Jul 28, 2026
الراصد العربي 2025: خارج سردية الندرة، نحو مخيّلة عربية للعدالة المائية - رامي أبي عمّار
رامي أبي عمار
Researcher

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
رامي أبي عمار
هذا المقال هو مقدمة العدد الخاص من النشرة الشهرية حول الحق في المياه.

الراصد العربي 2025: خارج سردية الندرة، نحو مخيّلة عربية للعدالة المائية

فتح النقاش حول المياه والعدالة

مع إطلاق الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 2025 حول الحق في المياه والتغير المناخي، لم نكن نعلن اكتمال تقرير بقدر ما كنا نفتح مواجهة مع الروايات التي قرأت أزمة المياه في جفاف الأرض، وأخفت وراء لغة الندرة علاقات السيطرة والاحتلال والتسليع. جاء الراصد ليضع الماء في قلب السؤال السياسي والتنموي في المنطقة العربية. فالمياه التي تتبعها التقارير ليست مورداً صامتاً، بل سجلاً للتحولات التي أصابت الدولة والمجتمع ونماذج التنمية في المنطقة. وبعد مسار من البحث والحوار امتد عبر ثلاث سنوات، يختتم هذا العدد مرحلةً من عمل الراصد، لكنه لا يطوي قضيته.

المياه بوصفها علاقة هيدرو-اجتماعية

ليست المياه مورداً طبيعياً قائماً خارج المجتمع، تتدخل السياسات لاحقاً في إدارته، بل هي علاقة هيدرو-اجتماعية تُنتَج عند تقاطع الطبيعة مع السلطة والقانون والملكية والعمل والتكنولوجيا ورأس المال. فالماء يصنع المجتمعات بقدر ما تصنع المجتمعات مساراته ومعانيه: تحدد السدود والشبكات والآبار أنماط الاستقرار والإنتاج، فيما تحدد المؤسسات وموازين القوى أين تتدفق المياه، ولمن، وبأي نوعية وكلفة. ومن هذا المنظور، لا تكون الندرة حقيقة طبيعية خالصة، بل نتيجة لتفاعل المناخ والجغرافيا مع خيارات سياسية واقتصادية تحدد أولوية بعض الاستخدامات والفئات على غيرها. فقد تتوافر المياه للمشاريع العقارية والزراعات التصديرية والصناعات الاستخراجية، بينما تبقى قرى وأحياء كاملة عند أطراف الشبكات. لذلك، لا يكفي السؤال عن كمية المياه المتاحة؛ الأهم هو مساءلة من يعرّف الندرة، ومن يتحكم في المورد، وأي مصالح تُروى، ومن يدفع ثمن التلوث والانقطاع والاستنزاف.

الإرث الاستعماري والتحول نحو التسليع

ولم تتشكل هذه العلاقات بمعزل عن التاريخ. فقد صوّرت المخيّلات الاستعمارية بيئات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها جافة ومتدهورة بسبب سوء إدارة سكانها، وقدّمت المسح والتقنين والهندسة المركزية بوصفها أدوات «إنقاذ» للطبيعة، بينما استخدمتها لإعادة تنظيم الملكية ونزع الأراضي وتهميش نظم الإدارة المحلية والجماعية . وفي فلسطين، اقترنت مخيّلة «إخضرار الصحراء» بمشروع استيطاني حوّل خطاب الندرة إلى سند للاستيلاء على الحقوق المائية ومراقبة الأرض والسكان. و حتى بعد الاستقلال في بعض بلدان المنطقة، استمرت بعض هذه البنى داخل مشاريع التحديث المائي الكبرى، قبل أن تعيد النيوليبرالية صياغتها بلغة الكفاءة واسترداد الكلفة وجذب الاستثمار الخاص. وهكذا انتقل الماء، في السياسات، من حق وخدمة عامة إلى مورد اقتصادي، وانتقل المواطن من صاحب حق إلى زبون يُقاس استحقاقه بقدرته على الدفع.

