Jul 04, 2022
القطاع الخاص الصحي في ظل أزمة كوفيد – أحمد العزب

القطاع الخاص الصحي في ظل أزمة كوفيد – أحمد العزب



مثلت جائحة كوفيد-19 تحدي غير مسبوق للنظام الصحي المصري، خصوصًا مع ذروة ازدياد الحالات في الموجات العديدة. مع بداية استعداد وزارة الصحة لمواجهة كوفيد-19 حددت وزارة الصحة مستشفيات الحميات والصدر الحكومية كوجهة أولى للمرضى لفرز الحالات المشتبه في إصابتها بكوفيد-19، ليعاد ويتم إحالة الحالات المؤكدة الى مستشفيات مخصصة للعزل.  



ومع الوقت وارتفاع الحالات، ضمت وزارة الصحة باقي المستشفيات العامة للفرز بجانب مستشفيات الحميات والصدر. خلال بداية الجائحة و فترة اللايقين التي كانت مسيطرة رفضت بعض مستشفيات القطاع الخاص استقبال الحالات المشتبه بها، ثم تم الاتفاق على نقل الحالات المؤكدة إصابتها بكوفيد-19 إلى مستشفيات العزل الحكومية. 



يرمي هذا المقال إلى إثبات أن المستشفيات العامة كانت الخط الاول والاساسي أمام ملايين المواطنين والمواطنات في مصر خلال أزمة صحية بحجم أزمة كوفيد، وأن القطاع الخاص الصحي رغم استحواذه على عائد ضخم من الأموال التي تصرف على الصحة من جيوب المواطنين كان جزءًا من الأزمة خلال الجائحة. 




البنية التحتية للنظام الصحي المصري: 


يوضح الرسم البياني التالي عدد المستشفيات والأسرة في مصر وتوزيعها بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص بحسب بيانات عام 2018. كما هو موضح بالجدول، عدد الأسرة في المستشفيات الخاصة يمثل نحو 27 % فقط من إجمالي عدد الأسرة على الرغم من أن المستشفيات التابعة للقطاع الخاص تمثل نحو ثلثي العدد الإجمالي للمستشفيات في مصر. 



وهو ما يعبر عن ارتفاع السعة السريرية في المستشفيات الحكومية عنها في المستشفيات الخاصة، وبالتالي القدرة الاستيعابية الأكبر للمستشفيات الحكومية مقارنة بالمستشفيات الخاصة.



المصدر: تقرير التنمية البشرية في مصر 2021



وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، يوضح الجدول التالي إحصاءات خاصة بعدد المستشفيات وعدد المترددين على القطاع العام خلال الفترة ما بين 2010 حتى 2019، ويتضح من هذا الجدول انخفاض عدد المستشفيات العامة، بالإضافة إلى انخفاض عدد الأسرة بشكل ملحوظ. على الناحية الأخرى، هناك زيادة في عدد المترددين على المستشفيات والعيادات الحكومية في 2019 مقارنة بعام 2010. 






بينما يوضح الجدول التالي ارتفاع عدد المستشفيات الخاصة خلال نفس الفترة.





الإنفاق الحكومي على الصحة: 



وفقا للدستور المصري الصادر في عام 2014، على الدولة أن تقوم بتوجيه ما لا يقل عن %3 من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق على الصحة. رغم وجود تحدي صحي بحجم الجائحة في 2021، كانت الصحة في المرتبة الخامسة  في أولويات الإنفاق الحكومي، ولم تتخطى نسبة الـ 1.5 من الناتج المحلي الإجمالي.



