Apr 27, 2026
دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي - الهام مكي
إلهام مكي
باحثة

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
إلهام مكي

دراسة حالة – العراق: العمل المدني بين القيود السياسية والانكماش الحقوقي

الهام مكي 

المقدمة

كيف تعمل المنظمات الحقوقية في العراق، ضمن سياق أمني وسياسي صعب في بلد تتقاسم فيه الفصائل المسلحة السلطة مع الدولة، يتزامن ذلك مع تزايد التصعيد العسكري في المنطقة، لتعلن الحرب المباشرة الإسرائيلية/الامريكية على إيران؟ هو ليس سؤال افتراضي، بل واقع يومي تعيشه منظمات المجتمع المدني في العراق. فعلى مدار الثلاث سنوات الماضية وبعد سيطرت القوى السياسية المحافظة المدعومة بمجموعات مسلحة مرتبطة بأجندات إقليمية خارجية، لم يك العراق مجرد ساحة للتوترات الإقليمية، بل شريك غير مباشر في النزاعات والتوترات الإقليمية المستمرة. وقد أسهمت هذه الديناميكية في خلق بيئة شديدة التقلب ومسيسة اثرت على ناشطيّة منظمات المجتمع المدني، إذا يتعين عليها دائما العمل مع القيود المحلية وأيضا مع التداعيات الجيوسياسية الاوسع نطاقّا. يتناول هذا المقال الوضع الراهن لمنظمات المجتمع المدني في ضوء هذه التحولات المتسارعة، ويلقي الضوء على آليات صمود المنظمات الحقوقية في ضوء بيئة سياسية معقدة تضييق عليها من كل جانب.

مجتمع مدني في دولة مخترقة

ناشطيّة المجتمع المدني في العراق تأثرت وتتأثر بحسب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك بظروف الحرب والسلم. فقد أسهم نظام المحاصصة الذي تبلور بعد عام ٢٠٠٣ في ترسيخ هذه البنية المعقدة، مما أفرز بيئة سياسية وأمنية تُقيّد بطبيعتها استقلالية العمل المدني، وتحدّ من قدرة الفاعلين/ات المستقلين/ات والمدافعين/ات عن حقوق الانسان على تحدي التوازنات القائمة أو التأثير فيها. فالعراق اليوم لا يمثّل نموذج الدولة التقليدية التي تحتكر فيها السلطة استخدام القوة، بل هو ساحة سياسية تتقاسم فيها مؤسسات الدولة الرسمية النفوذ مع فصائل مسلحة متعددة، تُشكّل ما يُعرف بـ"الدولة العميقة".

افرزت انتخابات تشرين الأول ٢٠٢١، قوى سياسية محافظة، نقلت المواجهة مع المنظمات الحقوقية من الضغط الضمني لتعطيل فاعليتها في مسارات التحول المجتمعي، الى مرحلة المواجهة المباشرة. حيث شنت جهات تقودها او ترتبط بها فصائل مسلحة مدعومة او منضوية ضمن أطر رسمية -في أحيان كثير تحت علم الجهات الحكومية الرسمية- حملات تضليل وتشهير واتهامات بالعمالة بحق منظمات المجتمع المدني، بحجة تأييدها للحراك المجتمعي والاحتجاجات التي حدثت ٢٠١٩. استمرت الانتهاكات وانماط العنف بحق النشطاء والمدافعين/ات عن حقوق الانسان، وثقت حالات اعتقال، وخطف، وقمع، وقتل، تنتهي بالغالب دون مساءلة وإفلات من العقاب. ما يميز أنماط الانتهاكات والقمع وحملات التضليل ضد المجتمع المدني، خلال السنوات الثلاث الماضية بانها كانت ممنهجة ومدعومة من قبل جهات رسمية، فقد استخدمت تلك الجهات موارد وإمكانيات الدولة، بعدما سيطرت على معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية. فقد طورت تلك الجهات استراتيجيات تكيفت مع أدوات وأساليب العمل المدني ذاتها، كحملات المناصرة والتعبئة المجتمعية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول الى شرائح واسعة من المجتمع، مما منحها قدرة أكبر على التأثير وفرض خطاباتها القمعية، مقارنة بمنظمات المجتمع المدني والنشطاء المدنيين/ات، افضى ذلك الى تقليص واضعاف الفضاء المدني وكتم الأصوات المطالبة بالإصلاحات ومنع الفساد المستشري في مفاصل الدولة.

تمويل المجتمع المدني وإشكالية الاستدامة في البيئات الهشة

خلال العقود الطويلة من الاستبداد السلطوي اثناء حكم البعث ١٩٦٨-٢٠٠٣، تقلصت مساحات المجتمع الى اقصى مدياتها. شكّل عام ٢٠٠٣ نقطة تحوّل مفصلية أتاحت إعادة فتح الحيز المدني وظهور مئات المنظمات التي سعت إلى إحياء العمل المدني وبناء نظام السياسي على أسس المبادئ الديمقراطية وتعزيز المشاركة المجتمعية وحماية الحريات العامة. ورغم الانتقادات التي ترى أن منظمات المجتمع المدني انزلقت نحو نمط مؤسسي يركز على الرواتب والمشاريع قصيرة الأمد بعيدًا عن الأجندات التحويلية، فإن هذا التوصيف يظل تبسيطيًا إلى حد كبير. إذ أن العديد من هذه المنظمات اضطرت للعمل ضمن بيئة سياسية وأمنية معقدة، تتسم بضعف الدولة، وتعدد مراكز السلطة، وتصاعد العنف، مما حدّ من قدرتها على تبني أجندات تغيير جذرية.

