع نحو مسار تفاوضي أكثر قوة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يبدو انتقالًا تقنيًا أو إداريًا كما تحاول بعض الخطابات الرسمية تقديمه، بل هو انتقال يعيد ترتيب العلاقة بين النصوص التفاوضية وشروط القدرة على الفعل، أي التنفيذ، وهو المساحة الأهم لاختبار التمويل، والملكية الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وموقع دول الجنوب في الشراكات الجديدة. وهذا ما ينبغي تكريسه ونقله بعناية إلى أنطاليا.
من زمن التعهدات إلى اختبار التنفيذ
منذ اتفاق باريس، اعتاد النظام المناخي الدولي أن يقيس تقدمه بحجم الالتزامات المعلنة وبقوة اللغة المستخدمة في البيانات الختامية، وهي لغة منحت الحكومات والمجتمع المدني معًا شعورًا مؤقتًا بالإنجاز. لكن تراكم الأهداف الوطنية، وتوسع التعهدات بالحياد الكربوني، وتعدد المبادرات الطوعية، واحتفال المؤتمرات بعبارات الطموح والتسريع والتحول، لم يمنع بون من كشف حقيقة أكثر صراحة: المشكلة لم تعد في ندرة الأهداف، بل في هشاشة الشروط التي تجعل هذه الأهداف قابلة للتحقق.
فالعالم لا يفتقر اليوم إلى خطط مناخية على كل المستويات، بقدر ما يفتقر إلى توزيع عادل للموارد والقدرات يسمح بتحويل تلك الخطط إلى واقع ملموس يشعر به الناس.
في ضوء ذلك، يصبح الحديث عن «عصر التنفيذ» ناقصًا إذا لم يقترن بسؤال العدالة في التنفيذ. فالتنفيذ لا يحدث في فضاء محايد، ولا يمكن فصله عن السياقات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحرك داخلها الدول.
هناك دول تدخل هذه المرحلة بقدرات مالية ومؤسسية وتكنولوجية كبيرة، وبإمكانية واسعة للوصول إلى الأسواق والاستثمارات والمعرفة، بينما تدخلها دول أخرى مثقلة بالديون، ومحدودة الحيز المالي، وبعضها يعيش أزمات وحروبًا ممتدة، في الوقت ذاته الذي يتعرض فيه لتصاعد آثار الجفاف والحرارة والفيضانات وانعدام الأمن الغذائي والمائي.
لذلك، فإن الدعوة إلى التنفيذ، من دون معالجة هذا التفاوت، قد تتحول من وعد بالعدالة المناخية إلى صيغة جديدة لنقل الأعباء أو زيادتها، وخصوصًا عبر الديون.
التكيف: من المؤشرات إلى حماية الناس
ظهر هذا التوتر بوضوح في ملف التكيف. فالنقاش لم يعد حول أهمية التكيف من حيث المبدأ، إذ لم يعد بوسع أحد إنكار أن المجتمعات الأكثر هشاشة تدفع الكلفة الأعلى لأزمة لم تكن الأكثر إسهامًا في إنتاجها. وقد أصبح ذلك من مسلمات العمل المناخي.
لكن الخلاف الحقيقي كان حول تحويل التكيف إلى مسار ممول وقابل للتطبيق، لا مجرد إطار للمؤشرات والتقارير. فمؤشرات الهدف العالمي للتكيف، مهما بلغت دقتها، ستبقى محدودة الأثر إذا لم تقترن بتمويل عام وميسر ومتاح، وإذا لم تصل إلى البلديات والمزارعين والنساء والعمال والمجتمعات التي تعيش المخاطر اليومية، لا المفاهيم المجردة.
فالتكيف، في جوهره، ليس تمرينًا محاسبيًا؛ إنه قدرة الناس على حماية المياه والغذاء والصحة والعمل والسكن والسلامة العامة في عالم تتسارع فيه المخاطر المناخية بوتيرة تفوق كثيرًا ما اعتدنا توقعه.
وهذا ما يجعل مقاربة التكيف في منطقتنا العربية أكثر حساسية. فهنا لا يظهر التكيف كملف بيئي منفصل، بل كمسألة متداخلة مع ندرة المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، وضغط الطاقة، والنزاعات، والحروب، والهجرة، وضعف الخدمات العامة.
