Mar 10, 2026
المرأة في اليمن: من الإقصاء إلى القيادة وصنع القرار - أمـاني زبــارة

المرأة في اليمن: من الإقصاء إلى القيادة وصنع القرار

أمـاني زبــارة

يشهد وضع المرأة في اليمن حالة مركبة تجمع بين التحديات العميقة وبوادر الأمل المتنامي. فعلى مدى عشر سنوات من الحرب والصراع المرير، تعرضت النساء لانتهاكات بشعة شملت الاعتقال والاخفاء القسري والتعذيب خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين، وتقييد حرية الحركة والتنقل، وتزايد العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتدهور فرص التعليم والعمل. كما أدى الانهيار الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة إلى إقصاء إضافي للمرأة، وتقليص حضورها في الفضاء العام.

النساء يواجهن التحديات

منذ اندلاع الصراع المسلح الممتد منذ العام 2014، واجهت نساء اليمن أوضاعاً إنسانية واقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد، نتيجة للظروف الأمنية وحالة غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي، والصدمات المناخية، ونقص الموارد، وتردي الخدمات الصحية، وتدهور البنية التحتية الاجتماعية والإدارية. أدت كل هذه العوامل إلى زيادة الفقر والهشاشة واللامساواة، وتفاقم الفجوات بين الجنسين في التعليم والعمل والصحة والحماية القانونية، لا سيما بين النساء والفتيات بما في ذلك النازحات والمهمشات وذوات الإعاقة1.

وعلى الرغم من وجود أطر دستورية وقانونية عامة تضمن مبدأ المساواة، إلا أن ضعف التنفيذ واستمرار الأعراف التمييزية يحدّان من تمكين النساء ومشاركتهن الفاعلة في الحياة العامة وصنع القرار. اذ تعد النساء والفتيات من الفئات الأشد تضرراً من الأزمة الحادة في البلاد. وتشير تقارير أممية إلى أن حوالي 80% من إجمالي 4,5 مليون نازح داخلي في اليمن هم من النساء والأطفال، في حين تمثل الأسر التي تعيلها النساء حاليًا حوالي 26% من إجمالي الأسر النازحة في البلاد2.

تعاني النساء في اليمن من محدودية الحصول على العمل الرسمي والتعليم، مما يزيد من معدلات الأمية والبطالة، والذي تفاقم بسبب النزاع. وقد زاد التدهور الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، وتراجعت فرص العمل الرسمية، وارتفعت تكاليف المعيشة، ما دفع الكثير من النساء إلى الانخراط في الاقتصاد غير المنظم وبشروط غير آمنة. علاوة على ذلك، ما تزال مشاركة المرأة وقيادتها في الوظيفة العامة والعمل بأجر، سواء في القطاع الرسمي أو الخاص منخفضة. إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة في اليمن3. 6% كما تعيق اللامساواة الهيكلية حصول النساء والفتيات على الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى فجوة كبيرة بين الجنسين في محو الأمية والتعليم الأساسي، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات.

أدوار فاعلة وسط الصراع

وعلى المستوى الاجتماعي، لا تزال الأعراف الثقافية والتقاليد الراسخة والصور النمطية للدور الاجتماعي للمرأة، تعيق مشاركة النساء في الحياة السياسية والاقتصادية، رغم تحملهن أعباء مضاعفة خلال الأزمة، سواء كمعيلات للأسر أو كعاملات في القطاعات الإنسانية والصحية والتعليمية. وعلى الرغم من ذلك، أثبتت المرأة اليمنية قدرة عالية في الصمود وإدارة الأزمات وسط الصراع، حيث تحولت من ضحية للنزاع إلى فاعل رئيسي في قيادة مبادرات إنسانية ومجتمعية، ورائدات أعمال في المشاريع المنزلية الصغيرة، والمساهمة في الوساطة المجتمعية، وتنمية المجتمع المحلي؛ وبرغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذا الدور لم يُترجم بعد بشكل عادل إلى تمثيل مؤسسي فاعل في شتى المجالات.

«يحتل اليمن المرتبة الثانية من بين 159 بلداً من حيث التحديات وأوجه اللامساواة في التنمية والحوكمة4. وتصنف اليمن من البلدان الهشة والمتضررة من النزاعات والكوارث»

وهي تواجه تحديات جمة في مجال الحوكمة وأوجه المساواة بين الجنسين بما في ذلك نقص تمثيل النساء، جراء مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والتنظيمية والاقتصادية. وقد أسهم الصراع وعدد من القضايا الهيكلية الأساسية بدرجات متفاوتة في وصول البلد إلى الحالة الراهنة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال التحولات الإيجابية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة؛ فقد شهدت البلاد صعود نماذج نسوية ملهمة في مجالات السياسة والدبلوماسية والمجتمع المدني وريادة الأعمال.

