Jun 30, 2026
المعضلة التنموية والبيئية لإعادة إعمار قطاع غزة: موازنة الحوكمة، والعدالة الاجتماعية، والإنعاش الاقتصادي (2026)

المعضلة التنموية والبيئية لإعادة إعمار قطاع غزة: موازنة الحوكمة، والعدالة الاجتماعية، والإنعاش الاقتصادي (2026)

د. أياد الكرنز

مقدمة

تُعد قضية إعادة إعمار قطاع غزة إحدى أكثر المعضلات التنموية والإنسانية تعقيداً في النقاشات الدولية والإقليمية المعاصرة منذ اندلاع الحرب الأخيرة. ولم يعد حجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والمساكن والخدمات الأساسية مجرد أزمة إنسانية مؤقتة، بل تحول إلى انتكاسة تنموية هيكلية أعادت المؤشرات الحياتية والاقتصادية للقطاع عقوداً إلى الوراء. إن هذا الحجم غير المسبوق من الخراب فرض تحديات مادية ومؤسسية تتطلب قراءة نقدية تتجاوز تفاصيل التمويل والآليات التقنية، لتبحث في جوهر قضايا الحوكمة، وإدارة الموارد، والعدالة الاجتماعية، وحقوق المتضررين، ناهيك عن التخطيط العمراني المستدام والاستدامة البيئية.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها عملية هندسية أو لوجستية إنسانية فحسب، بل بوصفها عملية سياسية واجتماعية متعددة الأبعاد ترتبط ارتباطاً عضوياً بمستقبل الاستقرار والقدرة على بناء مجتمع أكثر مرونة في مواجهة الأزمات المستقبلية.

تهدف هذه المقالة إلى تحليل التداخل بين أبعاد إعادة الإعمار المختلفة، وتسليط الضوء على حجم الأضرار، ومناقشة قضايا الحوكمة والاقتصاد السياسي، واستعراض الأبعاد الاجتماعية والعمرانية والبيئية التي ينبغي أخذها في الاعتبار لضمان تعافٍ شامل ومستدام.

حجم الدمار والاحتياجات التمويلية

تشير التقديرات المشتركة الصادرة عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في تقييم الأضرار والاحتياجات السريع لعام 2026 (RDNA 2026) إلى أرقام تعكس صدمة عمرانية واقتصادية شاملة. فقد بلغت القيمة التقديرية للأضرار المادية المباشرة التي لحقت بالأصول الثابتة والبنى التحتية نحو 35.2 مليار دولار أمريكي، في حين قُدّرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التراكمية الناتجة عن تعطل الإنتاج والأسواق بنحو 22.7 مليار دولار. وبناءً على هذه المعطيات، قُدّر حجم احتياجات التعافي وإعادة الإعمار الشاملة بما يقارب 71.4 مليار دولار على مدى جدول زمني يمتد لعشر سنوات، مع تركز الجزء الأكبر من هذه الاحتياجات في قطاعات الإسكان والصحة والزراعة والمياه والصرف الصحي.

وعند تفكيك هذه المؤشرات قطاعياً، يتضح أن قطاع الإسكان قد تلقى الصدمة الأكبر؛ إذ تأثر ما يقارب 371,888 مسكناً بشكل مباشر ما بين تدمير كلي وجزئي، وهو ما أدى قسراً إلى تحويل أكثر من 1.2 مليون شخص إلى بلا مأوى، مع استمرار حركة النزوح الداخلي الواسع لنحو 1.9 مليون شخص يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة.

أما القطاع الصحي، فقد شهد انهياراً شبه كامل للأصول الطبية، حيث تضرر 34 مستشفى من أصل 36 مستشفى متواجدة في القطاع. وحتى حدود شهر آب/أغسطس 2025، لم يكن يعمل سوى 18 مستشفى بصورة جزئية، ولم تكن تتجاوز نسبة المرافق العاملة في الرعاية الصحية الأولية 39%.

تُظهر هذه الأرقام أن إعادة الإعمار في قطاع غزة تتجاوز النظرة الهندسية الضيقة القائمة على إصلاح الأضرار المادية، لتصبح عملية تنموية شاملة تستهدف إعادة بناء مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والخدمية. فحجم الدمار الذي لحق بقطاعي الإسكان والصحة، إلى جانب استمرار النزوح واسع النطاق، يشير إلى أن التعافي يتطلب استثمارات طويلة الأجل وتنسيقاً وثيقاً بين المؤسسات الفلسطينية والجهات المانحة والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني لضمان تلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية في آن واحد.