وأي مسار عالمي للتكيف لا يعترف بالمعرفة المحلية وبحاجة المجتمعات إلى المشاركة في تعريف المخاطر وصياغة الحلول سيظل قاصرًا، حتى وإن بدا متقدمًا على مستوى المؤشرات. فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى أن تُقاس هشاشتها، بل إلى أن تمتلك القدرة على التأثير في القرارات التي تحدد كيف ستواجه هذه الهشاشة.
التمويل المناخي: الشرط الأول للتنفيذ
أما في ملف التمويل، فقد أعادت بون تأكيد المعضلة التي ترافق المفاوضات منذ سنوات: الجميع يتحدث عن التنفيذ، لكن كثيرين يتجنبون تسمية شرطه الأول.
فالتمويل ليس ملحقًا بالعمل المناخي، ولا مجرد أداة من أدواته كما يرد أحيانًا على ألسنة الساسة في الخطب المناخية البروتوكولية؛ إنه الفاصل بين سياسة قابلة للتطبيق وسياسة رمزية.
حين تُطالب الدول النامية بتحديث مساهماتها الوطنية، وبناء خطط تكيف، وتطوير مسارات انتقال عادل، ومواءمة سياساتها المالية وموازناتها العامة مع المناخ، فإنها لا تطالب بتوجيهات تقنية إضافية، بل بموارد حقيقية تسمح لها بالتحرك.
ومن دون هذا الشرط، تتحول لغة التنفيذ إلى عبء إضافي على الدول الأضعف، فتزداد التقارير والخطط بينما تبقى القدرة على الفعل محدودة، بل قد تتراجع أيضًا.
وهنا يبرز خطر التحول التدريجي في لغة التمويل المناخي. فكلما تراجعت مركزية الالتزامات العامة للدول المتقدمة، تقدمت لغة تعبئة القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، ومواءمة التدفقات المالية.
لا يمكن إنكار أهمية الاستثمار، ولا تجاهل دور القطاع الخاص في التحول؛ ليس هذا ما نقوله. لكن الخلط بين الاستثمار والالتزام يفتح الباب أمام إضعاف جوهر العدالة المناخية. فالاستثمار يبحث عن العائد، بينما التمويل المناخي، خصوصًا في التكيف والخسائر والأضرار، يرتبط بمسؤولية تاريخية وبحق المجتمعات المتضررة في الدعم والحماية.
لذلك، فإن تحويل فجوة التمويل إلى فرصة سوقية، من دون ضمانات واضحة، قد يعيد إنتاج اللامساواة في صورة خضراء واهية.
الانتقال العادل: العدالة داخل تصميم التحول
في مسار الانتقال العادل، ظهرت إحدى النقاط القليلة التي يمكن اعتبارها تقدمًا نسبيًا في بون، خاصة مع الدفع باتجاه تطوير آلية بيليم–أنطاليا.
غير أن أهمية هذه الآلية لا تكمن في اسمها أو في إضافتها إلى قائمة طويلة من آليات المناخ، بل في قدرتها المحتملة على اختبار جدية النظام المناخي في إدماج العدالة داخل تصميم التحول نفسه.
فالانتقال العادل لا يعني فقط تعويض العمال والمجتمعات بعد وقوع الضرر، بل يعني بناء السياسات منذ البداية على أساس حماية الحقوق، وتوزيع الكلفة، وتوفير الحماية الاجتماعية، وخلق فرص عمل لائقة، وضمان ألا تتحول إزالة الكربون إلى مسار يزيد هشاشة الفئات الأقل قدرة والأكثر عبئًا.
غير أن هذا المسار لا يزال معرضًا لخطر التحول إلى منصة حوار إضافية، تضيف إلى مفاوضات المناخ لغة اجتماعية نريدها بقوة، ولكن من دون أن تغير شروط التحول على الأرض.
فالمعيار الحقيقي لأي آلية انتقال عادل سيكون في قدرتها على حشد تمويل ودعم فني ومؤسسي للخطط الوطنية والمحلية، وعلى إشراك العمال والمجتمعات والنقابات والنساء والشباب في الحوكمة، لا في الاكتفاء بإنتاج مبادئ عامة.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، لا يمكن التعامل مع الانتقال العادل كملحق اجتماعي لمشاريع الطاقة المتجددة؛ فهو يرتبط بكلفة الطاقة على الأسر، وبأمن العمل، وبمستقبل الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري، وبقدرة الدول المستوردة للطاقة على حماية مواطنيها من تقلبات الأسعار ومن شروط التحول غير العادلة.
