زياد عبد الصمد
إصلاح الأمم المتحدة: ما هو أبعد من إصلاح المؤسسات
نحو حوكمة عالمية أكثر عدالة في زمن التحولات الكبرى
ليست أزمة الأمم المتحدة أزمة مؤسسات فحسب، بل انعكاس لأزمة أعمق في منظومة الحوكمة العالمية، حيث لن يكون إصلاح المؤسسات كافياً ما لم يترافق مع إصلاح قواعد توزيع السلطة والثروة وصنع القرار على المستوى الدولي.
من تقييم أهداف التنمية إلى مستقبل النظام متعدد الأطراف
شكّل المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF) لعام 2026 مناسبة لتقييم التقدم في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، لكنه تحول أيضاً إلى منصة للنقاش حول مستقبل النظام متعدد الأطراف في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وأزمات متشابكة. فقد أظهرت المناقشات، سواء في الجلسات الرسمية أو في الفعاليات التي نظمها المجتمع المدني، إدراكاً متزايداً بأن الأمم المتحدة لم تعد تواجه أزمة أداء أو تنسيق فحسب، بل أزمة أعمق تتعلق بقدرتها على الاستجابة لتحولات النظام الدولي، والدفاع عن مبادئ ميثاقها، وتحقيق التوازن بين السلم والتنمية وحقوق الإنسان.
وقد تركزت معظم المقترحات على إصلاح البنية المؤسسية للمنظمة، ولا سيما إصلاح مجلس الأمن، وتعزيز دور الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتحسين التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة، وتطوير آليات عملها. ولا شك أن هذه الإصلاحات أصبحت ضرورية لتعزيز شرعية المنظمة وفعاليتها، إلا أنها ليست كافية. فالأزمة لا تكمن في المؤسسات وحدها، بل في طبيعة النظام الدولي الذي تعمل في إطاره، وفي اختلال موازين القوة التي تحدد أولويات العمل الدولي وآليات اتخاذ القرار.
تحولات النظام الدولي وتحديات الحوكمة العالمية
لقد دخل العالم مرحلة انتقالية تتراجع فيها قواعد النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تعد هذه التحولات تعكس مجرد انتقال في موازين القوى، بل تعبر عن أزمة أعمق في منظومة الحوكمة العالمية ذاتها. فالتحدي لم يعد يقتصر على إدارة العلاقات بين الدول، بل أصبح يتعلق بقدرة المجتمع الدولي على إدارة القضايا العابرة للحدود والمصالح العامة العالمية، وفي مقدمتها تغير المناخ، والصحة العالمية، وحماية التنوع البيولوجي، إلى جانب وضع أطر عادلة لحوكمة الفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والموارد الاستراتيجية. وهي جميعها قضايا لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوتها، التعامل معها منفردة، بل تتطلب نظامًا متعدد الأطراف أكثر فاعلية وعدالة وشمولًا. ومن هنا، فإن إصلاح الأمم المتحدة ينبغي أن يتجاوز تحديث مؤسساتها إلى تعزيز قدرتها على قيادة العمل الجماعي العالمي، بما يضمن إدارة أكثر إنصافًا لهذه القضايا وتوزيعًا عادلًا للمسؤوليات والمنافع بين الدول.
من الصراع على الجغرافيا إلى الصراع على عناصر القوة
وفي الوقت نفسه، تشهد طبيعة الصراعات تحولات عميقة. فلم تعد الحروب تدور فقط حول الحدود أو النفوذ السياسي، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالتنافس على الموارد الطبيعية، ومصادر الطاقة، والمعادن الاستراتيجية والنادرة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والبيانات، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي. وتعكس المنافسة المتصاعدة على الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، كما على أشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية، انتقالاً تدريجياً من الصراع على الجغرافيا إلى الصراع على عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي ستحدد موازين النفوذ في المستقبل.
ويفرض هذا الواقع تحديات جديدة على منظومة الحوكمة العالمية، ليس فقط لضمان إدارة عادلة ومستدامة لهذه الموارد والتكنولوجيات، بل أيضاً لضمان أن يكون الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر انتقالاً عادلاً، لا يعيد إنتاج أنماط جديدة من الاستغلال أو الاحتكار أو التبعية، بل يحقق توزيعاً أكثر إنصافاً للمنافع والأعباء بين الدول والشعوب.