حوكمة إعادة الإعمار وصراع المسارات المتعددة

تمثل الحوكمة والأطر الناظمة لإدارة التمويل والإشراف التنفيذي أحد أكثر الأبعاد حساسية في نقاشات إعادة إعمار غزة، إذ لا يقتصر الجدل على آليات التمويل أو أولويات البناء، بل يمتد إلى مسألة السلطة المسؤولة عن إدارة العملية وصنع القرار وتوزيع الموارد. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل تعدد الفاعلين المنخرطين في ملف الإعمار، بما يشمل المؤسسات الفلسطينية والجهات المانحة والمنظمات الدولية والقوى الإقليمية. ونتيجة لذلك، برزت تصورات متباينة حول الإطار المؤسسي الذي ينبغي أن يقود عملية إعادة الإعمار، حيث تدعو بعض المقاربات إلى تعزيز القيادة الفلسطينية المباشرة بوصفها شرطاً للملكية الوطنية والمساءلة، في حين تدعم مقاربات أخرى ترتيبات ذات طابع دولي أو هجين بحجة ضمان الشفافية المالية وجذب التمويل الخارجي.

وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين ثلاث مسارات رئيسية مطروحة لإدارة عملية إعادة الإعمار:

• المسار العربي-الفلسطيني: ينطلق من رؤية سياسية تؤكد على مبدأ الملكية الفلسطينية لعملية الإعمار، وترفض التهجير القسري أو إعادة التوطين خارج القطاع، وتدعو إلى إنشاء صندوق ائتماني دولي لدعم جهود التعافي وإعادة البناء مع الحفاظ على الدور القيادي للمؤسسات الفلسطينية بوصف الإعمار جزءاً من التعافي الوطني والتنمية طويلة الأمد.

• المسار الحكومي الفلسطيني التنفيذي: تقوده وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية من خلال رؤية مكانية وتنفيذية تمتد حتى عام 2030. تعتمد هذه الرؤية على نظم المعلومات الجغرافية والتحليل المكاني لتحديد أولويات التدخل، وإدارة عمليات إزالة الركام، وتخطيط مواقع الإسكان المؤقت، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية بهدف إعادة تنظيم الحيز العمراني بصورة تقلل الضغوط على الأراضي المحدودة.

• نموذج التدويل والحوكمة الهجينة: يمثل التوجه الدولي الرامي إلى هيكلة إدارة الإعمار بطرق أكثر صرامة، كما يرد في مبادرة مجلس السلام الدولي (Board of Peace). يقترح هذا النموذج إنشاء مجلس سلام دولي وهيكل تنفيذي يشرف عليه مكتب "الممثل الأعلى" برئاسة نيكولاي ملادينوف، إلى جانب صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة (GRAD) الذي يتولى البنك الدولي إدارته بصفته أميناً محدود الصلاحيات لتوفير إطار موحد لتعزيز ثقة الجهات المانحة.

تعكس هذه المسارات تبايناً واضحاً في الرؤى المتعلقة بالتوازن بين القيادة الفلسطينية والإشراف الدولي. فبينما تمنح الرؤيتان العربية والفلسطينية أولوية للسيادة الوطنية ودور المؤسسات المحلية، يركز النموذج الدولي على بناء هياكل إشرافية متعددة الأطراف لتعزيز الرقابة المالية وضمان استمرارية تدفق التمويل. ويكشف هذا التباين عن معضلة أساسية تتمثل في كيفية التوفيق بين متطلبات الملكية الوطنية من جهة، والحاجة إلى الموارد والخبرات والدعم الدولي من جهة أخرى. ويتضح أن نجاح إعادة الإعمار يرتبط بوجود إطار حوكمة واضح يضمن التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة، ويعزز المساءلة والشفافية، ويضمن توجيه الموارد نحو الاحتياجات الفعلية للسكان المتضررين.

