الحق في المياه في الأردن من منظور حقوق الإنسان
مقدمة
الماءُ أساسُ الحياةِ وركيزةُ الوجودِ البشريِّ؛ فهو ليس مجردَ موردٍ طبيعيٍّ يُدارُ من منظورٍ اقتصاديٍّ أو هندسيٍّ فحسبُ، بل هو عنصرٌ أساسيٌّ في ضمانِ حقوقِ الإنسانِ والكرامةِ الإنسانيةِ.
فقد أكدتِ الأممُ المتحدةُ منذ مطلعِ الألفيةِ الجديدةِ أنّ الحقَّ في المياهِ يتجاوزُ كونهُ حاجةً بيولوجيةً، ليصبحَ حقًّا قانونيًّا وحقوقيًّا يجبُ على الدولِ احترامُه وحمايتهِ وإعمالُه.
وقد جاءَ التعليقُ العامُّ رقم 15 للجنةِ الحقوقِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ سنة 2002 ليضعَ إطارًا مفاهيميًّا واضحًا يعتبرُ الحصولَ على المياهِ الكافيةِ والآمنةِ والمقبولةِ شرطًا للتمتُّعِ بحقوقٍ أخرى كالصحةِ والغذاءِ والسكنِ اللائقِ (UN CESCR 2002).
يمثّلُ الأردنُ حالةً خاصةً في هذا السياقِ، إذ يُصنَّفُ ضمنَ أفقرِ خمسِ دولٍ في العالمِ مائيًّا. وتشيرُ الإحصاءاتُ الرسميةُ إلى أنَّ حصةَ الفردِ السنويةَ لا تتجاوزُ 100 مترٍ مكعَّبٍ، بينما خطُّ الفقرِ المائيِّ العالميِّ المحدّدُ من الأممِ المتحدةِ يبلغُ 500 مترٍ مكعَّبٍ للفردِ سنويًّا (وزارة المياه والري 2023).
هذا الواقعُ القاسي ترافقَ مع ضغوطٍ متصاعدةٍ ناجمةٍ عن النموِّ السكانيِّ السريعِ، واستضافةِ أعدادٍ كبيرةٍ من اللاجئينَ، فضلًا عن تغيّرِ المناخِ الذي أدّى إلى تناقُصِ معدّلاتِ الهطولِ المطريِّ، وزيادةِ فتراتِ الجفافِ، وارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ (World Bank 2022).
يواجهُ العالمُ أزمةً متفاقمةً في ندرةِ المياهِ نتيجةً لتأثيراتِ التغيّرِ المناخيِّ والزيادةِ السكانيةِ المستمرةِ، وتشيرُ التقديراتُ إلى أن الطلبَ العالميَّ على المياهِ سيرتفعُ بما يتراوحُ بين 20% و30% بحلول عام 2050.
هذا الارتفاعُ سيؤدّي إلى تراجعِ حصةِ الفردِ من المواردِ المائيةِ المتجددةِ، ما سيعمّقُ الفجوةَ بينَ العرضِ والطلبِ على المستوى الدوليِّ، ويضعُ أمنَ المياهِ واستدامتَها أمامَ تحدياتٍ غيرِ مسبوقةٍ (منتدى الاستراتيجيات الأردني 2025).
نتيجةً لهذه العوامل كلّها، أصبحَ شحُّ المياهِ في الأردنِّ أزمةً هيكليةً متعددةَ الأبعادِ، تمتدُّ من الجانبِ البيئيِّ إلى الاجتماعيِّ والسياسيِّ والحقوقيِّ.
لقد سعتِ الحكوماتُ الأردنيةُ المتعاقبةُ إلى التعاملِ مع هذه الأزمةِ عبرَ مشروعاتٍ كبرى مثلَ مشروعِ ناقلِ الديسي الذي بدأ تشغيلُه عام 2013 لتزويدِ العاصمةِ عمّانَ بالمياهِ، ومشروعِ الناقلِ الوطنيِّ لتحليةِ مياهِ العقبةِ وضخّها إلى مختلفِ مناطقِ المملكةِ، إضافةً إلى خططٍ مستقبليةٍ لتعزيزِ تحليةِ المياهِ باستخدامِ الطاقةِ المتجددةِ (منى هندية 2024).