التخفيف وتوزيع الأعباء
أما في ملف التخفيف، فقد أعادت بون إظهار المأزق القديم بصيغة جديدة. فخفض الانبعاثات لم يعد مسألة علمية فقط، لأن العلم واضح في تحديد حجم الفجوة والسرعة المطلوبة، بل أصبح مسألة سياسية تتعلق بتوزيع الأعباء في هذا العقد الحاسم.
فالمطالبة بتسريع التخفيف لا يمكن أن تنفصل عن الحاجة إلى التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات، كما أن التذرع بالعدالة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل النقاش الضروري حول الوقود الأحفوري والتحول الطاقي.
وبين هذين الموقفين، تحتاج المفاوضات إلى مساحة أكثر صدقًا، تعترف بأن هدف حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية ليس شعارًا تفاوضيًا، وأن حماية هذا الهدف تتطلب من الدول المتقدمة أن تتحرك أسرع وأن تدعم أكثر، ومن الدول النامية أن تبني مسارات تحول واقعية لا تكرر هشاشة نماذج التنمية السابقة.
من بون إلى جاكرتا: تحولات الشراكة المناخية والتنموية
لا يكتمل فهم ما جرى في بون إذا بقي التحليل محصورًا داخل قاعات التفاوض المناخي وحدها. فالعديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية باتت تتقاطع مع مسار العمل المناخي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى بون تحضيرًا للمؤتمر المقبل، كان مسار آخر يُعقد في جاكرتا ضمن منتدى الشراكات من أجل التنمية (PFD)، حيث حضرت بقوة أسئلة التمويل والاستثمار والبنية التحتية والشراكات الدولية وربط التحول الأخضر بمسارات التنمية الأوسع.
لم يكن ذلك المنتدى مؤتمرًا مناخيًا بالمعنى الضيق، لكنه ناقش عمليًا البنية التي يُفترض أن يحدث داخلها التنفيذ المناخي: البنية التحتية، والربط، والطاقة، والاستثمار، وسلاسل القيمة، وموقع دول الجنوب، وتحديدًا دول آسيا والمحيط الهادئ والدول الجزرية، في الشراكات الجديدة.
من هذه الزاوية، لا تبدو بون وجاكرتا مسارين منفصلين. فالأولى تكشف مأزق التنفيذ داخل النظام المناخي متعدد الأطراف، والثانية تضيء على فضاءات أخرى يمكن أن تدعم هذا التنفيذ عبر مبادرات استثمارية، وشراكات في البنية التحتية، وممرات اقتصادية، ومشاريع طاقة، وربط رقمي وتجاري.
وتأتي مبادرة البوابة العالمية الأوروبية (Global Gateway) ضمن هذا السياق بوصفها أحد المسارات التي يمكن أن تساهم في ربط المناخ بالتنمية والاستثمار، إذا جرى التعامل معها كمساحة شراكة متوازنة، لا كبديل عن الالتزامات المناخية الرسمية.
فهذه المبادرات قد تفتح فرصًا مهمة، خاصة في البنية التحتية والطاقة والربط، لكنها تحتاج إلى معايير واضحة تضمن الملكية المحلية، والشفافية، والمساءلة، وتوزيع المنافع، حتى لا تتحول الشراكات الخضراء إلى إعادة إنتاج لعلاقات غير متكافئة بلغة جديدة.
التجارة والمناخ وموقع دول الجنوب
بهذا المعنى، يصبح ملف التجارة والمناخ الذي ظهر في بون جزءًا من صورة أوسع، لا موضوعًا منفصلًا. فالتجارة لم تعد مجرد قناة لتبادل السلع، بل أصبحت إحدى الأدوات التي يعاد من خلالها تحديد شروط الدخول إلى الاقتصاد الأخضر العالمي.
ومع صعود معايير الكربون وسلاسل القيمة منخفضة الانبعاثات، تجد دول الجنوب نفسها أمام مرحلة لا يكفي فيها امتلاك الموارد أو الطموحات المناخية، بل تحتاج فيها إلى قدرة تفاوضية ومؤسسية لحماية حقها في التنمية، ومنع تحول القواعد المناخية التجارية إلى أعباء إضافية على اقتصاداتها ومجتمعاتها.
وهذه القدرة لا تتشكل داخل الحكومات وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى مجتمع مدني قادر على ردم فجوات الحوكمة بعناصرها المختلفة، من المعرفة والشفافية إلى الشراكة وأخيرًا المساءلة، وترجمة النقاشات الكبرى إلى أسئلة ملموسة حول الحقوق، ومن يصل فعليًا إلى فرص التحول.
احدث المنشورات