التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية
زياد عبد الصمد
يأتي إصدار العدد الجديد من الراصد الاجتماعي العربي في لحظة دقيقة تمر بها المنطقة العربية، حيث تتقاطع التحولات الجيوسياسية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، لتعيد رسم أولويات التنمية، وأدوار الدولة، والعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.
ومن خلال خمسة عشر تقريرًا وطنيًا ودراسات حالة، يقدّم التقرير قراءة معمقة للتحديات التي تواجه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المنطقة، مؤكدًا أن هذه التحديات لم تعد قطاعية أو تقنية، بل أصبحت تعكس أزمة أعمق في النموذج التنموي وفي الاقتصاد السياسي الذي يحكم إنتاج الثروة وتوزيعها وإدارة الموارد العامة.
فالمنطقة العربية لا تعيش مرحلة من إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية فحسب، بل تشهد أيضًا تحولًا في طبيعة الدولة، وفي العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفي قدرة المؤسسات العامة على الاستجابة لمطالب المواطنين.
ومن هنا، يصبح النقاش حول التنمية والعدالة الاجتماعية جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل العقد الاجتماعي، وبقدرة المجتمعات العربية على مواجهة التحولات الجارية وبناء نموذج تنموي أكثر استدامة وإنصافًا.
«لم يعد السؤال الأساسي هو: كم ننمو؟ بل أصبح: من يستفيد من النمو؟ وكيف توزَّع ثماره؟ ومن يتحمل كلفة الأزمات الاقتصادية؟»
النمو الاقتصادي لا يكفي
لطالما قاست النقاشات التنموية في المنطقة نجاح السياسات بمعدلات النمو الاقتصادي أو بحجم الاستثمارات، غير أن التجارب العربية خلال العقود الماضية أظهرت أن النمو وحده لا يكفي.
فقد حققت بعض الدول معدلات نمو مرتفعة، لكنها لم تنجح في الحد من التفاوتات الاجتماعية أو الجهوية، ولم تؤدِّ إلى تحسين ملموس في توزيع الدخل أو في فرص العمل اللائق أو في جودة الخدمات العامة.
بل إن بعض الاقتصادات شهدت اتساعًا في الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وتراجعًا في أوضاع الطبقات الوسطى، وازديادًا في الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا بسبب محدودية البيانات المتعلقة بتوزيع الثروة والدخل. فعدم المساواة في المنطقة غالبًا ما يكون أعلى مما تعكسه الإحصاءات الرسمية، نتيجة ضعف الإفصاح عن الثروات، والتهرب الضريبي، وتحويل جزء كبير من الأصول إلى ممتلكات عقارية أو مالية يصعب رصدها، إضافة إلى اتساع الاقتصاد غير المنظم والعمل غير المهيكل.
ولذلك، لم يعد السؤال الأساسي هو: كم ننمو؟ بل أصبح: من يستفيد من النمو؟ وكيف توزَّع ثماره؟ ومن يتحمل كلفة الأزمات الاقتصادية؟
الاقتصاد السياسي للتنمية
تقود هذه الأسئلة إلى جوهر النقاش حول الاقتصاد السياسي للتنمية. فالتفاوتات القائمة ليست مجرد نتيجة لاختلالات تقنية أو إدارية، بل هي انعكاس لخيارات سياسية تتعلق بتوزيع الموارد، وأولويات الإنفاق العام، والسياسات الضريبية، وأنماط الاستثمار، ودور الدولة في تنظيم الأسواق وحماية الحقوق.
ولذلك، فإن معالجة اللامساواة لا يمكن أن تقتصر على برامج اجتماعية أو تدخلات قطاعية، بل تتطلب مراجعة أعمق للنموذج الاقتصادي والسياسات العامة التي أنتجت هذه الاختلالات.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فالنزاعات المسلحة المستمرة، وارتفاع مستويات المديونية، وتراجع المساعدات الإنمائية، وتصاعد آثار التغير المناخي، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية، والتطورات المتسارعة في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تعيد صياغة البيئة التي تعمل ضمنها الدول العربية.
