اديب نعمه
2026: عام الإمبراطورية، أم بداية تفككها؟ - أديب نعمه
تمهيد
إن مواكبة الاحداث
الهامة التي وقعت خلال العامين الماضيين، وتحليلها كأحداث منفردة، تكاد تكون مهمة
مستحيلة. ذلك ان تكوين صورة واضحة ومنطقية عن مسار عالمنا وتحولاته الراهنة، لا
يتبع مسارا تراكميا من خلال تتبع هذه الاحداث وتطورها، بل بات مسارا معكوسا يتطلب
منا فهم التحول الهيكلي الإجمالي الحاصل في العالم وفي النظام العالمي، الذي وحده
يمكننا من تفسير الاحداث الهامة المنفردة، لا بل هو الذي يعطيها معناها ويحدد
مسارها وغاياتها البعيدة في ضوء الغاية الكلية الكبرى.
الامبراطورية
ما يحصل حاليا يمكن شرحه
بشكل مبسط – دون ان يكون تبسيطيا – على النحو التالي: هناك قوة عالمية كبرى اسمها
الولايات المتحدة الأميركية، يحكمها أحد رموز اليمين المحافظ الأكثر تطرفا. لدى
هذا الطرف قناعة راسخة بإن توازن القوى الذي أنشأ النظام الدولي بعد الحرب
العالمية الثانية - والذي بدأ تفككه اقتصاديا منذ مطلع الثمانينات مع هيمنة المذهب
النيوليبرالي، ثم مع انهيار النظام السوفياتي مطلع التسعينات – هذا النظام قد تفكك
بالكامل ولم يعد وجوده ضروريا، ومعه كل منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي
والاتفاقيات والقواعد الديبلوماسية في التعامل بين الدول. ولا يشمل ذلك العلاقات
بين المركز (الدول الصناعية المتقدمة في الشمال/الغرب) والأطراف (البلدان النامية)
وحسب، بل يطال أيضا العلاقة بين المركز الأقوى عسكريا واقتصاديا اي الولايات
المتحدة الأميركية، وبين وشركائها وحلفائها التاريخيين (أوروبا بشكل خاص)، ومع خصومها
السياسيين والتجاريين القدامى/الجدد (لاسيما روسيا والصين).
وفق تصور هذا التيار
اليميني المحافظ والمتطرف، فإن البديل عن هذا النظام الدولي المنتهي الصلاحية هو
نظام الإمبراطورية ذات الرأس الواحد التي تهمين منفردة على مختلف جوانب النظام
العالمي لصالح اقلية محدودة جدا. وقد كان وقت في التاريخ الحديث انفردت فيه بريطانيا
العظمي بسيطرة من هذا النوع (عسكرية وتجارية) على عالم القرن التاسع عشر. الا ان
الإمبراطورية الجديدة ربما كانت في خيال أصحابها، أقرب الى "امبراطورية"
سلسلة أفلام جورج لوكاس عن "حرب النجوم" Star Wars، نظرا لأهمية المكون التكنولوجي والذكاء الاصطناعي المندمج مع
الآلة الاقتصادية والعسكرية في مشروع الهيمنة الراهن، ونظرا لمستوى التردي الثقافي
والقيمي والتفاهة لتي تميز أصحاب هذا المشروع.
هكذا يعاد ترتيب العالم
والنظام العالمي، لا على قاعدة مبادئ وقواعد ساهمت فيها أطراف متعددة – وإن بشكل
متفاوت، بل يتشكل على قاعدة خدمة غايات الإمبراطورية الناشئة. وتتوزع مكونات هذا
النظام الجديد من دول وشركات وشعوب وجماعات...الخ، في شبكة مراتب حسب قربها او
بعدها من المركز الامبراطوري والتزامها بخياراته. ويكون من ضمها مراكز امبراطورية
إقليمية تنفذ حملاته التوسعية بالوكالة أحيانا بصفتها أذرع للمركز العالمي، أو
بناء على مصالح امبراطورية خاصة فرعية أحيانا أخرى.
المنطقة في قلب العاصفة
استمرارا لتطورات 2024
و2025، حمل الشهر الأول من عام 2026 تطورات إضافية تعزز التحليل السابق:
-
اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو ومحاكمته جنائيا
في الولايات المتحدة الامريكية والاعلان الصريح عن وضع اليد الأميركية على النفط الفنزويلي
والثروات الأخرى، وما لذلك من آثار في الحروب التجارية والتنافس الصناعي
والتكنولوجي مع الصين وغيرها؛
-
قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب دفعة واحدة من أكثر
من 60 منظمة ووكالة دولية نصفها تابعة للأمم المتحدة؛
-
التلويح بالتدخل العسكري مرة أخرى في إيران التي
تشهد احتجاجات شعبية، سواء من قبل الولايات المتحدة او إسرائيل؛
-
التهديدات الإسرائيلية بحرب جديدة وشيكة على
لبنان؛
-
الإعلان عن الاستعداد للانتقال الى المرحلة
الثانية في غزة والمشروع المعلن لتشكيل إدارة عالمية للقطاع كأنه مشروع عقاري
لشركات عالمية؛
-
انفجار المواجهة العسكرية
بين السعودية والإمارات على ارض اليمن؛
-
تصاعد خطير في الحرب في السودان وانتهاكات
بالجملة لقوات الدعم السريع ومخاطر تقسيم السودان؛
-
تصاعد أيضا في التوتر والانقسام السياسي في
ليبيا؛
-
صعوبات وصدامات طائفية وإثنية في سوريا بعد تغيير
النظام مع تدخلات تركية وإسرائيلية مباشرة...الخ.