وفي ضوء هذه التحولات، تبرز أمام الأمم المتحدة مسؤوليات جديدة تتجاوز إدارة النزاعات التقليدية، لتشمل وضع قواعد دولية عادلة لإدارة الموارد العالمية، وضمان الانتقال العادل نحو الاقتصاد المستدام، ومنع احتكار التكنولوجيا، وحماية الحقوق الرقمية، والتصدي للأشكال الجديدة من الهيمنة الاقتصادية. فبدون حوكمة دولية لهذه المجالات، قد تتحول التحولات التكنولوجية والبيئية إلى مصدر جديد لعدم المساواة والصراعات.
بين خطاب التنمية وأولوية الإنفاق العسكري
وفي موازاة ذلك، يكشف الواقع عن تناقض كبير بين الخطاب الدولي حول التنمية المستدامة وبين السياسات الفعلية للدول. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومات التزامها بالقضاء على الفقر، والحد من اللامساواة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، يسجل الإنفاق العسكري العالمي مستويات قياسية، فيما تتراجع المساعدات الإنمائية، وتتسع فجوة تمويل التنمية، وتزداد أعباء الديون على الدول النامية. ويؤدي ذلك إلى تقلص الحيز المالي المتاح للاستثمار في التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والعمل اللائق، والتحول البيئي، وهي جميعها ركائز أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إعادة الاعتبار للأمن الإنساني
إن هذا التناقض يعكس استمرار هيمنة مفهوم الأمن القومي بمعناه العسكري، على حساب مفهوم الأمن الإنساني الذي يضع الإنسان وحقوقه وكرامته في صلب السياسات العامة. وقد أثبتت التجارب المتلاحقة، من جائحة كوفيد-19 إلى الأزمات المناخية والاقتصادية والنزاعات المسلحة، أن أكبر التهديدات التي تواجه المجتمعات لا تتمثل فقط في الحروب، بل أيضاً في الفقر، والبطالة، واللامساواة، وانعدام الأمن الغذائي، وتدهور الخدمات العامة، والتغير المناخي، والنزوح القسري، وانتهاكات حقوق الإنسان.
ومن هنا، ينبغي أن ينطلق أي إصلاح لمنظومة الأمم المتحدة من إعادة الاعتبار للأمن الإنساني بوصفه الإطار الجامع لعمل المنظمة. فالسلم لا ينفصل عن التنمية، والتنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل انتهاك الحقوق، كما أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تزدهر في مجتمعات تعاني من الفقر والإقصاء والصراعات. إن التكامل بين هذه الأبعاد الثلاثة يمثل جوهر رسالة الأمم المتحدة، ويجب أن يشكل الأساس لأي إصلاح مستقبلي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز الترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، بحيث لا تبقى المساعدات الإنسانية مجرد استجابة طارئة للأزمات، بل تتحول إلى مدخل لمعالجة أسبابها البنيوية، من خلال بناء المؤسسات، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة الديمقراطية. فإدارة الأزمات لم تعد كافية؛ المطلوب هو الاستثمار في الوقاية منها، وفي بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.
إصلاح الحوكمة الاقتصادية العالمية
ولا يمكن فصل إصلاح الأمم المتحدة عن إصلاح منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية. فقد أكدت مناقشات مؤتمر تمويل التنمية أن النظام المالي الدولي، بصيغته الحالية، لم يعد قادراً على توفير الموارد اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. فاستمرار أزمة الديون، واختلال النظام الضريبي الدولي، والتدفقات المالية غير المشروعة، وهيمنة عدد محدود من الدول على مؤسسات التمويل الدولية، كلها تحد من قدرة البلدان النامية على الاستثمار في التنمية، وتدفعها نحو سياسات تقشفية تقوض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن إصلاح الحوكمة العالمية لا يمكن أن يقتصر على إدخال تحسينات تقنية أو مؤسسية، أو أن يقوم على افتراض أن القوى الأكثر نفوذاً ستتبنى طوعاً سياسات أكثر عدالة استناداً إلى المصلحة المشتركة أو الاعتبارات الأخلاقية وحدها. فقد أظهرت التجربة التاريخية أن التحولات الكبرى في النظام الدولي كانت ثمرة تغيرات في موازين القوى، وضغوط سياسية واجتماعية متواصلة، ونضالات قادتها الشعوب وحركات التحرر والمجتمع المدني. ومن ثم، فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب معالجة الاختلالات البنيوية في توزيع السلطة والثروة والقدرة على صنع القرار على المستوى الدولي، بما يعزز تمثيل الدول النامية ويجعل مؤسسات الحوكمة العالمية أكثر ديمقراطية وشفافية ومساءلة، بدلاً من الاكتفاء بتحديث آلياتها أو تحسين أدائها.
