Jan 05, 2024
كوب 28 تكبّر الفجوة بين تعهدات الدول وزيادة الانبعاثات‪ - ‬حبيب معلوف
حبيب معلوف
كاتب وصحافي بيئي

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
حبيب معلوف

كوب 28 تكبّر الفجوة بين تعهدات الدول وزيادة الانبعاثات‪  - ‬حبيب معلوف
‪ ‬
‪ ‬
لتقييم نتائج قمم المناخ السنوية عامة، وهذه الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ‪ (cop 28) ‬، لا بد من الاستناد إلى قواعد محددة للتقييم، تتصف بالموضوعية وتستند إلى معطيات وأرقام وبيانات. اول ما يفترض الاستناد اليه، هو مدى الالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ومدى تطابق سياسات الدول الحقيقية مع تعهداتها ، بالإضافة إلى القيام بمقارنات تاريخية ضرورية لمعرفة سيرورة القرارات والتعهدات وصيرورة القضية نفسها. اي مقارنة الإجراءات الدولية والوطنية مع سيرورة وبيانات المتعلقة بتطور الظواهر المناخية المتطرفة المشكو منها. وانطلاقا من هذه القواعد يمكن الحكم على مدى نجاح او فشل المؤتمرات والقمم‪. ‬
‪ ‬
‪ ‬
من يراجع التقارير التي تزامن إطلاقها مع موعد انعقاد الكوب، لاسيما تلك المتعلقة بمراقبة مشاريع الدول للاستثمار في الوقود الاحفوري، يتأكد أن الفجوة بين الالتزامات بخفض الانبعاثات ومشاريع الاستثمار في الوقود الأحفوري لا تزال تتسع، منذ أن صدر تقرير وكالة الطاقة الدولية منذ عامين بمناسبة انعقاد الكوب 26 في غلاسكو الذي قالت فيه انه اذا اراد العالم أن يطبق اتفاقية باريس لكي لا تتجاوز حرارة الأرض الدرجة والنصف، عليه أن يوقف أي مشروعات جديدة للوقود الأحفوري لاسيما للفحم الحجري والنفط والغاز. وقد بين تقرير فجوة الإنتاج الذي حمل عنوان "هل نسير نحو الخفض التدريجي للوقود الأحفوري أم العكس؟" وصدر قبيل انعقاد قمة مناخ دبي، أن كبار منتجي الوقود الأحفوري يخططون لمزيد من الاستخراج على الرغم من تعهداتهم المناخية. هذا التقرير الذي شارك فيه معهد ستوكهولم للبيئة،  ومعهد‪ Climate Analytics‬، ومركز أبحاث‪ E3G‬، والمعهد الدولي للتنمية المستدامة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة‪.‬
‪ ‬
‪ ‬
كان متوقعا في ظل الأجواء التنافسية الدولية على الموارد والأسواق أن تتعثر اي محاولة جدية للتعاون لانقاذ المناخ. وكان متوقعا في جو الحروب شبه العالمية التي تخاض في أوكرانيا وغزة، أن تذهب أموال الصناديق التي كانت مخصصة لتمويل التخفيف والتكيف مع تغير المناخ، إلى تمويل الحروب، التي تعتبر في احد اهم محطاتها حروبا على الطاقة وطرق امدادها. أما تلك التناقضات التاريخية بين التعهدات الدولية في مؤتمرات المناخ (بالاهتمام بأكبر قضية تواجه الكوكب) وحقيقة سياسات الدول ومصالح الشركات الكبرى، فهي لم تتغير أيضا في اجتماع الدول الأطراف الذي عقد هذا العام في دبي لمدة 14 يوما (بين 30 و13 الجاري مع تمديد يوم إضافي عن المقرر)، تلك الدول الموقعة على الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ منذ العام 1992.
‪ ‬
‪ ‬
منذ تلك الفترة انتقل العالم من الحديث عن التغيرات المناخية كسيناريوهات محتملة إلى الحديث عن الكوارث المناخية كواقع ملموس لم تسلم منها اي من دول العالم اجمع. وبالرغم من ذلك، لم تتغير استراتيجيات الدول  في بلدانها ولا تغيرت استراتيجيات التفاوض فيما بينها في مؤتمرات المناخ السنوية، وظلت حتى اللحظة الأخيرة من إعلان البيان الختامي تتفاوض على مفردات ومشاريع نصوص، يعرف معظم المشاركين في صياغتها انها لن تكون ملزمة الا معنويا او شكليا، ولن تغير بشكل حقيقي في سياسات الدول المسببة بالكوارث، لا بل لن تتعارض مع المصالح الكبرى للشركات المسيطرة على سياسات وسياسيي الدول.