الاقتصاد السياسي للانهيار الهيكلي وسوق العمل

لا تقتصر تحديات إعادة إعمار غزة على إعادة بناء المساكن والبنية التحتية المتضررة، بل تمتد إلى معالجة أزمة اقتصادية عميقة نتجت عن التدمير واسع النطاق للأنشطة الإنتاجية وتعطل الأسواق وسلاسل التوريد. وفي هذا السياق، ترتبط عملية إعادة الإعمار ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد السياسي للقطاع، أي بالظروف الاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي تحدد قدرة المجتمع على التعافي واستعادة النشاط الاقتصادي على المدى الطويل.

وتكشف البيانات الصادرة عن البنك الدولي عن انهيار اقتصادي غير مسبوق؛ حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة بنسبة حادة بلغت 83% خلال عام 2024، قبل أن يتراجع بنسبة إضافية بلغت 12% خلال الربع الأول من عام 2025. ونتيجة لهذا التآكل البنيوي المتسارع، انخفضت مساهمة غزة في الاقتصاد الفلسطيني الكلي من نحو 17% قبل الحرب إلى أقل من 3% فقط، رغم أن القطاع يضم ديموغرافياً ما يقارب 40% من السكان الفلسطينيين. وتعكس هذه المؤشرات حجم التراجع الذي أصاب القاعدة الاقتصادية المحلية، وتوضح أن إعادة الإعمار لن تقتصر على إعادة بناء الأصول المادية، بل ستتطلب أيضاً إعادة تنشيط الاقتصاد المنتج وخلق فرص العمل واستعادة النشاط التجاري والاستثماري.

وقد انعكس هذا الانهيار الاقتصادي بصورة مباشرة على أوضاع سوق العمل ومستويات المعيشة. فبحسب البنك الدولي، ارتفعت معدلات البطالة في غزة إلى نحو 69% بحلول نهاية عام 2024 مقارنة بـ22% قبل الحرب، بينما بلغت بطالة النساء 73.2%. كما ارتفعت معدلات الفقر في الأراضي الفلسطينية إلى نحو 40% مطلع عام 2025، في حين أصبحت غالبية الأسر في قطاع غزة تعيش في ظروف الفقر وتعتمد بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وزاد من عمق الأزمة التراجع الكبير في الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية جراء الاقتطاعات الإسرائيلية المتزايدة من أموال المقاصة، والتي تجاوزت 450 مليون شيكل شهرياً خلال عام 2025. هذا الوضع أدى إلى انخفاض حاد في أهم مصادر الإيرادات العامة، وأجبر السلطة الفلسطينية على تخفيض رواتب موظفي القطاع العام إلى مستويات تراوحت بين 50% و70% في بعض الفترات، مما قلص قدرة المؤسسات العامة على تمويل الخدمات الأساسية والمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار. وفي ظل هذا الواقع، من المتوقع أن يعتمد التمويل بصورة كبيرة على المساعدات الدولية، مما يفرض ضرورة تهيئة بيئة مؤسسية مستقرة لتعزيز القطاعات الإنتاجية وتقليل الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الخارجية.

العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الهشة

تمثل العدالة الاجتماعية أحد الشروط الأساسية لنجاح إعادة إعمار غزة، لأن آثار الحرب طالت قدرة السكان على الوصول إلى السكن الآمن، والخدمات الصحية، والتعليم، والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية تعويض مادي فقط، بل باعتبارها عملية لاستعادة الحقوق الأساسية وضمان عدم استبعاد الفئات الأكثر تضرراً من مسار التعافي. وتبرز قضية النزوح والسكن كإحدى أهم هذه القضايا؛ فوجود نحو 1.9 مليون نازح يعني أن سياسات الإسكان والتعويض يجب أن تقوم على مبدأ العودة الآمنة والطوعية، وحماية حقوق الملكية وتجنب تحول ترتيبات الإيواء المؤقت إلى بدائل دائمة قد تعمق التهميش الاجتماعي.

كما تكشف البيانات المتعلقة بالأطفال حجم البعد الاجتماعي والحقوقي لإعادة الإعمار. فقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من 64,000 طفل قُتلوا أو أُصيبوا منذ اندلاع الحرب، في حين فقد أكثر من 56,000 طفل أحد الوالدين أو كليهما. كما يحتاج نحو 658,000 طفل في سن الدراسة إلى استعادة فرص التعليم بعد الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنشآت التعليمية. وتوضح هذه المؤشرات أن إعادة الإعمار لا تقتصر على بناء المدارس، بل تشمل توفير الدعم النفسي والاجتماعي وبرامج التعليم التعويضي للأطفال المتضررين.

