Oct 22, 2026
الإعلام والتنمية: من نقل الأخبار إلى تمكين المواطن وإعادة بناء العقد الاجتماعي - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
زياد عبد الصمد

الإعلام والتنمية: من نقل الأخبار إلى تمكين المواطن وإعادة بناء العقد الاجتماعي

بقلم زياد عبد الصمد

مساهمة في منتدى الإعلام الرابع (FMC IV 2026)، الذي عُقد في عمّان، الأردن، يومي 10 و11 أكتوبر 2026

يناقش زياد عبد الصمد دور الإعلام في تحقيق التنمية المستدامة، مؤكدًا أن مهمته تتجاوز نقل الأخبار وتغطية المشاريع إلى تمكين المواطنين من فهم السياسات العامة والمشاركة في صنع القرار ومساءلة المؤسسات. ويتناول المقال الترابط بين التنمية والحقوق والحوكمة، وأهمية الوصول إلى المعلومات، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على العمل الإعلامي، ودور الإعلام المسؤول في تعزيز المواطنة والتماسك الاجتماعي وإعادة بناء العقد الاجتماعي.

عندما نتحدث عن دور الإعلام في التنمية، غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره وسيلة لنقل الأخبار والمعلومات، أو منصة لإبراز نشاط المؤسسات العامة ومشاريعها وإنجازاتها. لكن هذا الدور، على أهميته، لم يعد كافيًا في عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية، وتتعمق فيه أزمات الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة.

فالإعلام ليس مجرد ناقل لما تفعله المؤسسات، بل هو أحد الفاعلين في العملية التنموية، بما يمتلكه من قدرة على تفسير الواقع، وكشف الاختلالات، وفتح المجال أمام النقاش العام، وتمكين المواطنين من فهم السياسات التي تؤثر في حياتهم والمشاركة في تحديد الأولويات ومساءلة الجهات المسؤولة عن القرارات والنتائج.

ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الإعلام والتنمية تتجاوز مسألة تغطية المشاريع والبرامج إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن للإعلام أن يساهم في بناء مجتمع يتمتع فيه المواطن بحقوقه، ويشارك في صنع القرارات، ويستطيع مساءلة السلطات والمؤسسات عن كيفية إدارة الشأن العام والموارد العامة؟

التنمية أبعد من النمو الاقتصادي

لا يمكن اختزال التنمية في معدلات النمو الاقتصادي أو حجم الاستثمارات والمشاريع المنفذة. فالتنمية المستدامة عملية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ولا يمكن تحقيقها بصورة متوازنة إذا جرى التعامل مع أحد هذه الأبعاد باعتباره ثانويًا.

يتعلق البعد السياسي بطبيعة المؤسسات التي تدير الشأن العام، وبكيفية صنع القرار، ومدى الشفافية والمساءلة، وقدرة المواطنين على المشاركة والتأثير في تحديد السياسات والأولويات. أما البعد الاقتصادي، فلا يقتصر على تحقيق النمو، بل يشمل نوعية هذا النمو، وقدرته على خلق فرص العمل وتحسين الإنتاجية وتوزيع الثروة والفرص بصورة أكثر عدالة.

ويرتبط البعد الاجتماعي بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وإتاحة التعليم والصحة والعمل والسكن والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، والحد من الفوارق بين الفئات والمناطق. في حين يؤكد البعد البيئي ضرورة حماية الموارد الطبيعية والحد من التلوث ومواجهة تغير المناخ، بما يحفظ حق الإنسان في بيئة سليمة وحقوق الأجيال القادمة.

ولا يقل البعد الثقافي أهمية عن هذه الأبعاد، إذ تتطلب التنمية ثقافة مواطنية تقوم على المساواة والإنصاف والمسؤولية والمشاركة واحترام المصلحة العامة. كما تتطلب الاعتراف بالتنوع وقبول الاختلاف ونبذ خطاب الكراهية والإقصاء، خصوصًا في المجتمعات التي تعاني من انقسامات سياسية أو طائفية أو اجتماعية.

من هنا، لا يمكن فصل التنمية عن الحوكمة وسيادة القانون والحقوق والمشاركة. فهذه ليست نتائج يمكن انتظارها بعد تحقيق النمو، بل شروط أساسية لتوجيه التنمية نحو تحسين حياة الناس وضمان استفادتهم من ثمارها.

المواطن شريك في التنمية، لا مجرد مستفيد منها

إن جوهر التنمية يتمثل في الانتقال من النظر إلى المواطن باعتباره متلقيًا للخدمات إلى الاعتراف به بوصفه صاحب حقوق وشريكًا في تحديد السياسات والقرارات التي تؤثر في حياته.

فالمواطن ليس مجرد مستفيد من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، بل هو أيضًا دافع للضرائب، وناخب، ومنتج، وعضو في المجتمع، وصاحب مصلحة في حماية الموارد العامة والطبيعية. وهذا يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الحقوق والمسؤوليات المتبادلة.