وفي كثير من الحالات، لم تعد الحكومات تواجه تحديات تتعلق بالنمو فقط، بل بتوفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، وضمان استمرارية الخدمات العامة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
المديونية وحيز القرار الوطني
أدى ارتفاع الدين العام والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي إلى تقليص الحيز المالي المتاح أمام العديد من الحكومات العربية، وإلى تراجع قدرتها على رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بصورة مستقلة.
كما فرضت برامج الإصلاح المالي في بعض الحالات أولويات تركز على الاستقرار المالي أكثر من تركيزها على الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنية التحتية.
وهكذا، لم تعد المديونية مجرد قضية اقتصادية، بل أصبحت تؤثر مباشرة في سيادة القرار الوطني وفي قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
تحولات دور الدولة
في المقابل، تشهد المنطقة أيضًا تحولًا في دور الدولة نفسها. ففي بعض البلدان أضعفت النزاعات والانهيارات الاقتصادية مؤسسات الدولة إلى حد العجز عن توفير الخدمات الأساسية.
بينما اتجهت دول أخرى إلى تقليص دورها الاجتماعي تحت ضغط الأزمات المالية أو خيارات اقتصادية ليبرالية، ما أدى إلى اتساع الفجوات الاجتماعية وترك شرائح واسعة من السكان خارج شبكات الحماية.
وفي حالات أخرى، أصبح تدخل الدولة أكثر انتقائية وتفاوتًا، بحيث لا يصل أثر السياسات العامة إلى جميع المواطنين بصورة متساوية.
العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار
في هذا السياق، تبرز العدالة الاجتماعية بوصفها شرطًا للاستقرار، وليس مجرد مطلب اجتماعي أو أخلاقي.
فالعدالة الاجتماعية لا تقتصر على إعادة توزيع الدخل، بل تشمل أيضًا العدالة في فرص التعليم والعمل، وفي الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفي المشاركة في صنع القرار، وفي توزيع أعباء الأزمات والتحولات الاقتصادية.
كما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، لأنها جميعًا تشكل الأساس الذي تُبنى عليه الثقة بين الدولة والمجتمع.
الحق في المياه نموذجًا للاقتصاد السياسي للحقوق
يقدم موضوع المياه مثالًا واضحًا على العلاقة بين الاقتصاد السياسي والحقوق. فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي حق أساسي وخدمة عامة ومجال تتقاطع فيه السياسات الاقتصادية والحوكمة والتغير المناخي، وأحيانًا النزاعات الإقليمية.
وتبين التجارب التي يعرضها الراصد الاجتماعي العربي أن أزمة المياه في عدد من البلدان العربية لا ترتبط فقط بندرة الموارد، وإنما أيضًا بضعف الإدارة، واختلال أولويات الاستثمار، وعدم المساواة في الوصول إلى الخدمات، وتأثير الصراعات في البنية التحتية والموارد المشتركة.
ومن هنا، تصبح المياه نموذجًا لفهم كيفية إدارة الحقوق الأساسية في المنطقة، حيث كثيرًا ما تكون أزمة الإدارة والسياسات العامة أكثر تأثيرًا من ندرة الموارد الطبيعية نفسها.
التحول الرقمي واقتصاد المعرفة
في الوقت نفسه، تفرض الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تحديات جديدة على الاقتصادات العربية. فالتحول الرقمي يحمل فرصًا كبيرة لتحسين الإنتاجية والخدمات العامة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى توسيع الفجوات الاجتماعية إذا لم يقترن بسياسات تستثمر في التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتؤهل القوى العاملة لاكتساب المهارات الجديدة.
ولا تزال معظم الدول العربية مستهلكة للتكنولوجيا أكثر منها منتجة لها.
