هل تستعدّ الحكومة للانفجار الاجتماعي؟ - زياد عبد الصمد
زياد عبد الصمد
هل تستعدّ الحكومة للانفجار الاجتماعي؟
من إدارة الفقر إلى بناء الدولة الاجتماعية
زياد عبد الصمد
مؤشرات انفجار اجتماعي متصاعدة
لم يعد الحديث عن انفجار اجتماعي في لبنان مجرد تحذير يطلقه الخبراء، بل أصبح احتمالاً تزداد مؤشراته يوماً بعد يوم. فالتراجع المستمر في مستويات المعيشة، واتساع رقعة الفقر، وارتفاع البطالة، وتدهور الخدمات العامة، ليست أزمات منفصلة، بل تعبير عن أزمة أعمق تتمثل في غياب رؤية اقتصادية واجتماعية قادرة على حماية المواطنين واستعادة الثقة بالدولة.
فالخطر لا يكمن فقط في نقص الموارد المالية، بل في استمرار إدارة الأزمة بمنطق ردود الفعل، بدلاً من معالجتها ضمن مشروع متكامل يعيد تعريف دور الدولة في التنمية والحماية الاجتماعية. فالانفجار الاجتماعي لا يحدث فجأة، بل يسبقه تراكم طويل من المؤشرات الواضحة: تراجع القدرة الشرائية، واتساع اللامساواة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتدهور الخدمات الأساسية، وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة.
اتساع الفقر والتهميش
من عكار إلى طرابلس، ومن البقاع إلى الجنوب، تتسع رقعة الفقر والبطالة والتهميش، بينما تكتفي الدولة إلى حد كبير ببرامج التحويلات النقدية الموجهة إلى الأسر الأكثر فقراً تحت عنوان "شبكة الأمان الاجتماعي". ولا شك أن هذه البرامج ضرورية لحماية الفئات الأكثر هشاشة ومنعها من السقوط في الفقر المدقع، لكنها لا يمكن أن تشكل بديلاً عن سياسة اجتماعية متكاملة أو عن دور الدولة في ضمان الحقوق الأساسية.
فكيف يمكن لمساعدات نقدية محدودة أن تعوض الارتفاع المستمر في كلفة الدواء والاستشفاء، وتراجع جودة التعليم، وغياب النقل العام، واستمرار أزمات الكهرباء والمياه، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية؟
«وعندما تتحول المساعدات الاجتماعية إلى السياسة الاجتماعية الوحيدة للدولة، يصبح الفقر هو ما يُدار، لا ما يُعالج.»
شبكات الأمان ليست بديلاً عن الدولة الاجتماعية
لقد أثبتت التجربة، في لبنان وفي العديد من الدول، أن شبكات الأمان الاجتماعي ليست بديلاً عن الدولة الاجتماعية. فهي أدوات ضرورية في أوقات الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تعالج أسباب الفقر أو تخلق فرص العمل أو توفر الخدمات العامة. وعندما تتحول المساعدات الاجتماعية إلى السياسة الاجتماعية الوحيدة للدولة، يصبح الفقر هو ما يُدار، لا ما يُعالج.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة الاجتماعية لا تتحقق بتوسيع برامج المساعدات النقدية وحدها، ولا بزيادة الإنفاق العام في ظل محدودية الموارد، بل بإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع. فالحماية الاجتماعية ليست سياسة تعويضية للفقراء، بل ركيزة من ركائز التنمية المستدامة، واستثمار في رأس المال البشري والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكد النقاش الدولي اليوم، سواء في إطار أهداف التنمية المستدامة، أو توصيات منظمة العمل الدولية، أو مخرجات المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، أن الحماية الاجتماعية الشاملة لم تعد تُعد عبئاً على المالية العامة، بل شرطاً لتحقيق النمو الشامل، وتعزيز الإنتاجية، والحد من اللامساواة، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
المشكلة في إدارة الموارد والأولويات
صحيح أن الدولة تواجه أزمة مالية خانقة، لكن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الموارد، بل أيضاً في كيفية إدارة الموارد المتاحة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. فالكثير من الإصلاحات المطلوبة لا يحتاج إلى إنفاق إضافي بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي، وحوكمة رشيدة، وإدارة أكثر كفاءة وشفافية.
ثمانية مسارات متوازية للتحرك
وفي هذا الإطار، يمكن للحكومة أن تتحرك على عدة مسارات متوازية:
من إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر
غير أن الأهم من كل هذه الإجراءات هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المخاطر. فالانفجار الاجتماعي لا يحدث فجأة، بل يكون نتيجة تراكم طويل لسياسات عجزت عن تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وضمان الحد الأدنى من الخدمات العامة.
إعادة بناء العقد الاجتماعي
إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد توسيع شبكة الأمان الاجتماعي، بل إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة، تحدد بوضوح حقوق المواطنين الأساسية، والتزامات الدولة تجاههم، وآليات تمويل هذه الحقوق بصورة عادلة ومستدامة. فالحماية الاجتماعية ليست بديلاً عن السياسة الاقتصادية، بل هي جزء من نموذج تنموي جديد يربط بين النمو والإنتاج والعدالة الاجتماعية.
هل تمتلك الحكومة الإرادة السياسية؟
ويبقى السؤال الحقيقي: هل تمتلك الحكومة الإرادة السياسية للانتقال من إدارة الانهيار إلى بناء الدولة الاجتماعية؟
فالمجتمعات لا تستقر لأن الفقراء يتلقون مساعدات، بل لأنها تمنح مواطنيها أملاً بمستقبل أفضل، وفرصة للعمل الكريم، وثقة بأن الحقوق ليست منحة من السلطة، بل التزام على الدولة. ومن دون هذا التحول، سيبقى الانفجار الاجتماعي احتمالاً قائماً، مهما تعددت برامج الدعم أو تبدلت الحكومات.
احدث المنشورات
موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حول الهجرة والحدود المغربية الإسبانية