وهو ما يعبر عنه مفهوم العقد الاجتماعي: يلتزم المواطن بالقانون ويساهم في تمويل الدولة ويشارك في الحياة العامة، فيما تلتزم الدولة بحماية الحقوق، وتوفير الخدمات، وإدارة الموارد العامة بعدالة وكفاءة، واتخاذ القرارات بصورة شفافة وخاضعة للمساءلة.

لكن هذا العقد لا يمكن أن يعمل بصورة فعالة إذا لم يكن المواطن قادرًا على معرفة كيف تُصنع القرارات، ومن يملك السلطة الفعلية، وما المؤسسات المسؤولة عن تنفيذ السياسات، وكيف يمكن الوصول إلى المعلومات والمشاركة في النقاش العام ومساءلة الجهات المعنية.

وهنا تحديدًا يبرز الدور التنموي للإعلام.

من إعلام الحدث إلى إعلام القضية

لا ينبغي أن يقتصر الإعلام التنموي على تغطية إطلاق المشاريع أو نقل تصريحات المسؤولين حول الإنجازات. فدوره الأساسي هو مساعدة المجتمع على فهم السياسات العامة وآليات صنع القرار والجهات المسؤولة عن تحديد الأولويات وتنفيذ البرامج وتقييم نتائجها.

وهذا يتطلب الانتقال من إعلام الحدث إلى إعلام القضية؛ أي من الاكتفاء بالإعلان عن قرار أو مشروع إلى متابعة مساره، وفهم أسبابه، وتحليل الموارد المخصصة له، وتحديد الجهات المسؤولة عنه، وتقييم أثره على المواطنين، والكشف عن الفجوة بين السياسات المعلنة والنتائج الفعلية.

فعندما تتناول وسائل الإعلام الموازنة العامة، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يقتصر دورها على نقل أرقام الإيرادات والنفقات، بل يتعين عليها أن تطرح أسئلة تتعلق بأولويات الإنفاق العام، وتوزيع الأعباء الضريبية، ومدى انعكاس الإنفاق على الخدمات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والفئات المستفيدة من السياسات المالية.

وعندما تتناول برامج الحماية الاجتماعية أو سياسات التشغيل أو الخدمات العامة، فإن دورها لا يقتصر على عرض القرارات الحكومية، بل يشمل متابعة التنفيذ وتقييم النتائج وإتاحة المجال أمام المواطنين والجهات المعنية للتعبير عن احتياجاتهم ومساءلة المؤسسات المسؤولة.

وبذلك يصبح الإعلام جسرًا بين المعلومات والسياسات العامة والمواطن، ويساهم في جعل أداء المؤسسات والسلطات موضوعًا مشروعًا للنقاش العام والمساءلة المجتمعية.

الحق في الوصول إلى المعلومات شرط للمشاركة والمساءلة

لا يمكن تحقيق مشاركة فعالة أو مساءلة حقيقية في غياب المعلومات. فالحق في الوصول إلى المعلومات ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو أحد الشروط الأساسية لممارسة المواطنة وتحسين الحوكمة.

ويحتاج المواطن إلى معلومات موثوقة حول كيفية إدارة الموارد العامة، والسياسات والبرامج المعتمدة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والنتائج التي تحققت. كما يحتاج الإعلام إلى الوصول إلى هذه المعلومات لكي يتمكن من أداء وظيفته الرقابية والتفسيرية.

ولا تقتصر الشفافية على نشر بعض البيانات أو التقارير الرسمية، بل تتطلب أن تكون المعلومات متاحة وموثوقة ومفهومة وفي الوقت المناسب. كما تتطلب وجود مؤسسات تستجيب لطلبات المعلومات، وتوفر البيانات اللازمة للنقاش العام، وتخضع أعمالها للرقابة والمساءلة.

وفي هذا السياق، يمكن للإعلام أن يساهم في تحويل المعلومات إلى معرفة قابلة للاستخدام، من خلال التحقيق والاستقصاء والتحقق من الوقائع ومقارنة البيانات ووضعها في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وهكذا، يصبح المسار من المعلومة إلى المعرفة والوعي بالحقوق والمسؤوليات مدخلًا إلى المشاركة والمساءلة وتحسين السياسات العامة، وصولًا إلى تنمية أكثر عدالة واستدامة.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: فرص جديدة ومسؤوليات متزايدة

أحدثت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي تحولًا عميقًا في البيئة الإعلامية. فلم تعد عملية إنتاج المعلومات ونشرها حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، وأصبح المواطن قادرًا على توثيق الأحداث، وإيصال صوته، ولفت الانتباه إلى مشكلات قد لا تحظى بالتغطية الكافية.

