Jul 27, 2026
تسليح المياه في سوريا: الصراع والسيادة والأمن المائي - صفوان داؤد
صفوان داوود
باحث

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات

تسليح المياه في المسألة السورية

صفوان داؤد


لطالما نُظر إلى الحرب في سوريا بوصفها صراعًا على الأرض والشرعية، وعلى تثبيت أركان سلطة أو عقيدة، لكنها أثبتت خلال العقد الماضي أنها صراع على مقومات الحياة نفسها.

والمياه، باعتبارها أحد أركان بناء الدولة في سوريا منذ تأسيسها، لم تعد مجرد مورد طبيعي أو حق إنساني بديهي، بل أصبحت واحدة من أخطر أدوات السلطة تأثيرًا في فرض شرعيتها داخليًا، والحفاظ على سيادتها أو فقدانها إقليميًا.

وفي إقليم يعاني من تبعات الجفاف وتغيّر المناخ، لم يعد الحق في المياه منفصلًا عن الأمن والاستقرار، بل أصبح إحدى الآليات المستجدة التي يُعاد من خلالها رسم علاقات القوة وحدود الهيمنة.

«المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي أو حق إنساني بديهي، بل أصبحت واحدة من أخطر أدوات السلطة في فرض الشرعية وإعادة رسم علاقات القوة وحدود الهيمنة.»

عادة ما ولّدت الموارد المائية، من حيث حجمها وسوء إدارتها وضعف حوكمتها، ضغوطًا هائلة على المجتمعات المحلية. ومع تعقّد المسألة السورية، تطوّر استخدام المياه من مورد للنمو إلى أداة للصراع وشكل من أشكال التسليح المستجدة.

وبالفعل، أعادت الحرب خلال العقد الماضي تشكيل العلاقة بين السلطة والمياه. كما ساهمت مصالح الدول المجاورة، إلى جانب غياب العقل المؤسساتي للدولة، في إنتاج سلسلة متراكبة من آليات الهيمنة على الموارد المائية وانتهاك السيادة.

ويمكن تقسيم أشكال تسليح المياه في المسألة السورية، مع أخذ سياقها التاريخي في الاعتبار، إلى محورين أساسيين: محور داخلي يتعلق بعلاقة السلطة بالمجتمع، ومحور إقليمي يتعلق بالمياه العابرة للحدود.

استخدام المياه سلاحًا في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع

اتسمت سنوات الصراع المستمرة منذ عام 2011 بالفوضى وانهيار المؤسسات، من دون أن تقدم السلطات المتعاقبة أفقًا للحلول أو تصوغ رؤية تأخذ في الاعتبار تزايد قيمة المياه وأهمية حوكمتها.

ويصعب حاليًا تحديد جهة معتمدة تعمل وفق نظام مؤسساتي عصري يتمتع بمرجعية واضحة وبحد أدنى من الشفافية والمساءلة داخل سوريا.

وثمة انزياح واضح داخل البنية البيروقراطية من الاستناد إلى القانون والرقابة وتراكم الخبرات، إلى الولاء وضمان السيطرة ونشر العقيدة. وينذر هذا الانزياح بمخاطر كبيرة على الاقتصاد السياسي والاستقرار المجتمعي، ويعزز بصورة مباشرة استخدام الموارد المائية والبنى التحتية الكبرى وسيلةً للهيمنة.

وأظهرت تقارير عدة كيف جرى تسخير المياه، بوصفها موردًا أساسيًا في الاقتصاد الزراعي، في عمليات تهجير ناعمة للسكان المحليين على خلفية الهوية.

ويتخذ تسليح المياه بُعدًا أكثر تعقيدًا مع تطور أنماط بدائية وعنيفة لتنظيم العلاقة المائية بين السلطة والمجتمع، حيث تتحكم جهات فاعلة متطرفة في الموارد، وتستخدمها أداةً للهيمنة على السكان المحليين، مثل قطع قنوات الري في بعض مناطق الساحل السوري أو التحكم بمياه الشرب وكمياتها.

الاستيلاء على المؤسسات والموارد المائية

أظهرت دراسة المسألة الزراعية في سوريا، التي قُدمت ضمن تقرير المرصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، أن التحليل التاريخي لسياسات البنية التحتية يوضح كيف يشكّل الاقتصاد السياسي لاستخراج الموارد، بما فيها المياه، قدرة الجهات الفاعلة من دون الدولة على الظهور وفرض الشرعية وممارسة الهيمنة.

وبعد سقوط النظام السوري، عملت هذه الجهات بسرعة على طرد نخب بيروقراطية من المؤسسات المسؤولة عن إدارة المياه والزراعة والبيئة على أساس الهوية، والاستيلاء إداريًا على السدود والموارد المائية.