احتجاجات النساء للمطالبة بالحقوق

في أيار/مايو 2025، شهدت مدينة عدن جنوب اليمن، احتجاجات واسعة قادتها النساء سُميت "ثورة النسوان"، تنديداً بانهيار الخدمات الأساسية، وخاصة انقطاع الكهرباء (20 ساعة يوميًا)، وانهيار العملة، وتردي الوضع المعيشي5. خرجت النساء في مظاهرات غاضبة وقوية ضد التهميش، وطالبن بحياة كريمة بعيداً عن التجاذبات السياسية التي تعيشها البلاد.

وقد برزت نساء عدن كملهمات لهذه الاحتجاجات، وفاعلات مدنيات في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث قدن مظاهرات سلمية عكست وعياً متقدماً بالمواطنة والمساءلة، وهن يطالبن بأبسط الحقوق التي تجاهلتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وفي مقدمتها الحق في الحصول على الكهرباء والحق في الغذاء، والحق في الحياة الكريمة، في ظل ظروف معيشية متدهورة6.

كان أثر هذه الاحتجاجات سريعًا، حيث أربكت مطالب النساء صانعي القرار، وأجبرت الحكومة ورئاسة الجمهورية على الاعتراف بحجم المعاناة وتقديم الوعد بحلول عاجلة. لكن التأثير البارز لهذه الاحتجاجات هو أنها سرعان ما توسعت لتشمل ثلاث مدن أخرى هي تعز ولحج وأبين، حيث خرجت النساء بهذه المدن بمظاهرات تحمل نفس المطالب7.

شكلت هذه الاحتجاجات نموذجاً لافتًا لدور المرأة كشريك أساسي في الفضاء العام، قادر على التعبئة والتنظيم وصياغة مطالب واضحة، برغم الوضع الأمني الهش والتحديات والقيود. وقد عزز هذا الدور من حضور النساء في قضايا الحكم المحلي، وأعاد تعريف الدور الاجتماعي للمرأة في اليمن بوصفها قوة ضغط مشروعة، من أجل تحسين الخدمات وعدم المساس بالكرامة الإنسانية.

رمزية تعيين 3 وزيرات في الحكومة اليمنية الجديدة

في خطوة تجسد انتصاراً لنضال وكفاح اليمنيات، وتعكس إدراكًا لأهمية إشراك المرأة في مسارات الحوكمة وصنع القرار، شهد اليمن مطلع شباط/فبراير 2026، تعيين ثلاث نساء في مناصب عُليا ضمن الحكومة اليمنية الجديدة التي تشكلت بقرار جمهوري قضى بتعيين 35 وزيراً. وقد شملت الحكومة 3 حقائب للنساء وهن: الدكتورة أفراح الزوبة، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، والدكتورة عهد جعسوس، وزيرة الدولة لشؤون المرأة، والقاضية إشراق المقطري، وزيرة للشؤون القانونية.

لا ينبغي النظر لهذا التعيين كحدث عابر، بل كمؤشر لتحوّل تدريجي في البنية الذهنية والسياسية للدولة. فاليمن الذي عاش سنوات مريرة من الصراع والانقسام والعنف، يحتاج إلى إعادة بناء لا تقتصر على البنية التحتية والمؤسسات، بل تشمل أيضاً إعادة صياغة مفهوم المشاركة السياسية ذاته. فحضور المرأة في مجلس الوزراء من شانه إعادة تعريف القيادة بوصفها كفاءة ومسؤولية وشراكة، وليست امتياز ذكوري تقليدي، ورد الاعتبار لدور المرأة التاريخي كشريك في إدارة اليمن.

علاوة على ذلك، سيعكس هذا الأمر اعترافًا متزايدًا بكفاءات القيادات النسائية ودورهن في إدارة الملفات العامة خلال مرحلة بالغة التعقيد. فعلى الرغم من محدودية التمثيل النسائي في الحكومات اليمنية المتعاقبة، إلا أن إسناد حقائب وزارية لنساء مهنيات يبعث برسالة سياسية داعمة لمبدأ تكافؤ الفرص، ويعزز حضور المرأة في رسم السياسات الوطنية، كما يفتح المجال لتقديم نماذج قيادية ملهمة تسهم في كسر الصور النمطية، وتعمل على ترسيخ المشاركة السياسية للنساء بصورة أكثر توازنًا وشمولًا. كما أن هذا التمثيل قد يشير إلى نوايا جادة لتجاوز نمط الإقصاء الطويل لدور المرأة في مواقع صنع القرار في اليمن، خصوصاً في المناصب التنفيذية العليا. فحضور المرأة اليمنية اليوم كوزيرة في التخطيط والتعاون الدولي، والشؤون القانونية وشؤون المرأة، يعكس توجهاً رسمياً نحو مشاركة أوسع للنساء،، ليس كمطلب حقوقي، بقدر ما هو جزء من رؤية أكثر شمولية لإدارة الدولة في مرحلة ما بعد النزاع والتعافي وإعادة الاعمار، وضرورة تنموية تمهد لاستقرار سياسي طويل الأمد.