وقد وسّع هذا التحول إمكانات المشاركة العامة، لكنه زاد أيضًا من صعوبة التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وبين الخبر والرأي والدعاية. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة، بل قد تؤدي، في غياب التحقق والتفسير، إلى إرباك النقاش العام وتقويض الثقة.

ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذه التحولات. فهو يتيح إمكانات مهمة لتحليل البيانات والوثائق، واكتشاف الأنماط والتناقضات، ودعم التحقيقات الاستقصائية. لكنه يسهل أيضًا إنتاج المحتوى المضلل والنصوص والصور ومقاطع الفيديو المزيفة.

لذلك، لا تلغي التكنولوجيا دور الإعلامي، بل تعيد تعريفه. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج المعلومات، ازدادت الحاجة إلى إعلام قادر على التحقق منها وتفسيرها ووضعها في سياقها، وإلى الالتزام بالمعايير المهنية والمسؤولية الأخلاقية. وتبقى الثقة في المعلومات مرتبطة بالتحقق المستقل والحكم المهني والمساءلة عن المحتوى المنشور.

الإعلام وبناء ثقافة المواطنة

لا تقتصر مساهمة الإعلام في التنمية على توفير المعلومات، بل تمتد إلى الإسهام في بناء ثقافة مواطنية تعتبر الشفافية شرطًا للحكم الرشيد، والمساءلة حقًا وواجبًا، والمساواة والإنصاف أساسًا للعدالة، والمشاركة جزءًا من المواطنة.

كما يستطيع الإعلام أن يساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال إتاحة المجال أمام تعدد الأصوات والآراء، واحترام التنوع، وتقديم الاختلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة، بدلًا من تحويل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات بين جماعات متقابلة.

وتزداد أهمية هذا الدور في أوقات الأزمات والحروب، حين يمكن للإعلام أن يساهم في التهدئة وبناء السلام، أو أن يتحول إلى أداة للتعبئة والتحريض وتعميق الانقسامات. ولا يعني الإعلام المسؤول التخلي عن كشف الانتهاكات أو تحديد المسؤوليات، بل القيام بذلك بمهنية، من دون تبرير العنف أو نزع إنسانية الآخرين أو تأجيج الكراهية.

فالتنمية والسلام مترابطان: التنمية العادلة تساهم في معالجة بعض أسباب التوتر والصراع، والسلام المستدام يوفر الشروط الضرورية لتحسين حياة الناس وتعزيز حقوقهم. والهدف النهائي ليس تحقيق النمو أو الانتصار في الصراعات بمعزل عن الإنسان، بل بناء مجتمع يستطيع أفراده أن يعيشوا بكرامة وأمان، ويتمتعوا بحقوقهم ويشاركوا في تقرير مستقبلهم.

نحو إعلام يعيد بناء العقد الاجتماعي

إن التحدي أمام الإعلام التنموي لا يكمن في كيفية تغطية التنمية فحسب، بل في كيفية المساهمة في جعلها عملية عامة قائمة على الحقوق والمشاركة والشفافية والمساءلة.

فالإعلام الذي يكتفي بعرض المشاريع والإنجازات يقدم المواطن باعتباره متلقيًا سلبيًا، وقد يعزز علاقة تقوم على الرعاية والامتنان بدلًا من الحقوق والمسؤوليات. أما الإعلام الذي يبحث ويستقصي ويتحقق ويشرح ويتابع، فإنه يساعد المواطن على فهم السياسات العامة، ومعرفة كيفية صنع القرارات، وتحديد الجهات المسؤولة، والمشاركة في النقاش العام ومساءلة المؤسسات.

ومن هنا، فإن الإعلام لا يحل محل القضاء أو أجهزة الرقابة أو المؤسسات التمثيلية، لكنه يساهم في جعل المعلومات والوقائع والأداء العام مرئية أمام المجتمع، ويوفر شروطًا أفضل لممارسة المساءلة المجتمعية.

إن التنمية المستدامة لا تعني فقط بناء الطرق والمشاريع والمؤسسات، بل بناء مجتمع يستطيع المواطن فيه أن يعرف، ويشارك، ويسأل، ويحاسب، ويتمتع بحقوقه ويتحمل مسؤولياته، ويثق بأن الموارد العامة تُدار لمصلحة الجميع ولصالح الأجيال القادمة.

وهذا هو التحول المطلوب: من المواطن المتلقي إلى المواطن الشريك، ومن الإعلام الناقل إلى الإعلام الذي يمكّن، ومن التنمية باعتبارها مجموعة من المشاريع إلى التنمية باعتبارها حقًا وممارسة وثقافة وحوكمة.

احدث المنشورات
Oct 23, 2026
الصمود لمن؟ آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وفقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - خليل جبارة
Oct 21, 2026
من فيضانات إسطنبول إلى COP31: لماذا يجب أن تصبح المياه في قلب مفاوضات المناخ؟ - حبيب معلوف