‪ ‬
‪ ‬
وبالرغم من اعتراف الدول الموقعة والمصادقة على اتفاقيات المناخ، من اتفاق الريو العام 1992 إلى اتفاق باريس العام 2015، إلا انها لم تذهب يوما إلى المس بمصالحها التنافسية في اقتصاد السوق، هذا الموضوع الجوهري، لم يرد يوما على جدول أعمال قمم المناخ. وبالرغم من اعترافها باعتبار الوقود الأحفوري المسبب الأول بالانبعاثات العالمية  (بنسبة 90%) التي تسببت بتراكمها في الغلاف الجوي بتغير المناخ والكوارث، ظلت طوال فترات التفاوض تتنازع اياما وليال على نصوص وكلمات مثل "التخلي" تدريجيا عن الوقود الأحفوري والفحم، ام "التخفيف" تدريجيا… وقد أضيف تعبير جديد في هذه الجولة من المفاوضات في دبي كلمة "بلا هوادة". مع العلم أن الحديث عن التخلي عن الفحم الحجري كان قد ورد في نص البيان الختامي لمؤتمر غلاسكو قبل عامين (كوب 26 العام 2021)، وقد تم الإطاحة بهذا التعهد في العام الذي يليه (الماضي)، بعدما خف تدفق الغاز الروسي تدريجيا إلى أوروبا، بسبب الحرب في أوكرانيا، وعادة أوروبا إلى الفحم الحجري! وقد خرج إعلان دبي أمس بهذه الفقرة الجديدة نحو "تسريع الجهود نحو التخلص التدريجي من طاقة الفحم بلا هوادة".
‪ ‬
‪ ‬
أما موضوع الوقود الأحفوري الذي أخذ الكثير من الجدل في هذا الكوب في دبي، منذ لحظة تعيين رئيس المؤتمر بكونه رئيس شركة نفطية، الى كل المداولات والمشادات التي حصلت حول الموضوع، الى رسالة الدول المصدرة للنفط المتشددة لعدم ذكر هذا الموضع على الإطلاق في البيان الختامي، الى حركة الشركات القوية… فقد خرج نص يعطي إشارة للحديث عن بداية نهاية الوقود الأحفوري، وقد جاء النص بمعنى "الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، بطريقة عادلة ومنظمة ومنصفة، وتسريع العمل في هذا العقد الحرج، وذلك لتحقيق صافي الصفر انبعاثات بحلول عام 2050 بما يتماشى مع العلم".  اي من دون تحديد كيفية الانتقال والبدائل ومن يضمن استقرار الطاقة والأسواق والأسعار، خصوصا أن هذا الإعلان ترافق أيضا مع رفع الدعم او" الالغاء التدريجي لدعم الوقود الاحفوري"، والكل يذكر كيف طلبت الولايات المتحدة من المملكة العربية السعودية زيادة الإنتاج لخفض الأسعار، مرارا وتكرارا، ما يؤكد تلك التناقضات في السياسات والقرارات الدولية والبيانات الختامية لقمم المناخ‪.‬
‪ ‬
‪ ‬
أما حول موضوع الطاقة المتجددة كبديل عن الوقود الاحفوري والذي تحول الى اسطورة جديدة، فقد خرج البيان الختامي بالحديث عن ضرورة "مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة على مستوى العالم ثلاث مرات ومضاعفة المعدل السنوي العالمي لتحسين كفاءة استخدام الطاقة بحلول عام 2030"، من دون أي إشارة إلى التربة (والمعادن) النادرة التي تصنع منها أدوات هذه الطاقة المتجددة والمساحات التي تطلبها والكلفة الاقتصادية… الخ مع العلم أيضا أن العالم الذي يعتمد اليوم بنسبة 80٪ على الطاقة الاحفورية و12٪ على الطاقة النووية و2٪ على الطاقة العضوية، لن يكون هناك أثر كبير لما تبقى من طاقة متجددة حتى إذا تضاعف حجمها، بالنسبة لباقي الطاقات، مع العلم أيضا، أن مشاريع التنقيب والاستخراج للطاقات الاحفورية، على انواعها، لم ولن تتوقف في معظم البلدان النفطية والغازية وتلك التي تتحضر للدخول إلى ناديها كلبنان حتى العام 2030 ، على الاقل‪. ‬
‪ ‬
‪ ‬