في هذا السياق الشائك، فإن التراجع الحاد في تمويل منظمات المجتمع المدني في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية، المرتبط بالحرب على أوكرانيا وتداعيات الصراع في المنطقة، لا يمكن النظر اليه بوصفه مجرد تحول في أولويات المانحين، بل يحمل تداعيات بنيوية عميقة على مستقبل الحيز المدني. فالأغلاق المفاجئ او التقليص الكبير في برامج المساعدات الإنسانية والتنموية والحقوقية، سبب تداعيات وخيمة العواقب، حيث أغلقت العديد من فروع المنظمات الدولية، وتوقفت برامج اعداد كبيرة من المنظمات المحلية، وفقد المستفيدون إمكانية الوصول الي الخدمات الأساسية خاصة ضمن البرامج الإنسانية. كذلك فقد العاملون/ات وظائفهم/نّ في هذا القطاع وقد تأثرت بشكل خاص الفئات الشابة والنساء، اللواتي يشكّلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في هذا المجال، حيث تحملن العبء الأكبر من الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه التحولات. كما ظل مسار التعافي بطيئًا، في ظل استمرار حالة عدم اليقين وتأخر تسوية الالتزامات المالية. وفي ظل بيئة سياسية تتسم أصلًا بالتقييد والتجزئة، قد يؤدي هذا الانكماش إلى إعادة إنتاج أنماط سلطوية تُهمّش المشاركة المجتمعية وتُعيد تركيز السلطة بيد الفاعلين السياسيين التقليديين.

الحيز المدني المغلق وتداعياته التشريعية والحقوقية

ان التداخل بين الهشاشة الأمنية سواء على المستوى الوطني وعلى المستوى الإقليمي والدولي، وتصاعد العنف السياسي، والتراجع الحاد في التمويل، أدى الى تداعيات وخيمة على بنية المجتمع المدني، فمؤشرات تقلص الحريات العامة وحرية التعبير والمساءلة والحوكمة والمشاركة السياسية للمواطنين/ات، تعيش اسوء فتراتها، حيث تراجع العراق ضمن مؤشر مراقبة الحيز المدني (CIVICUS Monitor) المحدثة، حيث يسجل العراق ضمن الدول المصنفة ذات الحيز المدني "المغلق" لعام ٢٠٢٦. وفي هذا السياق، برزت هيمنة متزايدة للتيارات المحافظة التي استطاعت فرض خطاب مضاد لحقوق الإنسان، نجحت في تعطيل او اضعاف تفعيل الأطر القانونية المرتبطة بالحريات العامة، مستفيدة من انكماش الحيز المدني وضعف الفاعلين/ات المستقلين/ات. وبدلا من تطوير الإطار القانوني بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الانسان، نجحت ايضًا تلك القوى في فرض مسارات تشريعية تميل الى انتاج أنماط تمييزية، وقد حدث ذلك مع تعديلات قانون الأحوال الشخصية رقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩، بما يهدد المكتسبات القانونية التاريخية للنساء ويعزز الأطر التمييزية، ويثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الحماية القانونية لحقوق النساء في العراق. وعلى المدى الأوسع، يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل المجال العام باتجاه أكثر محافظة وإقصاءً، وتقويض فرص تحقيق تنمية شاملة قائمة على العدالة والمساواة، مع تعزيز أنماط حكم غير خاضعة للمساءلة وتقييد إمكانيات الإصلاح البنيوي طويل الأمد.

ختاماً، رغم كل ما سبق من تحديات بنيوية وضغوط متراكمة، يبقى المجتمع المدني العراقي حاضراً ومقاوماً، وإن كان حضوراً يتشكل في الهوامش ويعمل في الظل. فالمنظمات التي نجت من موجات القمع المتتالية لم تنجُ بالصدفة، بل طورت قدرة استثنائية على التكيف والابتكار في أضيق الفضاءات وأكثرها خطورة. إن استمرار نشاط مدافعي حقوق الانسان رغم التهديدات، والمنظمات التي أعادت تنظيم نفسها بخطاب جديد دون أن تتخلى عن جوهر رسالتها، والشبكات غير الرسمية التي تحيا في رسائل مشفرة والفرق التطوعية الشبابية الصغيرة والبعيدة عن الأضواء، كلها أشكال من الصمود تستحق أن تُقرأ بوصفها فعلاً سياسياً في حد ذاتها. ومن هنا، فإن الرهان على مستقبل المجتمع المدني العراقي ليس رهاناً على المؤسسات وحدها، بل هو رهان على الإرادة الإنسانية التي أثبتت مراراً أنها قادرة على البقاء حتى حين تنهار كل الهياكل من حولها. وطالما بقي في العراق ناشط/ة واحد/ة يؤمن بحق الإنسان في العيش بكرامة وحرية، فإن المجتمع المدني لن يندثر، بل سيجد طريقه إلى التجدد في اللحظة التي تسمح بها الظروف.

احدث المنشورات
Apr 28, 2026
التعددية الأطراف عند مفترق طرق: من أزمة النظام إلى أزمة العدالة في المنطقة العربية - زياد عبد الصمد
Apr 27, 2026
الحروب والأزمة المناخية: البعد المُغيَّب للعدالة البيئية - سناء مسالم