هذا نموذج لبعض التطورات العالمية وفي المنطقة خلال الأسابيع القليلة
الماضية، وربما حدثت تطورات إضافية في الفترة الفاصلة بين كتابة هذا المقال ونشره.
تأكيدا للتحليل السابق، فإن أهمية ذكر هذه التطورات هي في النظر اليها في ترابطها،
وفي كونها كلها (وغيرها مما حدث او يمكن ان يحدث) تجليات او مقدمات او نتائج
للتحول العالمي نحو "الإمبراطورية"، الذي تقع منطقتنا العربية وبلداننا
في صلبه.
ابعد من ذلك، وعلى امتداد عقود سابقة، ولكن على نحو أكثر تحديدا، منذ عملية
"طوفان الأقصى" خريف 2023، ومنطقتنا تخضع لعملية إعادة تشكيل جيو –
سياسية، وسياسية واقتصادية واجتماعية لها طابع هيكلي. لا بل يمكن اعتبار أن
"الشرق الأوسط" هو الحيز الجيو – سياسي الذي جرت فيه الاختبارات الأولى
لبناء "الإمبراطورية" الجديدة (العالمية والإقليمية) بالأدوات الأكثر
دموية وعنفا وصولا الى الإبادة الجماعية، بما يمتد من إيران والخليج، وصولا الى
السودان وليبيا، مرورا، بسوريا وفلسطين. ويجب الاعتراف أن هذا المشروع حقق نجاحات
هامة تؤسس لإمكانية متابعته لتحقيق اهدافه بوسائل أخرى اقل عنفا، دون استبعاد
اللجوء الى الحرب حسب الحاجة.
ما يميز المراحل التاريخية التي تحصل فيها تحولات لها طابع هيكلية، كما هو
الحال في منطقتنا اليوم، هو تضاؤل الحدود بين ما هو مباشر وآني وتكتيكي، وبين ما
هو استراتيجي وبعيد المدى. وهو ما يضع جميع الفاعلين الوطنيين والمحليين في تصادم
مباشر مع المشاريع السياسية والاقتصادية الكبرى إقليميا وعالميا، وهو ما يطرح على
منظمات المجتمع المدني، وعلى عموم المواطنين، مهام كبيرة من نوع جديد.
المجتمع المدني: التجاهل ليس خيارا
لقد سبق لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية من خلال مشروعها عن
الفضاء المدني، ان لفتت النظر أكثر من مرة الى ان الوضع العالمي من جهة، وكذلك وضع
الأنظمة والحكومات الوطنية في البلدان العربية، التي تميل الى صيغ مختلفة من
الاستبداد او تقليص الديمقراطية والمشاركة المدنية، تضع امام المجتمع المدني
ومنظماته مراجعة نظرتها التقليدية الى العلاقة بين المدني والسياسي في عملها
واستراتيجياتها، لاسيما منذ الربيع العربي عام 2011.
مع التضييق المتصاعد على الديمقراطية
والحريات وعلى الفضاء المدني، بات التحول السياسي الداخلي شرطا ومدخلا ضروريا
للتحول الديمقراطي واستعادة بعضا من مكاسب حققها المجتمع المدني والصحافة
والمواطنون خلال عقد ونصف من الزمن. ومع التطورات العالمية اليوم – التحول نحو
الإمبراطورية – فإن هذه الضرورة تصبح أكثر الحاحا بما لا يقاس، اذ حتى على مستوى
الأنشطة والمشاريع الجزئية التي تقوم بها الجمعيات والمنظمات المدنية، بات التضييق
من المصادر العالمية أكبر بما في ذلك وقف التمويل بالجملة والمفرق، وكذلك مساعدات
التنمية.
وربما يمكن لمنظمات المجتمع المدني ان تحول ذلك الى فرصة للتحرر من
"التيار الرئيسي" المهيمن على العمل المدني منذ التسعينات، الذي ربطه بإحكام
بالتمويل الخارجي واجنداته. كما انه فرصة للتفكير في استراتيجيات متوسطة وبعيدة
المدى تتصدى لمهام التحول المجتمعي وفي صلبها تحرير الفضاء المدني من القيود
القديمة والجديدة، وولوج مسار تحول ديمقراطي ملتزم بحقوق الانسان والعدالة
الاجتماعية، دون تردد او خوف من تهمة التسييس.
الخلاصة الصعبة
ان التحول العالمي نحو الإمبراطورية هو دينامية حاضرة بقوة في تفاصيل
حياتنا العامة والخاصة. وبقدر ما يتحول هذا المسار العالمي الى عامل مهمين وطاغ
على المسارات الإقليمية والوطنية، بقدر ما تزداد أهمية التحول الديمقراطي داخل كل
بلد (وعلى الصعيد الإقليمي) من اجل بناء عناصر القوة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية التي تمكن من التخفيف من آثار هذا التحول السلبية
(والكارثية أحيانا) على بلداننا وشعوبنا.
ان التزامنا بمنظومة حقوق الانسان والقيم والقانون الدولي والمؤسسات التي
استندت اليها، تصبح بدورها اكثر أهمية بما هي ثقافة وقيم ومعايير مشتركة للحركات
المدنية في العالم، للعمل معا من اجل كبح مسار التحول العالمي الامبراطوري
المتوحش، وتحويل واقع تفكك النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، الى
فرصة لتطوير الأمم المتحدة، أو إعادة انتاجها ومنظوماتها وقواعدها باتجاه المزيد
الديمقراطية والفعالية نحو الأفضل (على غرار تجاوز عصبة الأمم التي تشكلت بعد
الحرب العالمية الأولى)، بدل المسار المعاكس الذي نشهده اليوم.
فهل هذا من ضمن مسؤولياتنا كمجتمع مدني وطني واقليمي وعالمي؟
احدث المنشورات
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد