Jan 13, 2026
2025، عام نهاية جدوى مفاوضات المناخ وانقاذه… وبداية مرحلة جديدة قاتمة - حبيب معلوف
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

2025، عام نهاية جدوى مفاوضات المناخ وانقاذه… وبداية مرحلة جديدة قاتمة - حبيب معلوف

سجل العام 2025 رقما قياسيا جديدا (كما منذ 8 سنوات) في ارتفاع درجات حرارة الأرض، واستمرار زيادة موجات الحر القاتلة،  فضلا عن أرقام قياسية جديدة في الفيضانات وحرائق الغابات وزيادة الجفاف في مناطق عدة حول العالم. في آسيا، جرفت فيضانات موسمية (لكن أكثر تطرفا) مناطق واسعة ، وتسببت في سقوط آلاف الضحايا بأضرار كبيرة، لاسيما في سيريلانكا. كما في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا وأماكن أخرى،  شهدت حرائق الغابات والجفاف  تصاعدا غير مسبوق.

وكشف مؤشر مخاطر المناخ للعام 2025 عن تصنيف الدول الأكثر تأثرا بالظواهر المناخية المتطرفة ، حيث احتلت  دول المنطقة العربية  مواقع متقدمة ضمن هذا التصنيف.  فقد  حلت السودان في المرتبة الاولى عربيا والمرتبة 15 الخامسة عشرة عالميا،  تلتها  جيبوتي الثانية عربيا    ثم موريتانيا  فالجزائر وتونس والعراق والأردن…الخ . ويبدو أن هذا التصنيف  سبق الفيضانات التي  شهدها المغرب (مدينة آسفي) أثناء كتابة هذا المقال، والتي أودت بحياة 37 شخصا، وخلفت اضرارا مادية ضخمة لم تقدر بعد، ة إضافة الى الفيضانات التي ضربت محافظة السليمانية   في اقليم كردستان العراق. كما احتلت باكستان المرتبة الاولى عالميا كأكثر البلدان تأثرا بالمظاهر المناخية المتطرفة.

 وتقدر تقارير الأمم المتحدة أن كلفة الخسائر والأضرار الناجمة عن الكوارث المناخية زادت عشرة أضعاف في السنوات الاخيرة  مقارنة بالتقديرات السابقة، فيما لم تصدر بعد الأرقام النهائية  لعام 2025، والتي  يتوقع أن تسجل بدورها أرقاما قياسية جديدة أيضا.

كل هذا يشير إلى نقطة مفصلية اساسية  مفادها أن الاحتباس الحراري لم يعد مجرد سيناريو مستقبلي بعيد، وارد في التقارير الدولية ذات الصلة، بل أصبح واقعا ملموسا، له  آثار مباشرة ومدمرة على الحياة والاقتصاد، وكذلك على الصحة والأمن الغذائي والهجرة المناخية.  وقد اكد ذلك الأمين العام للأمم المتحدة  في أحد اقوى تصاريحه، حين قال  اننا انتقلنا من مرحلة "الاحتباس الحراري "، أي ارتفاع درجات حرارة الأرض،  الى مرحلة "الغليان "، مع اشتعال الحرائق في اكثر من منطقة  حول العالم.

هذه الكوارث التي حصلت العام 2025 لا تنفصل عن السياسات الكارثية الدولية والتحالفات القائمة ،  التي لم  تسهم بتفاقمها وحسب، بل أمعنت في تجاهلها تماما،  سواء في مفاوضات المناخ التي  جاءت  فارغة هذا العام في بيليم البرازيلية، أو في قمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) التي عقدت هذا العام في لاهاي ، وركزت على تعزيز القدرات الدفاعية بين الأعضاء، و زيادة الإنفاق العسكري، والتوترات الإستراتيجية المتصاعدة، بدل التركيز على معالجة الكوارث المناخية التي قد يفوق عدد  ضحاياهاعدد ضحايا الحروب .

وينطبق الامر ذاته على  قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ (أول اجتماع يعقدعلى الأراضي الإفريقية)، في ظل غياب التمثيل على مستوى القادة لبعض القوى الكبرى، ما يعكس تحولًا في ديناميكيات القيادة الدولية. كما عقدت  قمة العمل حول  الذكاء الاصطناعي في باريس بمشاركة واسعة، مما يدل على تركيز متنام للحكومات على استخدام هذه التكنولوجيا، وتجاوز النقاشات المتعلقة  بالسلامة نحو معالجة  التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية، مع إغفال تلك المناخية.

