الحق في المياه في سوريا والمسألة الزراعية
مقدمة
يشكّل الحق في المياه مدخلاً أساسياً لفهم المسألة الزراعية في سوريا، لا باعتباره حقاً قانونياً مجرداً، بل بوصفه علاقة اجتماعية وسياسية تشكّلت تاريخياً داخل تفاعل معقّد بين المجتمع الزراعي، والسلطة، والموارد المائية. فالمياه في السياق السوري لم تكن عنصراً تقنياً محايداً، بل عاملاً ديناميكياً أسهم في تنظيم أنماط الملكية الزراعية، وإعادة إنتاج التفاوتات داخل الريف، وتشكيل وعي الفلاحين بحقوقهم وحدودها.
تاريخياً، ارتبط تنظيم الوصول إلى المياه وتوزيعها بتحولات السلطة، من الأعراف المحلية التي نظمت استخدام الينابيع وشبكات الري، إلى تدخل الدولة المركزية عبر قوانين الإصلاح الزراعي وسياسات الري واسعة النطاق. غير أن هذه التحولات لم تؤدِ بالضرورة إلى عدالة مائية، بل أفضت في كثير من الأحيان إلى انحيازات لصالح الملاك الكبار، وتعزيز السيطرة السياسية على الموارد المائية باعتبارها أداة لإدارة الريف وضبطه.
ومع تفاقم آثار التغير المناخي، وتدهور الإدارة المائية، وتفكك مؤسسات الدولة خلال سنوات النزاع، بات الحق في المياه في سوريا أكثر هشاشة. فقد رافق الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية ندرة المياه، وتدمير البنية التحتية، وتعدد قوى الأمر الواقع، واستخدام المياه كوسيلة ضغط وصراع. في هذا الإطار، يدرس هذا البحث الحق في المياه بوصفه عنصراً مركزياً في تحليل المسألة الزراعية السورية، ويكشف العلاقة البنيوية بين السلطة، والموارد، واستقرار المجتمع الزراعي.
احدث المنشورات
2025 - راصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، الحق في المياه وتغيّر المناخ