وتطرح الإصابات والإعاقات الناتجة عن الحرب تحدياً اجتماعياً وصحياً طويل الأمد. فوفقاً لتحديث منظمة الصحة العالمية الصادر في أيار/مايو 2026، أُصيب ما لا يقل عن 172,043 شخصاً في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويُقدّر أن نحو 43,011 شخصاً (ربع المصابين تقريباً وما يعادل 2% من سكان القطاع قبل الحرب) يعانون من إصابات قد تغيّر حياتهم بشكل دائم. كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 49,462 و55,914 شخصاً سيحتاجون إلى خدمات تأهيل ممتدة، في حين تجاوز عدد حالات بتر الأطراف 5,000 حالة، وكان نحو خمس مبتوري الأطراف من الأطفال. وتؤكد هذه الأرقام وجوب تطوير خدمات التأهيل والرعاية طويلة الأمد، ودمج احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة في تصميم المباني والخدمات الأساسية، خاصة في ظل استمرار النقص الحاد في خدمات التأهيل، حيث لا توجد أي منشأة تأهيل تعمل بكامل طاقتها حتى عام 2026.

التخطيط العمراني المرن ومعضلة إدارة الركام

تمثل إعادة بناء البيئة العمرانية في قطاع غزة أحد أكثر جوانب التعافي تعقيداً، ولا يقتصر التحدي على إعادة تشييد المباني المتضررة، بل يشمل إعادة تنظيم الحيز العمراني بما يراعي التحولات الديموغرافية والاحتياجات المتزايدة للسكان، حيث تنظر الأدبيات التنموية إلى التخطيط العمراني باعتباره أداة لاستعادة الوظائف الحضرية. وكما أشير سابقاً، فقد تعرض نحو 371,888 مسكناً للتدمير أو الضرر، مصحوباً بأضرار واسعة في شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، مما جعل إعادة بناء المساكن عملية مرتبطة عضوياً بإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الحضرية الأساسية.

ولا يقتصر التحدي العمراني على المنشآت المتضررة، بل يشمل التعامل مع الكميات الهائلة من الركام. فوفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، خلّفت الحرب أكثر من 61 مليون طن من الركام والأنقاض، وهو ما يعادل نحو عشرين ضعف إجمالي الركام الناتج عن جميع جولات الصراع السابقة في غزة منذ عام 2008، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 57% مقارنة بالتقييم البيئي الأول الصادر عام 2024. وتزداد تعقيدات هذه القضية بسبب احتمال احتواء أجزاء من الركام على مواد خطرة، بما في ذلك الأسبستوس والمواد الكيميائية الصناعية والذخائر غير المنفجرة، الأمر الذي يجعل إزالة الأنقاض وفرزها وإعادة تدويرها شرطاً أساسياً لحماية الصحة العامة والبيئة ولنجاح عملية إعادة الإعمار.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية الرؤية التي طرحتها وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية الممتدة حتى عام 2030، والتي تقوم على إعادة تنظيم استخدامات الأراضي وتحديد أولويات التدخل العمراني وفق مستويات الضرر والكثافة السكانية، وتسعى لتوظيف عملية إعادة الإعمار كفرصة لمعالجة الاختلالات العمرانية المتراكمة وتعزيز كفاءة استخدام الأراضي والموارد المحدودة في القطاع عبر اعتماد مبادئ التخطيط المستدام والمرونة الحضرية.

الاعتبارات البيئية والمناخية واستدامة الموارد

تمثل الأبعاد البيئية إحدى القضايا المحورية في جهود الإعمار، إذ امتدت آثار الحرب إلى الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية التي يعتمد عليها السكان. وفي هذا السياق، تبرز قضايا المياه والتربة والنظم البحرية وإدارة الركام بوصفها من أهم التحديات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار لضمان ألا تؤدي عمليات التعافي إلى تعميق الضغوط البيئية القائمة.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن قطاع المياه والصرف الصحي تعرض لأضرار واسعة النطاق؛ فبحلول عام 2025 لم يبقَ فعالاً سوى 9 من أصل 54 خزاناً ومحطة ضخ للمياه (منها ثلاث منشآت فقط غير متضررة)، وهو ما يمثل تراجعاً بنحو 84% في القدرة التشغيلية لهذه المرافق. كما انخفضت القدرة المتبقية لتحلية المياه إلى نحو 31% من مستوياتها قبل الحرب، في حين توقفت جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي عن العمل، مما أدى إلى تدهور جودة المياه وتزايد مخاطر تلوث المياه الجوفية والبيئة الساحلية.