مع هذه المعطيات، اي معنى متبقي لذلك الجدل حول تعابير التخلي والتخفيف والتحول والانتقال… التي ضجت فيها قاعات واروقة المؤتمر في دبي ومسودات البيانات، في وقت سلم الجميع بالتقييم العالمي لاتفاقية باريس الذي اكد أن الدول في تعهداتها و ممارساتها وسياساتها ليست على الطريق الصحيح لمنع تجاوز زيادة حرارة الأرض الدرجة ونصف! ؟ وبالرغم من معرفتهم أن الكوارث المناخية بدأت تشتد تصاعديا بعد ارتفاع درجة حرارة الأرض درجة واحدة، وان تجاوز الدرجة ونصف والدرجتين سيكون كارثيا على العالم اجمع، وان الفجوة بين الالتزامات وبين استمرار ارتفاع وتيرة الكوارث باتت اكبر من أن تردم... فقد استمروا في نفس النهج التفاوضي المتناقض مع حقيقة السياسات الدولية (لكل دولة)‪! ‬
‪ ‬
‪ ‬
كان لافتا هذا العام في اجتماع الدورة 28 من مفاوضات المناخ الدولية السنوية صدور قرار من اليوم الأول بتفعيل صندوق الخسائر والأضرار الذي وضع على جدول اعمال القمة السابقة التي عقدت في شرم الشيخ العام الماضي وشكلت لجنة لوضع أسس عمله، والذي يفترض أن يكون مخصصا للتعويض عن الخسائر والأضرار التي ستنجم عن الكوارث المناخية. وبالرغم من تبرع الدولة المضيفة بمبلغ خاص لهذا الصندوق، وتبرع دول أخرى بتبرعات صغيرة جدا معظمها لم يتجاوز 400 الى 700 مليون دولار، في حين أن المطلوب لهذا الصندوق وبحسب التقارير الدولية ذات الصلة، هو ثلاثة أضعاف ما كان مطلوبا للتخفيف والتكيف، اي 300 مليار دولار سنويا في اقل تقدير، قياسا الى حسابات العام 2009، حين تم تخصيص صندوق ب100 مليار دولار سنويا ابتداء من العام 2020، لم تدفع حتى تاريخ نشر هذا المقال! وقد تم الإيحاء في قمة دبي ان هذا الصندوق الجديد للخسائر والأضرار شبيه ب"صندوق التبرعات"، بدل أن يكون صندوق "التعويضات" المتوجبة من البلدان المتقدمة والصناعية على البلدان النامية‪!‬
‪ ‬
‪ ‬
في الخلاصة، وانطلاقا من هذه المعطيات لن يكون صندوق الخسائر والأضرار بحجم الكوارث المنتظرة، ولا تزال تنتظره مطبات كثيرة في طريقة إدارته وكيفية تحميل المسؤوليات وكيفية الاختيار بين البلدان النامية المفترض التعويض عليها‪!‬
‪ ‬
‪ ‬
عقد اجتماع ال28 الدولي للمناخ في مدينة اكسبو 2020 في دبي. وكانت المرة الأولى التي يعقد فيها هذا النوع من الاجتماعات في مدينة مساحتها قد تتجاوز ال4 كيلومترات، مما صعب على المشاركين أن يصلوا الى وبين القاعات بسهولة والمشاركة  بمئات الفعاليات اليومية، خصوصا أن عدد المشاركين ضرب أرقاما قياسية جديدة أيضا وقد تجاوز ال90 الفا لأول مرة، بحسب الجهات المنظمة. وهنا طرحت اسئلة كثيرة حول جدوى مشاركة هذا العدد الضخم كمصدر إضافي للانبعاثات، وحول ضرورة إعادة النظر بمحاور وأجندات هذه الاجتماعات السنوية التي تتزايد أعداد المشاركين فيها سنة بعد اخرى، بالتزامن مع تزايد الانبعاثات والكوارث! كما سمعت أصوات جديدة ومتقدمة في هذا "الكوب" من المجتمع المدني العربي تعيد طرح قضية تغير المناخ من خلفية تغيير الأنظمة الاقتصادية المسيطرة أيضا. ويفترض أن يبدأ العمل التحضيري الآن استعدادا لاستعادة المجتمع المدني دوره المراقب والمحاسب وحامل البدائل الثقافية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية المنقذة، بدل تحويل دوره إلى نوع من "الغسيل الأخضر" للشركات الملوثة الكبرى والحكومات الممثلة لمصالحها، بمجرد السماح له بالدخول والمشاركة الشكلية في الكوبات المناخية الفضفاضة‪ .‬
‪ ‬
‪ ‬

حبيب معلوف




احدث المنشورات
Feb 18, 2024
سياسة إدارة المخاطر
Feb 18, 2024
سياسة توزيع المِنح
منشورات ذات صلة
Nov 29, 2023
ورقة موقف من المجتمع المدني العربي حول الكوب 28
Dec 01, 2023
المياه على أجندة المفاوضات المناخية في دبي (cop 28) - حبيب معلوف