وبذلك، استولت هذه الجهات على إحدى الوظائف الحاسمة للحكومة المركزية، وهي تقديم الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه، إلى المجتمعات الزراعية. وتزامن ذلك مع تعطيل مجلس الشعب والنقابات وغيرها من الأطر التمثيلية.

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار شكل التعاون بين الجهات الحكومية والجهات الفاعلة من دون الدولة المتحكمة بالمياه شكلًا من أشكال التسليح، يُستخدم لممارسة الهيمنة على المجتمعات المحلية وفرض الشرعية.

كما يمكن اعتبار هذه الممارسات ذات طابع فاشي، لأنها تنطوي على استخدام العنف لدفع مجتمعات زراعية إلى الهجرة والنزوح بناءً على هويتها، أو لفرض سياسات زراعية نيوليبرالية لا تراعي مصالح هذه المجتمعات.

وفي ظل الغياب التام لوسائل تنظيم المجتمعات الريفية ضمن مجالس تمثيلية، فإن منع تحول هذه الممارسات إلى نهج مستدام لطرد المزارعين يتطلب إرادة دولية لصياغة مبادئ قانونية ملزمة لحماية البنى التحتية المائية والمجتمعات التي تعتمد عليها.

المياه العابرة للحدود

يشكّل الحفاظ على الأمن المائي في حوضي نهر الفرات في الشمال السوري ونهر اليرموك في الجنوب قضية شديدة الحساسية، ولا سيما أن سلسلة طويلة من الانتهاكات طالت هذين الحوضين ولا تزال مستمرة.

وينص القانون الدولي على عدم احتكار الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من جانب دولة واحدة، ما لم يوجد اتفاق بين دول الحوض النهري المعني. كما يقر بحق الدول المشاطئة في استخدام المياه، بشرط ألا يتسبب هذا الاستخدام في ضرر للدول الأخرى الواقعة على النهر نفسه.

وقد ثُبتت هذه المبادئ في عدد من القرارات والاتفاقيات الدولية، من بينها قواعد هلسنكي لعام 1966، وأعمال لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، واتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997.

حوض الفرات: بين خفض التدفق والفيضانات

مثّل الصراع السوري مسرحًا لاستخدام المياه سلاحًا لفرض الإرادة الخارجية، وشهد حوض الفرات استخدام أطراف مدعومة من الخارج للمياه ضد خصومها في مناسبات متعددة.

كما أدت الفوضى العامة في شرق سوريا إلى توسيع قدرة تركيا على التحكم بتدفقات مياه نهر الفرات، بعيدًا عن الالتزام الفعلي بالقواعد الدولية المتعلقة بالأنهار المشتركة.

وفي شباط/فبراير 2023، خفضت أنقرة معدل التدفق المائي في نهر الفرات إلى أقل من 400 متر مكعب في الثانية. وفي اتجاه معاكس، رُفع المعدل في أيار/مايو 2026 إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية.

وأدى هذا الارتفاع المفاجئ، مع غياب الكوادر المحلية المتخصصة في إدارة المياه، إلى فيضانات وخسائر كبيرة في حوض الفرات الأوسط، ما يكشف أن التحكم بالتدفق يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سواء عبر تقليص المياه أو إطلاق كميات كبيرة بصورة مفاجئة.

حوض اليرموك والسيطرة الإسرائيلية على مياه الجنوب

في الجنوب السوري، سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي جغرافيًا على أجزاء من أعالي حوض اليرموك، وأقامت حتى منتصف عام 2026 تسع نقاط عسكرية ثابتة.

ونفذت القوات الإسرائيلية، عقب سقوط النظام السوري السابق، توغلات متواصلة وسيطرت على بنى تحتية مائية في مناطق متفرقة من محافظتي القنيطرة ودرعا.

وشملت المواقع المتأثرة سد «الوحدة» على نهر اليرموك، الذي يغذي محافظة درعا بجزء من احتياجاتها، وسد «المنطرة» في محافظة القنيطرة، إضافة إلى سدود «كودنة» و«رويحينة» و«البستان».

ونتيجة لذلك، فقدت دمشق السيطرة على جزء كبير من مخزونها المائي في الجنوب السوري، في حين لا تغطي الموارد المتبقية، مثل سد الأشعري وبحيرة المزيريب وبعض الآبار المتفرقة، سوى نسبة محدودة من الاحتياجات الفعلية.

سد المنطرة وأثر السيطرة على المجتمعات الزراعية

يُعد سد «المنطرة»، الواقع على مجرى وادي الرقاد ضمن حوض اليرموك، منشأة حيوية للمجتمعات الريفية المحلية والاقتصاد الزراعي في المنطقة.

ويغذي السد مناطق أم باطنة وأم العظام والصمدانية الغربية في القنيطرة، إلى جانب أجزاء واسعة من ريف درعا الغربي.

وتُقدر طاقته التخزينية بنحو 225 مليون متر مكعب من المياه، فيما يسهم في ري مساحة تزيد على 21 ألف هكتار.