كما تعرضت الأراضي الزراعية لأضرار كبيرة أثرت بصورة مباشرة على الأمن الغذائي؛ حيث تضرر نحو 97.1% من الأشجار والمحاصيل الشجرية، و82.4% من المحاصيل السنوية، و95.1% من الأراضي الشجيرية، و89% من الأراضي العشبية والبور. وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الغذاء على نطاق واسع أصبح غير ممكن في ظل هذه الظروف، نتيجة تدهور التربة وتراكم الملوثات الناتجة عن الذخائر ومياه الصرف غير المعالجة، مما يجعل استعادة الإنتاج الزراعي متطلباً لبرامج طويلة الأمد لإعادة تأهيل التربة.

وفي البيئة البحرية، أدى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة وتراكم الملوثات المرتبطة بالعمليات العسكرية إلى تدهور النظم الساحلية والبحرية، وقضت الحرب تقريباً على سبل عيش قطاع الصيد البحري، وتزايدت المخاطر المرتبطة بتلوث السلسلة الغذائية البحرية. تؤكد هذه المعطيات بمجملها ضرورة دمج الاعتبارات البيئية والمناخية في جميع مراحل إعادة الإعمار، بما يشمل تحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، وتعزيز إعادة التدوير، وتطوير بنية تحتية أكثر قدرة على التكيف مع المخاطر البيئية المستقبلية.

خاتمة

إن القراءة المتكاملة لأبعاد إعادة إعمار قطاع غزة تكشف عن ضرورة الانتقال من منطق المساعدة الإنسانية المؤقتة والحلول الهندسية الصرفة إلى منطق الحقوق والتنمية المستدامة الشاملة. إن التحدي الرئيسي لا يكمن في اختيار نموذج مؤسسي بعينه لإدارة التمويل، بل في تطوير آلية مرنة تجمع بين الكفاءة الإدارية والرقابة المالية والقيادة الفلسطينية الفاعلة التي تضمن الملكية الوطنية.

كما أن تحقيق التعافي بعيد المدى مشروط بمعالجة الانكماش الهيكلي في الاقتصاد عبر دعم القطاعات الإنتاجية، وضمان الإنصاف الاجتماعي من خلال رعاية الفئات الهشة والمصابين ودمج احتياجاتهم في البيئة الحضرية الجديدة. وأخيراً، فإن معالجة الآثار البيئية المتراكمة، وإدارة الـ 61 مليون طن من الركام، وإعادة تأهيل شبكات المياه والتربة المتدهورة، لا تمثل جوانب ثانوية، بل تشكل الشروط الأساسية والحتمية لبناء مجتمع مستدام وقادر على الصمود.

المراجع

• البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة (2026). التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة (Gaza Rapid Damage and Needs Assessment – RDNA 2026).

• دولة فلسطين، وزارة الأشغال العامة والإسكان (2025). خطة التعافي وإعادة إعمار غزة.

• الخطة العربية الفلسطينية للتعافي وإعادة الإعمار والتنمية في غزة (2025).

• البنك الدولي (2025). صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة (GRAD).

• البيت الأبيض (2026). مبادرة مجلس السلام (Board of Peace) وترتيبات الحوكمة المقترحة لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.

• البنك الدولي (2025). التحديث الاقتصادي الفلسطيني (Palestinian Economic Update).

• منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) (2026). Children in Gaza Need Life-Saving Support.

• منظمة الصحة العالمية (WHO) (2026). Estimating Trauma Rehabilitation Needs in Gaza: May 2026 Update.

• برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) (2025). Environmental Impact of the Escalation of Conflict in the Gaza Strip: Second Assessment of Environmental Damage.

احدث المنشورات
Jun 30, 2026
إعادة الإعمار البيئي بعد الحروب: كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار والعدالة
Jun 30, 2026
العدالة أساس إعادة الإعمار