يوضح الجدول التالي ان الانفاق الحكومي على الصحة يأخذ اتجاها تنازليًا. تقوم تقوم الحكومة باعتماد تعريف موسع أحيانا لمعنى  الإنفاق الحكومي العام على الصحة، فبدلا من أن يكون الحساب قائم على المخصصات التي تذهب لوزارة الصحة فقط، التي هي أقل من النسبة الدستورية. بدلا من ذلك، تقوم بحساب جميع نفقات الجهات الحكومية العامة من الوزارات ( كوزارة الداخلية أو البترول) والهيئات العامة سواء كانت خدمية أو اقتصادية على الصحة، بالإضافة إلى خدمات توفير مياه الشرب والصرف الصحي، ليشمل كل ذلك الإنفاق العام على الخدمات الصحية، حتى تخرج من مأزق الاستحقاق الدستوري بنسبة ال3%. 






القطاع الخاص يحصل على الحصة الأكبر من الأموال: 



يحصل القطاع الخاص على النصيب الأكبر من تمويل الصحة، حيث توضح بيانات منظمة الصحةّ العالمية أن الإنفاق الخاص يمثل نحو 71 %من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في مصر، وفقا لتقديرات عام 2018 مقارنة بنسبة 29 %الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي.



 ترتفع نسبة حصة القطاع الخاص من تمويل الإنفاق الجاري على الصحة في مصر عن المتوسط السائد على مستوى العالم، والبالغ نحو 41 % وأيضا مقارنة بعدد من الدول ذات الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط مثل مصر.



في نفس السياق، تعتبر مصر من أعلى الدول من ناحية نسبة مساهمة المدفوعات المباشرة للأفراد (الإنفاق من الجيب مباشرة) في إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة، والتي بلغت قرابة 62% في عام 2018، وهي نسبة تقترب من ضعف المتوسط العالمي.






أهمية غير مستحقة: 


رغم هذه الحصة الكبيرة التي تذهب للقطاع الخاص من الأموال التي يدفعها المواطنون، فعندما واجه النظام الصحي تحدي بحجم كوفيد-19، كان القطاع الخاص جزء من الأزمة. على سبيل المثال، دارت معركة بين وزارة الصحة والقطاع الخاص حول تسعيرة استقبال حالات كورونا، عندما حاولت الدولة فرض تسعيرة لخدمات القطاع الخاص، وصل إلى 10 آلاف جنيه في الليلة الواحدة بالعناية المركزة، لكن تم رفض هذه التسعيرة من أصحاب مستشفيات القطاع الخاص ولوحوا برفض استقبال الحالات أصلا. 



انتقد العديدون سلوك القطاع الخاص في الأزمة من انفلات في التسعيرة التي تفوق طاقة الأغلبية الكبيرة من المواطنين و المواطنات. أحد التفسيرات لدور القطاع الخاص في الازمة ان ذلك نتاج عقود طويلة من غياب القواعد المنظمة لعمل القطاع الخاص الطبي، وانخفاض الإنفاق الحكومي على الصحة والذي يأخذ اتجاها تراجعيا. 



تجدر الاشارة الا ان الانفاق على الصحة يحتل المرتبة الثالثة لدى الأسر المصرية، وفقا لنتائج مسح الدخل والإنفاق للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2019/2020، بعد الإنفاق على الطعام والشراب والمسكن (إذ مثل ما نسبته 10.4% من إجمالي إنفاق الأسرة) ويوجه أكثر من نصف هذا الإنفاق إلى الأدوية والمنتجات والأجهزة الطبية. 


 

الخلاصة، أن التوسع الشديد للقطاع الخاص في الصحة دون ضوابط قد يكون مضرا في قدرة الدولة على التفاوض حول تسعيرة الخدمة، وخلال الأزمات الصحية الحادة، مازال القطاع الصحي الحكومي هو الخط الأول أمام المواطنين، وأن التوسع في الاستثمارات الحكومية في مجال إنشاء المستشفيات وتحديثها، وتحسين رواتب العاملين الصحيين، ورفع الإنفاق الحكومي على الصحة، هي أحد الدروس التي يجب الخروج بها من الجائحة، والتي ستساعد على إعطاء قوة تفاوضية للدولة في حالة الاحتياج للقطاع الخاص.



أحمد العزب