مقاربة الراصد العربي 2025

هذا الإرث الاستعماري والتنموي والنيوليبرالي هو المجال الذي يتدخل فيه الراصد العربي 2025. فمن خلال ثمانية تقارير وطنية، وخمس دراسات حالة، وخمس أوراق موضوعاتية، وتقرير إقليمي يغطي ثلاثة عشر بلداً عربياً، نقل الراصد النقاش من الإدارة التقنية للندرة إلى الاقتصاد السياسي للحق في المياه. ولم يتعامل مع الأزمات المائية كوقائع منفصلة، بل ربطها بأنماط التنمية، وضعف المؤسسات العامة، والتفاوتات الاجتماعية والمكانية والجندرية، والاحتلال والنزاعات، والتوسع الحضري، والزراعة المكثفة، والأنشطة الاستخراجية، والتلوث، والتغير المناخي.

تسليع المياه من داخل تراجع الخدمة العامة

تكشف تقارير الراصد أن تسليع المياه لا يبدأ بالضرورة بقرار معلن عن الخصخصة. فقد ينمو السوق الخاص من داخل تراجع الخدمة العامة نفسها. حين تصبح الشبكات متقطعة أو غير مأمونة، تضطر الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج، والاعتماد على المياه المعبأة والآبار الخاصة، ودفع كلفة الضخ والتخزين والتنقية. وهكذا ينشأ نظام مائي متفاوت: خدمة عامة متدهورة لمن لا يستطيع شراء البدائل، وأسواق متعددة لمن يمتلك القدرة المالية. وتتحمل الأسر الكلفة مرتين، عبر الرسوم العامة وعبر شراء المياه البديلة، بينما تتحمل النساء قسماً غير منظور من العمل اللازم لتأمين المياه وإدارتها داخل المنزل.

أشكال الهيمنة المائية

تتقاطع هذه السيرورة مع أشكال مختلفة من الهيمنة المائية. ففي فلسطين، تقوم الهيمنة على السيطرة الاستعمارية الاستيطانية على الأرض والأحواض الجوفية والبنية التحتية والتراخيص وحرية الحركة. وفي سوريا واليمن والسودان وليبيا ولبنان، تظهر المياه بوصفها ضحية للحرب وأداة محتملة للحصار والإخضاع والتهجير. وفي سياقات أخرى، تعمل الهيمنة عبر شروط القروض والمساعدات، واحتكار البيانات والخبرة، وأولوية المشاريع الكبرى، وتوجيه المياه نحو قطاعات زراعية أو عقارية أو صناعية نافذة. وبذلك، لا تعني الهيمنة سيطرة دولة على نهر مشترك فقط، بل القدرة على تحديد أي استخدام للمياه يُعد منتجاً، وأي فئة تستحقها، وأي خسارة يمكن التعامل معها كأثر جانبي مقبول.

من التشخيص إلى برنامج للإصلاح

يتحدى الراصد هذه البنية عبر الجمع بين مقاربة حقوق الإنسان والإيكولوجيا السياسية، وتحويل التشخيص إلى برنامج للإصلاح. وتتقاطع توصيات تقاريره حول ضرورة الاعتراف القانوني الصريح بالمياه حقاً من حقوق الإنسان وخيراً مشتركاً، وترجمة هذا الاعتراف إلى التزامات قابلة للإنفاذ. ويشمل ذلك ضمان حد أدنى كافٍ وآمن وميسور الكلفة للجميع، واعتماد تعريفات اجتماعية وتصاعدية تراعي الدخل وحجم الأسرة، ومنع قطع المياه عن غير القادرين على الدفع. كما تدعو التقارير إلى إعطاء الأولوية للاستخدامات المنزلية والأنظمة البيئية وسبل العيش المحلية على الأنشطة التجارية والاستخراجية كثيفة الاستهلاك، وإخضاع كبار المستخدمين والآبار الخاصة وأسواق الصهاريج والمياه المعبأة لتنظيم ورقابة فعليين.

إعادة بناء المؤسسات العامة

ولا ترى التقارير أن معالجة تراجع الخدمة العامة تكمن في مزيد من الخصخصة أو استرداد الكلفة من الأسر، بل في إعادة بناء المؤسسات العامة وتمويلها بصورة عادلة ومستدامة، والاستثمار في صيانة الشبكات والحد من التلوث والتسرب، وتوسيع خدمات الصرف الصحي والمعالجة. وتوصي بإخضاع القروض والشراكات مع القطاع الخاص وشروط الجهات المانحة لتقييمات حقوقية وبيئية شفافة، وبنشر العقود والبيانات والموازنات ونتائج فحوص نوعية المياه، مع إنشاء آليات مستقلة للشكاوى والمساءلة. فالاستدامة المالية لا يمكن فصلها عن العدالة الاجتماعية، والكفاءة لا تُقاس فقط بتحصيل الرسوم، بل بقدرة النظام على ضمان خدمة عامة مأمونة ومنتظمة وعادلة.

