Aug 31, 2022
تونس تتخلى عن الديمقراطية‪ ‬ - أمين الغالي
أمين الغالي
مدير مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
أمين الغالي
تونس تتخلى عن الديمقراطية – أمين غالي
 

يمثل استفتاء 25 جويلية 2022 على دستور جديد لتونس، وهو الثالث بعد الاستقلال والثاني بعد الثورة، أحد أهم التطورات التي شهدتها تونس بعد اعلان الرئيس السيد قيس سعيد حالة الاستثناء وتعليق الدستور في (25 جويلية 2021). في حين يزعم البعض أنه تصحيح مسار حاد به سياسيو العشرية السوداء 2011-2021 (مصطلح متداول بين مؤيدي الرئيس) الى ديمقراطية شكلية زبونية لا تراعي مصالح الشعب، يزعم شق آخر أنه انحراف بالسلطة وحياد عن مبادئ الديمقراطية أخرج تونس من مجموعة الدول الديمقراطية الى نظام هجين يغلب عليه الطابع الشعبوي.


بعد اللجوء الى الفصل 80 من الدستور في جويلية 2021 و اصدار الأمر الرئاسي عدد 117 في سبتمبر 2021 تم تجميع أغلب السلط في يد رئيس الدولة و المتمثلة في رئاسة السلطة التنفيذية حيث ينص الفصل  8 منه على أن "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة" بما يشمل ذلك من تمثيل للدولة و تحديد للسياسات العامة و ترأس مجلس الوزراء و قيادة القوات المسلحة ... كما منح هذا الأمر رئيس الجمهورية السلطة التشريعية من خلال الفصل الرابع الذي ينص على أن "يتم إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية" و الذي يسمح بالتشريع في جميع مجالات الشأن العام. كما منح هذا الأمر السلطة للرئيس لإحداث أو حذف أو تعليق أي مؤسسة دولة دون تبرير. كما تجدر الإشارة أنه حسب القوانين السارية، تترأس وزيرة العدل النيابة العمومية وبحكم ترأس رئيس الجمهورية الحكومة، فهو يعد الرئيس الفعلي للنيابة العمومية


ومن هذا المنطلق، و بتجميع لكل هذه السلط، عاشت تونس سنة من الانفراد بالسلطة حيث بادر رئيس الجمهورية بتعليق البرلمان ثم حله، حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب و تكوين مجلس جديد بآلية التعيين (المرسوم الرئاسي عدد 11 لسنة 2022) ، تعليق عمل هيئات مستقلة (الهيئة الوطنية لمكافحة الرشوة) و حل أخرى (الهيئة الوقتية للنظر في دستورية القوانين) و تغيير تركيبة أخرى (الهيئة العليا المستقلة للانتخابات) ، تمرير قوانين و تراتيب في شكل مراسيم و أوامر رئاسية غير قابلة للطعن وتعيين مسؤولين في الدولة بطريقة يصفها البعض على أنها تنبني على الولاءات.


كما اتسمت هذه السنة بتشكيك في الدور المحوري الذي تقوم به الأجسام الوسيطة كالأحزاب السياسة ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والنقابات وذلك من خلال خطاب عدائي يصل الى حد الاتهام بالخيانة و العمالة و من خلال مقاطعة للإعلام و لممثلي المجتمع المدني (باستثناء اللقاءات التي انعقدت غداة اللجوء الى التدابير الاستثنائية). كما اتسمت هذه الفترة بحملة شديدة اللهجة يشنها رئيس الجمهورية على القضاة من خلال تحجيم موقعهم من سلطة الى وضيفة ومن خلال التشكيك في نزاهتهم ومن خلال اتهامهم بالتقصير والرشوة وحتى التواطؤ مع الإرهاب. ولعل ذروة هذا التصادم بين رئيس الجمهورية والسلطة القضائية، وبعد حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب وتعيين مجلس جديد، تمثل في اعفاء 57 قاضيا يشغلون أعلى الرتب من خلال اصدار الأمر 57  في غرة جوان 2022 في تضارب تام مع مبدئ استقلالية القضاء وحسب إجراءات وصفت بالتعسفية.


وتبعا لكل هذا التصادم بين السلطة التنفيذية يرأسها رئيس الجمهورية وغالب المكونات ذات العلاقة بالديمقراطية (برلمان، هيئات مستقلة، قضاء، اعلام، مجتمع مدني، أحزاب سياسية، نقابات ...)، وفي مخالفة لمبادئ التشاركية، تم اتخاذ قرار بتغيير دستور الجمهورية التونسية الذي اعتبر نتاج مسار شعبي تشاركي خلال الفترة 2012-2014. وتجدر الإشارة أن هذا القرار أتى مخالفا للاستشارة التي انتظمت خلال الثلاثي الأول من 2022 والتي ورغم ضعف تمثيليتها (حوال 500 ألف مشارك من مجموع 9.1 مليون ناخب) فان فقط 36.5 صوتوا من أجل وضع دستور جديد.