ومن دون سياسات استباقية تعزز الابتكار، وتستثمر في رأس المال البشري، وتضمن النفاذ العادل إلى التكنولوجيا، قد تتحول الثورة الرقمية إلى مصدر جديد لتعميق أوجه اللامساواة بدلًا من أن تكون رافعة للتنمية الشاملة.
وهذا يجعل بناء اقتصاد المعرفة أحد أبرز التحديات التي تواجه المنطقة في السنوات المقبلة.
دور المجتمع المدني
وسط هذه التحولات، يكتسب المجتمع المدني أهمية متزايدة. فلم يعد دوره يقتصر على تقديم الخدمات أو الاستجابة للاحتياجات الطارئة، بل أصبح شريكًا في إنتاج المعرفة، ورصد السياسات العامة، والدفاع عن الحقوق، وبناء التحالفات، والمساهمة في تطوير البدائل التنموية.
غير أن هذا الدور يواجه تحديات متزايدة في ظل تقلص الحيز المدني، وفرض قيود على حرية التنظيم والتعبير، وتراجع فرص المشاركة المجتمعية في صنع القرار.
وهذا يجعل الدفاع عن الفضاء المدني جزءًا أساسيًا من الدفاع عن أسس التنمية الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.
الراصد الاجتماعي العربي: من التوثيق إلى تحليل السياسات
في هذا السياق، لا تقتصر أهمية الراصد الاجتماعي العربي على توثيق أوضاع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المنطقة العربية، بل تكمن في تقديم قراءة تربط هذه الحقوق بالاقتصاد السياسي للتنمية والحوكمة.
وتؤكد خلاصات التقرير أن قضية المياه، على سبيل المثال، لا يمكن اختزالها في بعدها التقني أو الهندسي، ولا في إدارة مورد طبيعي فحسب.
بل هي قضية تتصل بكيفية إدارة الموارد العامة، وأولويات السياسات، وأنماط الاستثمار، وآليات الحوكمة والمساءلة، وبقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في إعمال الحقوق الأساسية.
فالحق في المياه يجسد بوضوح الترابط بين الحقوق والحوكمة والاقتصاد السياسي للتنمية، إذ يكشف أن ضمان هذا الحق لا يتوقف على توافر الموارد الطبيعية بقدر ما يعتمد على خيارات السياسات العامة، وعدالة توزيع الموارد، وكفاءة المؤسسات، وخضوعها للمساءلة.
ومن ثم، فإن العدالة في الوصول إلى الموارد والخدمات ليست مسألة فنية أو إدارية، بل هي في جوهرها قضية سياسية وتنموية تعكس طبيعة العقد الاجتماعي ودور الدولة في حماية الحقوق وتحقيق العدالة الاجتماعية.
نحو نموذج تنموي أكثر إنصافًا واستدامة
إن إعادة بناء نموذج تنموي أكثر إنصافًا واستدامة تقتضي الانتقال من معالجة الأعراض إلى معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد السياسي للتنمية، بما يضع الحقوق والحوكمة الرشيدة والعدالة الاجتماعية في صلب السياسات العامة.
فالعدالة الاجتماعية ليست نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، بل هي ثمرة خيارات سياسية ومؤسساتية تحدد كيفية توزيع الموارد والفرص، وتضمن الشفافية والمساءلة، وتضع حقوق الإنسان في صميم عملية التنمية.
وبذلك، لا يكتفي الراصد الاجتماعي العربي بتشخيص التحديات التي تواجه المنطقة، بل يوجه دعوة واضحة إلى إعادة التفكير في نموذج التنمية السائد، انطلاقًا من مقاربة تضع الحقوق والعدالة الاجتماعية والحوكمة في قلب السياسات العامة.
فهذه العناصر هي الركائز الأساسية لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة وقادرة على الصمود في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.
ومن دون ذلك، ستبقى التنمية في المنطقة العربية عرضة للهشاشة، وستظل الإنجازات الاقتصادية، مهما تحسنت مؤشراتها، عاجزة عن تحقيق الاستقرار والعدالة اللذين يشكلان أساس التنمية المستدامة.