ومن ثم، فإن إصلاح الأمم المتحدة يجب أن يترافق مع إصلاح أكثر شمولاً للهندسة المالية الدولية، بما يضمن معالجة عادلة للديون، وتعزيز العدالة الضريبية، وزيادة التمويل الإنمائي والمناخي، وإصلاح مؤسسات بريتون وودز، وتوسيع مشاركة الدول النامية في صنع القرار الاقتصادي العالمي. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام اقتصادي عالمي يعيد إنتاج التفاوتات نفسها التي يسعى إلى معالجتها.
المنطقة العربية وأزمة النظام متعدد الأطراف
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة للمنطقة العربية. فقد كشفت الحرب على غزة، والاعتداءات المتكررة على لبنان، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب النزاعات الممتدة في سوريا واليمن والسودان وليبيا، عن أزمة عميقة في النظام متعدد الأطراف. فالعجز عن فرض احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واستمرار الإفلات من العقاب، وازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات، كلها عوامل أضعفت الثقة بدور الأمم المتحدة وبقدرتها على حماية السلم والأمن الدوليين.
إن السلام لا يمكن أن يختزل في وقف إطلاق النار أو إدارة الأزمات، بل يتطلب معالجة جذور النزاعات، وإنهاء الاحتلال، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. كما أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء البنية التحتية، بل يجب أن تشمل إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإرساء العدالة، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
دور المجتمع المدني في إعادة بناء الثقة
وفي خضم هذه التحولات، يبرز المجتمع المدني بوصفه شريكاً أساسياً في إعادة بناء الثقة بالنظام متعدد الأطراف. فتعزيز المشاركة الديمقراطية، وتوسيع الحيز المدني، وإشراك منظمات المجتمع المدني في صياغة السياسات الدولية، ليست قضايا إجرائية، بل شروط أساسية لتعزيز شرعية الحوكمة العالمية وضمان مساءلة المؤسسات الدولية.
أهداف التنمية المستدامة رهينة إصلاح قواعد الحوكمة
وأكدت المناقشات التي شهدها المنتدى السياسي رفيع المستوى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لم يعد قضية تقنية تتعلق بالمؤشرات أو آليات المتابعة، بل أصبح رهناً بإرادة سياسية لإصلاح قواعد الحوكمة العالمية بما يعزز التعاون الدولي على أسس التضامن، والعدالة، واحترام القانون الدولي، والمساءلة، والمساواة بين الدول والشعوب.
ولا يعود تعثر تنفيذ أهداف التنمية المستدامة فقط إلى ضعف آليات المتابعة أو محدودية الموارد، بل يعكس تناقضاً بنيوياً بين الأهداف التي يتبناها المجتمع الدولي من جهة، والسياسات الاقتصادية والمالية والأمنية التي تحكم النظام الدولي من جهة أخرى. فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في ظل تصاعد الإنفاق العسكري، وتفاقم أزمة الديون، واتساع فجوات اللامساواة، واستمرار اختلال قواعد التجارة والتمويل العالمي. ومن دون معالجة هذه التناقضات، ستظل أهداف التنمية المستدامة بعيدة المنال، مهما تحسنت آليات المتابعة أو تطورت مؤسسات الأمم المتحدة.
إصلاح يتجاوز المؤسسات
إن إصلاح الأمم المتحدة يظل ضرورة ملحة، لكنه ليس سوى مدخل إلى إصلاح أوسع لمنظومة الحوكمة العالمية. فالأزمة التي يواجهها العالم اليوم ليست أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة في قواعد إدارة الاقتصاد العالمي، وتوزيع السلطة، وحوكمة الموارد المشتركة، وسيادة القانون الدولي. ولذلك، فإن العالم لا يحتاج إلى أمم متحدة أكثر كفاءة فحسب، بل إلى أمم متحدة أكثر استقلالية وجرأة في الدفاع عن مبادئ ميثاقها، وأكثر قدرة على حماية القانون الدولي وحقوق الإنسان، وبناء سلام عادل ومستدام. ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة سياسية تعيد بناء نظام دولي أكثر ديمقراطية وعدالة وتضامنًا، يضع الإنسان وحقوقه وكرامته في صلب السياسات الدولية.