غيرَ أن هذه المشاريعَ، على أهميّتِها، لم تُعالجْ جذورَ الأزمةِ، إذ ظلّتِ التحدياتُ البنيويةُ المتمثلةُ في ضعفِ الحوكمةِ، وغيابِ العدالةِ في التوزيعِ، وتزايدُ الخصخصةِ، تؤثّرُ سلبًا في إعمالِ الحقِّ في المياهِ. من منظورٍ سياسيّ–اجتماعيٍّ، لا يمكنُ فهمُ أزمةِ المياهِ في الأردنِّ بمعزلٍ عن البنيةِ السياسيةِ وتوازناتِ القوةِ.
فقد أشارتْ دراسةٌ صادرةٌ عن كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics 2023) إلى أن إدارةَ المياهِ في الأردنِّ لا تخضعُ فقط لمعادلاتِ العرضِ والطلبِ أو الاعتباراتِ البيئيةِ، بل تتأثرُ أيضًا بحساباتِ الاستقرارِ الاجتماعيِّ، والنفوذِ العشائريِّ، وضغوطِ المانحينَ الدوليينَ.
فالمياهُ تُدارُ أحيانًا كأداةٍ سياسيةٍ أكثرَ من كونها حقًّا إنسانيًّا يجبُ ضمانُه على أسسِ العدالةِ والمساواةِ. إلى جانبِ ذلك، يُضفي الخطابُ الدينيُّ والقيميُّ بُعدًا أخلاقيًّا وروحيًّا على قضيةِ المياهِ في الأردنِّ.
فالقرآنُ الكريمُ يؤكّدُ في أكثر من موضعٍ أنَّ الماءَ أصلُ الحياةِ: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ" (الأنبياء: 30).
كما وردَ في الحديثِ الشريفِ: "المسلمونَ شركاءٌ في ثلاثٍ: الماءِ والكلأِ والنارِ". هذه النصوصُ تؤكّدُ على الطابعِ المشتركِ والعامِّ للمياهِ، وتضعُ أساسًا لمبدأِ العدالةِ والتشاركيةِ في توزيعِها (الهياجنة 2025).
على ضوءِ ما سبقَ، يأتي هذا التَّقريرُ ليسلّطَ الضوءَ على واقعِ الحقِّ في المياهِ في الأردنِّ من منظور حقوقِ الإنسانِ، مستندًا إلى ثلاثةِ محاورٍ رئيسيةٍ:
المحورُ الأوّلُ: الإطارُ المفاهيميُّ والقانونيُّ، الذي يوضّحُ جذورَ هذا الحقِّ في القانونِ الدوليِّ لحقوقِ الإنسانِ وفي التشريعاتِ الوطنيةِ الأردنيةِ.
المحورُ الثاني: التحدياتُ البنيويةُ والفجواتُ القائمةُ، بما في ذلك الندرةُ الطبيعيةُ، وضعفُ الحوكمةِ، والتفاوتُ الجغرافيُّ والاجتماعيُّ، وأثرُ الخصخصةِ والعاداتِ العشائريةِ.
المحورُ الثالث: البدائلُ والتوصياتُ، التي تستندُ إلى تجاربَ دوليةٍ وإقليميةٍ، وتضعُ خارطةَ طريقٍ لتعزيزِ العدالةِ المائيةِ في الأردنِّ عبرَ إصلاحِ السياساتِ، وتكريسِ الحقِّ في المياهِ دستوريًّا، وتعزيزِ التعاونِ الدوليِّ. ولا يكتفي هذا التَّقريرُ بتوصيفِ الواقعِ، بل يسعى إلى تقديمِ تحليلٍ نقديٍّ معمّقٍ، يستفيدُ من المراجعِ الوطنيةِ والدوليةِ، ومن أوراقِ السياساتِ والدراساتِ الأكاديميةِ الحديثةِ. كما يدمجُ الأبعادَ البيئيةَ والاجتماعيةَ والقانونيةَ والدينيةَ ضمنَ رؤيةٍ متكاملةٍ، ليكونَ مرجعًا عمليًّا للباحثينَ وصُنّاعِ القرارِ، وللمجتمعِ المدنيِّ المطالبِ بالعدالةِ المائيةِ.
احدث المنشورات