أما من الناحية الاجتماعية، قد تبعث هذه الخطوة برسالة هامة للمجتمع اليمني، مفادها أن النساء شريكات فاعلات في العملية السياسية، وهو أمر له تأثير نفسي واجتماعي على الأجيال الشابة والناشطات في المجتمع المدني. إذ إن إشراك الكفاءات النسائية في مواقع صنع القرار يعزز من مفهوم المواطنة المتساوية، ويدعم جهود تمكين المرأة في مجالات شتى كالتعليم والإدارة والعمل والسياسي. وعلى الصعيد الدولي، كان هذا الامر محط اهتمام. ولاقت هذه التعيينات ترحيباً من بعثات دبلوماسية أجنبية ومؤسسات دولية كهيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي وصفتها بأنها ”خطوة مهمة نحو تعزيز مشاركة المرأة اليمنية في مواقع صنع القرار، وإن تمكين النساء في المناصب القيادية ليس تمثيلاً رمزياً، بل استثماراً في كفاءات وطنية قادرة على الإسهام الفاعل في مسار التنمية والإصلاح المؤسسي“8.

نظرة تفاؤل مستقبلية

بالنظر لتجارب بلدان عدة مثل رواند وليبيريا وجمهورية الكونغو، ساهم تمكين النساء في مواقع القيادة، بعد فترات العنف والصراع الداخلي، في تعزيز مسارات السلام المستدام بشكل فاعل واستراتيجي، وتسريع وتيرة التنمية، ودعم إصلاح المؤسسات على أسس أكثر كفاءة وشفافية9. وبالنسبة لليمن، سيععزز مشاركة النساء في صنع القرار سيعزز من بناء السلام والتعافي المجتمعي، وبالتالي ترسيخ صورة إيجابية لليمن أمام العالم، كبلد يسعى للانخراط بجدية لإعادة بناء الدولة والتعافي المؤسسي، على أسس تراعي مشاركة المرأة الكاملة في جهود ما بعد النزاع، بعد عقد من الحرب الاهلية.

مستقبلاً، سيُقاس نجاح هذه الخطوة بمدى قدرة الوزيرات الثلاث على التأثير الفعلي في السياسات العامة، خصوصاً في ملفات كالتنمية، والعدالة، وإعادة الإعمار. وإذا ترافق ذلك مع إصلاحات تشريعية تعزز الكوتا النسائية، ودعم للأحزاب لتبني قيادات نسوية، فقد نشهد خلال الأعوام القادمة توسعاً في تمثيل المرأة داخل البرلمان والسلطات المحلية.

لكن، من المهم الإشارة إلى أن الانتقال من حالة الانتهاكات والإقصاء للنساء في اليمن إلى مرحلة التمكين وصنع القرار، قد تتطلب إصلاحات تشريعية تضمن المساواة، وتبني سياسات عامة تراعي النوع الاجتماعي، وبرامج تدريب وتأهيل لتعزيز قدرات النساء في القيادة والحكم، إضافة إلى تغيير ثقافي تدريجي يعيد تعريف أدوار المرأة كشريك رئيس في بناء المستقبل.

أخيراً، يمكن لعملية توسيع أدوار المرأة القيادية في اليمن، أن تتحول إلى مسار مؤسسي دائم في المستقبل، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم المجتمعي. حينها لن يكون وجود المرأة في الحكومة حدثاً استثنائياً، بل جزءاً طبيعياً من معادلة الحكم في اليمن الجديد الذي ينشده الجميع.


الهوامش

1.       UNDP. (2022). Gender Equality: Challenges in Yemen. URL: https://www.undp.org/yemen/our-focus/gender-equality 

2.       UNFPA. (2023). Humanitarian Response in Yemen. https://yemen.unfpa.org/sites/default/files/pub-pdf/2023_unfpa_yemen_humanitarian_response_brochure_-_english_.pdf  

3.       UNDP. ibid.

4.       ESCWA. (2023). ESCWA Country Study: Development challenges in Yemen. Retrieved from: https://www.unescwa.org/sites/default/files/pubs/pdf/case-study-development-challenges-yemen-english_1.pdf

 

5.       هند الارياني، "ثورة النساء" في اليمن، مجلة (المجلة)، 25 يونيو 2025. رابط: اضغط هنا

6.       المصدر نفسه.

7.       فارس الجلال، توسع "ثورة النسوان" من عدن إلى لحج وأبين، العربي الجديد. 16 مايو 2025. الرابط: جريدة العربي الجديد

8.      هيئة الأمم المتحدة للمرأة اليمن، بيان ترحيب بالحكومة الجديدة، 16 فبراير 2026.https://www.facebook.com/share/p/17sNp5ZQiC

 

9.       Edmond M. Charley. (2025). Gender and the Role of Women in Peacebuilding: A Case Study of Select African Nations. International Journal for Peace and Public Leadership.URL:  https://doi.org/10.63470/AYVP1959

احدث المنشورات
Mar 11, 2026
أفخاخ شديدة الانتظام: عن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في ليبيا - غدي كفالة
Mar 11, 2026
هل قبلت نساء سورية أن تكون في الصفوف الخلفية - شيرين سعيد