ومع سيطرة القوات الإسرائيلية على أعالي سفوح جبل حرمون السورية، أصبح المستقبل المائي لمحافظات درعا والسويداء والقنيطرة وريف دمشق أكثر ارتباطًا بالقرار الإسرائيلي.

ويقع الأثر المباشر على عشرات آلاف المزارعين الذين تعتمد أراضيهم على هذه السدود، وعلى سكان قرى أصبح وصولهم إلى أراضيهم ومزارعهم عرضةً لقيود الاحتلال وموافقاته.

وكما هو الحال في الجنوب اللبناني والأراضي الفلسطينية المحتلة، تعتمد إسرائيل في الجنوب السوري على التحكم بالمقومات البيئية والمائية بوصفه شكلًا من أشكال العنف المائي الذي يضعف المجتمعات المحلية ويدفعها إلى الهجرة أو الخضوع.

استراتيجية تاريخية للسيطرة على المياه

لا يمكن فهم الأطماع الإسرائيلية في حوض الرقاد بعيدًا عن سياق تاريخي أوسع يكشف وجود استراتيجية استعمارية للسيطرة على مصادر المياه في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا.

ومنذ احتلال الجولان عام 1967، انتهجت إسرائيل سياسات لاستغلال المياه الجوفية والسطحية، وحرمت المجتمعات المحلية من الاستفادة العادلة من نهر الأردن وبحيرة طبريا وبحيرة رام ومصادر أخرى.

كما أنشأت تجمعات مائية وسدودًا وآبارًا جوفية لتغذية المستوطنات، وأقامت سدودًا لتحويل بعض روافد وادي الرقاد ومنع وصول المياه إلى المناطق الزراعية في ريف القنيطرة.

وتضع هذه السياسات سكان الجنوب السوري تحت ضغط متزايد للهجرة من أراضيهم نتيجة فقدان مصادر المياه والحق في استخدامها، كما تقوض فرص السلام والاستقرار وتحوّل المياه إلى أداة لإعادة تشكيل علاقات الهيمنة في شرق المتوسط.

ومع تأثيرات تغيّر المناخ وتكرار سنوات الجفاف، قد تقود هذه الأوضاع خلال العقد المقبل إلى موجات نزوح تدريجية من الجنوب السوري، وتزيد خطر فقدان الأمن المائي والتأثير في القرارات السيادية للبلاد.

من المياه أداة للصراع إلى وسيلة للحوار

رغم هذه التحديات، لا يمكن تصور مستقبل مستقر للمنطقة من دون الوصول إلى حلول وتفاهمات مبنية على الاستقرار والنمو الاقتصادي والتعاون العابر للحدود.

تعتمد سوريا بصورة كبيرة على الأحواض المائية المشتركة والأنهار العابرة للحدود، مثل الفرات والخابور والعاصي واليرموك، التي تنبع من الدول المجاورة أو تمر عبر أراضيها.

لذلك، من الضروري الانخراط في جهود دبلوماسية مع تركيا ولبنان والعراق والأردن لضمان حقوق عادلة في تقاسم المياه ضمن اتفاقيات ملزمة.

كما يتطلب الأمر إنشاء آليات مشتركة لمراقبة تدفق المياه وجودتها، والتعامل مع الموارد المائية بوصفها وسيلة للحوار والتعاون، لا أداة للصراع والضغط السياسي.

ويمكن البناء على بعض التجارب التعاونية القائمة، ومنها التنسيق الأردني السوري حول مياه نهر اليرموك، لتثبيت العدالة المائية وتعزيز حوكمة الموارد بما يخدم صمود المجتمعات وبناء السلام.

المراجع

لمياء إبراهيم، «مسلسل التهجير القسري يتمدّد: قرى سهل الغاب تنطفئ بصمت»، جريدة الأخبار، 20 آب/أغسطس 2025.
Marwa Daoudy, “Water Weaponization in the Syrian Conflict: Strategies of Domination and Cooperation,” International Affairs, Vol. 96, No. 5, 2020.
Safwan Dawod, “The Right to Water and the Agricultural Matter in Syria,” Arab Watch Report on Economic and Social Rights 2025, ANND, Beirut, 2026.
Geneva Water Hub, “The Geneva List of Principles for the Protection of Water Infrastructure During and After Armed Conflicts,” 13 December 2018.
مركز معلومات روج آفا، بيانات حول تدفق مياه نهر الفرات.
«من صراع الندرة إلى إدارة الفائض»، مؤسسة الرافدين الإخبارية، 27 حزيران/يونيو 2026.
تقارير موقع درعا 24 وصحيفتي عنب بلدي ويديعوت أحرونوت حول السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ ومصادر مائية في الجنوب السوري.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Jul 27, 2026
التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Jul 22, 2026
بيان صحفي | إعادة بناء العدالة المائية في لبنان