وعلى الصعيد الاقتصادي، تواصلت الأزمة الاقتصادية في تونس حيث تمت المصادقة على ميزانية 2022 في مجلس وزاري بتاريخ ديسمبر 2021 خارج الآجال القانونية و في قطيعة مع كل الممارسات الفضلى في النقاش العلني و التشاور مع الجهات المعنية. كما مثلت هذه الميزانية عجزا بـ 8.5 مليار دينار والذي تسعى الحكومة الى تغطيته (أو جزء منه) من خلال قرض من صندوق النقد الدولي و الذي عجزت الدولة على تأكيده الى غاية كتابة هذه الأسطر. كما تشهد تونس خلال هذه الفترة نسب تضخم تجاوزت 8 بالمائة خلال شهر جويلية 2022 متجاوزة بذلك المعدل السنوي طوال السنوات المنقضية. ويتزامن هذا التضخم مع نقص في عدد من المواد الأساسية في الأسواق (سميد ومشتقاته، سكر، زيت نباتي، بعض الأدوية...) بعضها بسبب تبعات أزمتي كوفيد والحرب في أكرانيا، والبعض الآخر بسبب شح الموارد المالية في البلاد. وتفسر هذه الأزمة الاقتصادية بعجز أصحاب القرار على اتخاذ القرارات الإصلاحية اللازمة (مكافحة الريع، مكافحة الاقتصاد الموازي، اصلاح ضريبي، تحسين الحوكمة، تحرير العملة...) و التركيز على قوانين توصف بالشعبوية بخصوص مكافحة الاحتكار و بعث الشركات الأهلية التي لم تساهم في الحد من الأزمة الاقتصادية. كما تتسم هذه الفترة بضعف الاستثمار الداخلي والخارجي نظرا لضعف الثقة في الاقتصاد التونسي وفي مستقبله.


كما شهدت تونس خلال الفترة الفارطة برودا في العلاقات الدبلوماسية مع عدد من الدول الشريكة والصديقة خاصة منها الدول التي دعمت ولازالت تدعم الديمقراطية الناشئة. حيث عبر عدد من الدول والمنظمات الدولية على انشغالهم بشأن المسار المتبع من خلال بلاغات وبيانات ومواقف خلال زيارات و لقاءات مع وفود رسمية. كما شهدت هذه العلاقات اتهامات تونسية لدول صديقة بالتدخل في الشأن الوطني وصلت الى غاية طرد للجنة البندقية بعد تقييمها السلبي لمسار الاستفتاء.    


وبالرجوع الى الشأن السياسي، وبعد اعلان الاستشارة الوطنية الالكترونية التي تم تقديمها كمناسبة قدم فيها الشعب رأيه حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم ضعف المشاركة (لا تتجاوز 5 بالمائة من مجموع الناخبين) تم الحشد من قبل رئيس الجمهورية مستعينا بأجهزة الدولة وبتبرير من قبل عدد من الخبراء في القانون الدستوري من أجل الاستفتاء على دستور جديد. وبضغط من المجتمع المدني والقوى السياسية تم الإعلان عن لجان لصياغة مسودة الدستور بصفة فوقية شابها عدد من الاخلالات، ورغم ذلك اختار رئيس الجمهورية أن يضع جانبا المسودة المقدمة من قبل اللجنة المعينة وتقديم مسودة مغايرة تؤسس لنظام رئاسي يصفه الخبراء "بالرئاسوي" ولنظام لا يحترم مبدئ التوازن بين السلط. ورغم حفاظ هذا النص على باب الحقوق والحريات بالمقارنة بدستور 2014، الّا أنه أضعف كل آليات دعم هذه الحريات (تحجيم دور القضاء، الغاء التنصيص الدستوري على الهيئات المستقلة ذات العلاقة بحقوق الانسان، عدم استقلالية أعضاء المحكمة الدستورية...). و بعد حملة انتخابية ضعيفة و بسبب تشتت المعارضين لهذا المشروع، تمت المصادقة على الدستور الجديد بنسبة عالية 94.6 لكن بنسب مشاركة متدنية 30,5  بالمائة من إجمالي الناخبين في ضل مقاطعة واسعة للطيف السياسي و المدني لهذا الاستفتاء. 


وتبعا لهذا التتويج للدستور الجديد دخلت تونس مرحلة جديدة في تاريخها المعاصر بإعلان الجمهورية الثالثة بدستور جديد. بناءا على محتوى هذا الدستور واستئناسا بطريقة الحكم وتسيير الدولة في السنة المنقضية، يمكن التنبؤ بمستقبل البلاد الذي سيتسم بسلطة واسعة وانفرادية لرئيس الجمهورية وبعلاقة متوترة بين السلطة التنفيذية والأجسام الوسيطة تتسم بتهميش، واقعي اليوم لكن قانوني في المستقبل القريب، للأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنقابات. حيث يترقب المتابعون للشأن العام مراجعة عدد من القوانين ذات العلاقة تمهيدا للانتخابات التشريعية التي ستنعقد في أواخر 2022 كقانون الانتخابات وقانون الأحزاب وقانون الجمعيات. كما يعبر الإعلاميون على تخوفهم من الانتكاسة على مكسب حرية الاعلام (ايقافات ومحاكمات عسكرية لصحافيين، تهميش لدور هيئة تعديل الاعلام، ربما مراجعة قوانين الصحافة والإعلام...). كما سيتواصل ضعف احترام سيادة القانون خاصة بعد تجربة رفض الدولة تطبيق الأحكام القضائية الداعية لإرجاع القضاة المعفيين في محالفة لمبادئ سيادة القانون واضعاف القضاء من سلطة الى وظيفة في نص الدستور وتعيين المجلس الأعلى للقضاء من قبل رئيس الجمهورية والتشكيك في استقلالية و كفاءة المحكمة الدستورية نظرا لتعيينها من قبل رئيس الجمهورية. مما يساهم في تواصل انتهاكات حقوق الانسان نظرا لتواصل الدعم الضمني لقوات الأمن الذين يتمتعون بحصانة فعلية وافلات كلّي من العقاب.


 أمين غالي