في ظل هذه الاجواء ، اختتم العام بانعقاد مؤتمر الاطراف الثلاثين للمناخ 30 في بيليم البرازيلية، والذي  لم يفشل فحسب ، بل اسس  لمسار تراجعي وانحداري كبير وخطير في إمكانية متابعة  أكبر قضية تواجه البشرية بنفس الصيغة التفاوضية غير المجدية. فقد اخفق  النص النهائي في صياغة خطة ملزمة لخفض إنتاج الوقود الأحفوري،  نتيجة  اعتراضات من بعض الدول والشركات الكبرى المنتجة، فضلا عن  غياب قيادات من القوى الكبرى، أو ضعف  الالتزامات الطموحة لدى معظمها ، ما أضعف سقف التوافق والتوقعات والالتزامات.

 تحجج البعض بحصول حادث حريق وإخلاء جزء من موقع المؤتمر لتبرير تعطيل بعض أعمال التفاوض ، وزيادة الانتقادات حول التنظيم… إلا أن المشكلة كانت أعمق من هذه التعثرات بكثير. لقد فشلت الدول، بعد عشر سنوات من إبرام اتفاقية باريس، في تقديم المساهمات المحددة وطنيا لخفض الانبعاثات والتكيف، كما اخفقت  في حشد التمويل اللازم. هذه هي الخلاصة الحقيقية والدراماتيكية لمفاوضات المناخ بعثلاثين 30 سنة وثلاثين جولة دولية من التفاوض. اذ لم تحقق هذه المؤتمرات الرسمية النتائج المنتظرة، وبات من المفترض ،  بعد كل ما حصل ، تجاوز الحواجز التقليدية للعمل المناخي ووقف التكاذب الدولي. 

 وعبثا نحاول التفكير بإيجاد اطر صغيرة خارج إطار الأمم المتحدة، كأطر تفاوضية بين شركات كبرى، أو بين مدن ومحافظات، او عبر لجوء  حكومات وطنية منفردة الى اتخاذ إجراءات مباشرة لتقليل الانبعاثات والاستثمار في الطاقة النظيفة. او البحث في اتفاقيات إقليمية بدلا من الاتفاقات   العالمية، أو بين ثنائيات أكثر مرونة وسرعة من الاتفاقات متعددة الأطراف، او حتى اقتراح نقل  العمل المناخي نحو اللامركزية والاعتماد على المجتمعات المتضررة على الأر فكل هذه المقاربات لم تعد  مجدية  امام  قوة الكوارث وتكاليفها  التي باتت تتجاوز موازنات الدول الفقيرة.

ويبدو أنّ هذا التوجه قد أصبح  سائدًا للالتفاف على منظومة الأمم المتحدة، حيث تشارك دول العالم على قدم المساواة في النقاشات والمفاوضات، والانتقال بدلًا من ذلك إلى صيغ إقصائية يُسهَّل فيها الضغط والابتزاز لفرض تنازلات، واتخاذ قرارات، واعتماد سياسات لا تخدم مصالح الدول النامية. ليس هناك من بديل عن زيادة الضغوط الشعبية على الدول، في ظل تصاعد  آثار تغير المناخ على الحياة اليومية ، من الصحة إلى الزراعة إلى البنية التحتية، وزيادة ضغوط المجتمع المدني والشباب للدفع نحو سياسات جديدة وتحولات جذرية في الطاقة، النقل، والتخطيط الحضري.

ونسارع الى القول، أن المطلوب الآن لم يعد الرهان على الابتكارات الخضراء، كما يدعو البعض، ولا على تقنيات إزالة الكربون التي ثبت عدم جدواها رغم كلفتها العالية، ولا حتى على زيادة الطاقة المتجددة فقط، وزيادة التخزين، والهيدروجين الأخضر… بل على احداث  تغيير جذري في النظام الحضاري المسيطر، الشره وغير العادل. 

بعد فضيحة التفاوض الفارغ في بيليم، وانتظار عشر سنوات عقب  اتفاق باريس الفاشل اصلا، يفترض اعتبار العام 2025 نقطة انعطاف حضارية،  تتكشف فيها حدود النظام الدولي التقليدي في مواجهة أزمات متسارعة ، خطيرة ووجودية ، كتغير المناخ. وهنا تظهر أهمية إعادة تعريف مفاهيم السيادة والتعاون العابر للحدود، وأهمية إنتاج رؤية جديدة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة. كما بنبغي التاكيد على ان ر  فشل جزء من مؤتمرات القادة لا يعني فشل الإنسانية في العمل المناخي، بل ربما يدفعنا إلى التفكير في أنماط مختلفة من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي،  تكون أكثر قدرة على التكيف  مع الواقع المناخي الجديد. 