المجتمعات شريكة في القرار

وتؤكد توصيات الراصد أن المجتمعات ليست مجرد «مستفيدين» من سياسات تُصاغ بعيداً عنها، بل صاحبة حق ومعرفة ودور أصيل في تقرير مستقبل مواردها. لذلك تدعو إلى مشاركتها الفعلية، ولا سيما النساء والمزارعين والعمال واللاجئين والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمشة، في تخطيط المياه وإدارتها ومراقبتها، وإلى حماية نظم الإدارة الجماعية والمعارف التقليدية باعتبارها جزءاً من تراث مائي حي.

نحو مخيّلة مائية عربية أكثر تجذراً

ومن هنا يسهم الراصد في بناء مخيّلة مائية عربية أكثر تجذراً، ترى المياه لا رقماً في ميزان مائي ولا أصلاً اقتصادياً قابلاً للاستبدال، بل حقاً وخيراً مشتركاً وعلاقةً ثقافية واجتماعية بالأرض. فالينابيع والآبار والأفلاج والسواقي وأنظمة الري الجماعية تختزن معرفة بالمواسم والبيئة، وذاكرةً للعمل والتكافل والانتماء؛ والاعتراف بها لا يعني إضفاء صورة رومانسية على ممارسات قد تعكس بدورها تفاوتات طبقية وجندرية، بل صون ما تحمله من معرفة وإعادة بنائها على أسس المساواة والمشاركة والعدالة. وتمتد هذه المخيّلة إلى مواجهة تحويل المياه إلى أداة للهيمنة والعنف، من خلال حماية البنية التحتية في النزاعات، ومساءلة المسؤولين عن استهدافها أو استخدامها للحصار والتهجير، وإدارة الموارد المشتركة وفق مبادئ الإنصاف والتعاون والسيادة الشعبية.

«فما قدّمه ليس وصفاً إضافياً لأزمة المياه، بل إطاراً لفهمها ومواجهتها: إطار ينقلنا من إدارة النقص إلى مساءلة السلطة، ومن التعامل مع الناس كمستهلكين إلى الاعتراف بهم أصحاب حقوق وشركاء في القرار، ومن اختزال الماء في قيمته الاقتصادية إلى استعادته أساساً للحياة والعلاقة بالمكان.»

من إدارة النقص إلى مساءلة السلطة

في هذا العدد الختامي، يطوي الراصد العربي 2025 مرحلة من البحث والحوار، لكنه لا يضع نقطة أخيرة في النقاش الذي فتحه. فما قدّمه ليس وصفاً إضافياً لأزمة المياه، بل إطاراً لفهمها ومواجهتها: إطار ينقلنا من إدارة النقص إلى مساءلة السلطة، ومن التعامل مع الناس كمستهلكين إلى الاعتراف بهم أصحاب حقوق وشركاء في القرار، ومن اختزال الماء في قيمته الاقتصادية إلى استعادته أساساً للحياة والعلاقة بالمكان.

مستقبل المياه هو مستقبل العدالة

تلك هي الرسالة التي يتركها الراصد. لا يمكن فصل مستقبل المياه عن مستقبل العدالة في المنطقة العربية. فالمياه تحمل تاريخ الأرض وذاكرة المجتمعات، كما تحمل آثار الاحتلال والحرب والتفاوت والقرارات التي جعلت العطش قدراً للبعض وامتيازاً قابلاً للشراء للبعض الآخر. واستعادتها من منطق السيطرة والربح ليست عودة إلى الماضي، بل خطوة نحو مستقبل تُقاس فيه التنمية بقدرتها على صون الحياة والكرامة، لا بحجم ما تستخرجه من الأرض أو تحوله إلى ربح.

احدث المنشورات
Jul 27, 2026
تسليح المياه في سوريا: الصراع والسيادة والأمن المائي - صفوان داؤد
Jul 27, 2026
التحولات الإقليمية والاقتصاد السياسي للتنمية: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد