المشاركة السياسية للمرأة العراقية بعد 2019: بين طموح الأرقام وتحديات التمكين - آمال الكباشي
المشاركة السياسية للمرأة العراقية بعد 2019: بين طموح الأرقام وتحديات التمكين
لم يكن الحراك الجماهيري الذي اجتاح العراق في عام 2019 مجرد مطالبة بتحسين الخدمات، بل كان زلزالاً سياسياً أعاد تشكيل قواعد اللعبة الانتخابية، فاتحاً الأبواب أمام فئات مجتمعية كافحت طويلاً لانتزاع مكانتها، وفي مقدمتها المرأة العراقية. ومع اعتماد القانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 وتنظيم الانتخابات المبكرة في تشرين الأول 2021، لم تعد مشاركة المرأة مجرد تكملة عدد لملء مقاعد الكوتا، بل تحولت إلى رقم صعب في المعادلة السياسية، حيث شهدت هذه الدورة قفزة تاريخية بفوز مباشر لعدد كبير من المرشحات منهن خارج حسابات الكوتا.
إلا أن هذا المشهد الصاعد، الذي استمرت أصداؤه حتى انتخابات عام 2025، يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نجحت الكثرة العددية في مجلس النواب العراقي في التحول إلى قوة تشريعية مؤثرة؟ وبينما تفتح الأرقام باباً للتفاؤل، تظل التحديات الأمنية، والقيود الحزبية، والموروثات التقليدية تفرض ظلالها على جودة هذه المشاركة، مما يجعلنا نتساءل عن المسافة الفاصلة بين الوصول إلى المقعد وصناعة القرار.
مثّلت انتخابات تشرين الأول 2021 نقطة تحول جوهرية في شكل الوجود النسوي داخل مجلس النواب العراقي. فلم تقتصر النتائج على تحقيق زيادة كمية بواقع 14 مقعداً إضافياً عن الدورات السابقة، حيث فازت 97 امرأة بمقاعد مجلس النواب البالغة 329، بنسبة تجاوزت29% من إجمالي المقاعد.
إن القيمة الحقيقية لهذه الدورة تكمن في صعود 57 مرشحة عبر الفوز المباشر، بعد حصولهن على أعلى الأصوات في دوائرهن الانتخابية دون الحاجة إلى نظام الكوتا الذي كان يُنظر إليه تاريخياً كمظلة حماية وحيدة للمرأة. هذا المتغير الرقمي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء انعكاساً للقانون الانتخابي الذي اعتمد نظام الدوائر الصغيرة، مما قرّب المرشحات من قواعدهن الشعبية وقلل من ضياع الأصوات لصالح الكتل الكبيرة، وكذلك تغير وعي الناخب الذي بدأ يمنح ثقته للمرأة بناءً على برنامجها وقربها من تطلعات الجمهور، وليس فقط كجزء من قائمة حزبية.
ومع ذلك، لم يخْلُ هذا الصعود من المفارقات، فرغم استثمار النساء للقانون الجديد للترشح الفردي، إلا أن النتائج النهائية أثبتت أن الغالبية العظمى من الفائزات كنّ منتميات سياسيا، هذا يشير بوضوح إلى أن الأحزاب التقليدية، رغم ما تمارسه من تمييز، لا تزال تمتلك المفاتيح اللوجستية والموارد المالية التي تجعلها الوسيلة الأكثر واقعية لدخول مجلس النواب، مما يضع المرشحة المستقلة أمام تحديات تمويلية وتنظيمية هائلة.
خلف بريق الأرقام والزيادة في عدد المقاعد، اصطدمت المشاركة السياسية للمرأة بواقع مركب من التحديات التي حدّت من قدرتها على المناورة داخل الفضاء العام، سبب غياب الحماية من الضغوط الهيكلية التي تفرضها البيئة السياسية والاجتماعية. فلا تزال المرأة تواجه تحديات أمنية وثقافة مجتمعية تساهم في ترسيخ الأدوار التقليدية. حيث تتعرض المرشحات والنائبات لأشكال من العنف اللفظي والابتزاز الرقمي الذي يستهدف تهميش أدوارهن وإضعاف تأثيرهن في المجال العام. كما واجهت النساء تمييزا واضحا مارسته الأحزاب السياسية في الوصول إلى الموارد المالية، وهو ما شكّل عقبة كبرى أمامهن خاصة المرشحات لأول مرة، اللواتي لا يمتلكن غطاءً حزبياً يوفر لهن تكاليف الحملات الانتخابية الباهظة
تجسدت هذه التحديات بوضوح خلال الدورة الخامسة (2021-2025)، إذ اتسمت المشاركة النسوية بالهامشية داخل اللجان السيادية، مع غيابٍ ملموس للمبادرات التشريعية النوعية الرامية للنهوض بالواقع الحقوقي للمرأة. وقد توج هذا المسار بالدور المثير للجدل الذي اضطلعت به لجنة المرأة والأسرة والطفولة في تمرير تعديلات قانون الأحوال الشخصية، وهو ما حوّل الوجود النسوي في كثير من الأحيان إلى حضور رقمي يفتقر للفاعلية الرقابية والتشريعية المستقلة. فبدلاً من تكريس دور المرأة كصانعة قرار، ساهمت هذه التوجهات في تحجيم إرادتها السياسية ورهنها بالتوافقات الحزبية والمذهبية، مما يضع مستقبل المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة أمام اختبار مصيري.
توجت انتخابات الدورة السادسة التي جرت في 11 تشرين الثاني 2025 هذا المسار الطويل من التدافع السياسي، حيث شاركت 2248 امرأة بنسبة 28.9% من إجمالي المرشحين في سباق محموم على مقاعد مجلس النواب. وأسفرت النتائج عن فوز 84 امرأة، وهو رقم وإن بدا أقل نسبياً من طفرة عام 2021، إلا أنه يرسخ وجود المرأة كعنصر ثابت بنسبة 25.5٪وهو الحد الذي يضمنه مبدا الكوتا الذي نص عليه الدستور في المادة 49/رابعا والتزم به قانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات غير المنتظمة بإقليم.
سجلت الإحصائيات تبايناً كبيراً بين الدورتين الخامسة والسادسة، فقد انخفض عدد النساء اللاتي فزن بمقاعدهن باستحقاق مباشر (خارج الكوتا) من 57 إلى 24 امرأة بنسبة انخفاض بلغت 58%. وعلى النقيض من ذلك، شهدت الدورة السادسة صعود 59 امرأة عبر نظام الكوتا، بزيادة قدرها 47% عن الدورة الماضية.
إن هذا الاستقرار الرقمي، مع مباشرة مجلس النواب الجديد لمهامه في أواخر عام 2025، يضع البرلمانيات أمام اختبار الاستحقاق النوعي. فالعودة إلى سقف الكوتا بعد أن تم تجاوزه سابقاً، تعطي إشارة قوية إلى أن التمكين السياسي لا يمكن أن يستند إلى القانون وحده، بل يحتاج إلى بيئة سياسية تحمي المرشحات من العنف وتضمن لهن تمويلاً عادلاً.
في المحصلة، إن هذا التباين الواضح بين الوصول إلى المقعد وممارسة السلطة الفعلية يؤكد أن معركة المرأة العراقية لا تنتهي بإعلان فوزها، بل تبدأ فعلياً عند محاولتها تفكيك أدوار التهميش داخل أروقة مجلس النواب ولجانه المتخصصة. تظل تجربتها في السلطة التشريعية محكومة بصراع مستمر بين طموح المشاركة وقيود الواقع المعقد، لذا فإن نجاح الدورة السادسة (2025-2029) لن يقاس بعدد النساء اللواتي حضرن الجلسة الأولى، بل بمدى قدرتهن على كسر العزلة السياسية وتقديم مبادرات تشريعية تلامس تطلعات المجتمع ومطالب الحراك الشعبي. إن الهدف الأسمى يبقى تحويل المرأة من مجرد فائزة بمقعد انتخابي إلى شريك حقيقي في صنع السياسات، ضمن عراق يسعى لترسيخ استقراره عبر تمثيل عادل وحقيقي لجميع مكوناته.
احدث المنشورات