السؤال الذي يطرح الآن: ما الذي انتهى فعليا في بيليم وإلى أين يتجه العالم؟ 

العام 2025 هو عام الانكشاف . فقد تبين فيه  أن الحوكمة المناخية متعددة الأطراف لم تعد قادرة ، وحدها ،على إدارة أزمة تتسارع  بوتيرة تفوق من آليات معالجتها أو إدارتها. هذا التناقض بين اقتصاد عالمي قائم على الاستخراج ، ونظام مناخي يحتاج الى توازن واحترام قوانين الطبيعة، دخل مرحلة اللااستقرار واللاعودة ولم يعد تناقضا تقنيا فحسب، بل اصبح تناقضا وجوديا.

 قبل 2025، كنا نتحدث عن "فجوة الطموح". بعد 2025،  بتنا نتحدث عن فجوة البقاء. فالفشل في بيليم لم يكن لأن الدول لم تتفق على الخروج من الوقود الأحفوري فحسب، بل لان أسطورة "الإجماع الكوني" انتهت. وذلك بعد أن أصبحت آلية الإجماع بين الدول أداة تعطيل، لا اداة توافق. لقد بات  المناخ  ملف صراع جيوسياسي صريح ،شرس ، وشره قابل للانفجار . . في بيليم لم يناقش الوقود الأحفوري كقضية علمية، بل كقضية سيادية، وأمن قومي، ونفوذ، وأسواق، ومنافسة شرسة على الاستحواذ والاحتكار والاخضاع.

في بيليم وصلنا الى نهاية وهم "العدالة عبر التمويل فقط". فقد كانت البلدان النامية تقول "ادفعوا لنا كي نتكيّف"، في حين اتضح أن التكيف من دون اعادة تنظيم وادارة اقتصاد السوق، هو بمثابة إدارة الفقر المناخي،  وان التمويل، من دون تغيير بنيوي في بنية اقتصاد السوق القائم على المنافسة غير العادلة، ليس الا شراء لوقت قصير وثمين قبل تعاظم الكوارث.

بات واضحا  بعد بيليم (وقبلها ربما)، أن هناك اتجاهات واضحة نحو تفكك النظام المناخي الواحد التي حاولت اتفاقية باريس ارساءه  منذ عشر سنوات، لصالح  نشوء أنظمة متعددة ،متوازنة في تعطيلها للنظام القديم، وان لبست ثوبا  استعماريا جديدا. نظام أوروبي تشريعي، كربوني، ضريبي، ونظام آسيوي صناعي- تكنولوجي فحمي، ونظام أميركي سوقي- شركاتي، ونظام جنوب عالمي مجبر على التكيف  مع أزمات أكثر تدميرا. وفي المرحلة القادمة، ومع تزايد الكوارث، سينتقل الصراع من "الانبعاثات" و"التمويل" و"التكيف" إلى "الخسائر والأضرار" والسؤال : من يعوّض؟. 

عنوان المرحلة القادمة لن يكون: كم نخفض؟ بل: من يدفع ثمن ما حصل؟ وهذا يعني، الاستفادة القصوى من الايجابية الوحيدة  التي سجلت في عام 2025، والمتمثلة في صدور القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي يحمّل الدول مسؤولية ضبط الشركات والانبعاثات والتعويض، والتحضير لدعاوى قانونية وقضائية تحدد فيها  المسؤوليات عن الكوارث المناخية ، ويبت في النزاعات على المياه عندما تشح او تجف، وعلى الغذاء حين ترتفع اسعاره، وإعادة تعريف مفهوم "الديون المناخية". 

في المرحلة المقبلة ،  لن يعود مجديا تخصيص دائرة في الوزارات تعنى بالمناخ، او اضافة قضية المناخ الى وزارات البيئة حول العالم، بل يفترض ربط المناخ بـالطاقة والزراعة والمياه والصحة والأمن الغذائي والهجرة…ضمن بسياسات حكومية أكثر شمولا، مستمدة من فلسفات وأفكار وإجراءات أكثر شمولا. 

كما يفترض ، في المرحلة القادمة ،  تغيير الخطاب السيادي المناخي، نحو إعادة تقييم وتوزيع المخاطر. اذ نقف اليوم  أمام نهاية مرحلة كاملة من إدارة الأزمات. فنحن ننتقل من المناخ كملف تفاوضي إلى المناخ كشرط للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث اصبحت الكوارث تفوق في اثارها  كل المكتسبات التنموية التي عرفناها.

وهذا ما يتطلب مهام جديدة وموازية  لقوى المجتمع المدني ، العالمي ، والعربي، تقوم على  إدماج المواضيع والنضالات ضمن رؤية شمولية واحدة ، تربط بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والمناخي والبيئي والتكنولوجي، وتحركها غريزة البقاء الانسانية سابقا، والغريزة البيئية والمناخية عاجلا.

 

احدث المنشورات
Jan 13, 2026
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد
Jan 13, 2026
مخرجات تمويل التنمية والتنمية الاجتماعية وسؤال العدالة المؤجل - أحمد عوض