Jan 04, 2022
العدالة المغيبة والمحاسبة المنتظرة

العدالة المغيبة والمحاسبة المنتظرة - عصام يونس



يترسخ عاماً بعد آخر، وعلى جانبي الخط الأخضر في فلسطين، نظاماً من الأبارتهايد أشد وطأةً وتمييزاً وعنصرية من ذلك الذي خبرته جنوب أفريقيا منتصف القرن العشرين، إذ جرى ترسيخ نظام من الفصل العنصري مُؤسس وقائم على هندسة الواقع الجغرافي والديمغرافي ليضمن هيمنة واستعلاء الإسرائيليين اليهود على غيرهم، وحرمان السكان الأصليين من حقوقهم وحرياتهم الأساسية ممارسةً وتشريعاً.



ارتكبت إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال ما يرتقي لمستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عموم الأرض الفلسطينية، وعلى الرغم من حقيقة ارتكاب تلك الجرائم ولاسيما خلال العدوان الأخير الذي شنته على قطاع غزة في مايو 2021، إلا أن العدالة أبعد ما تكون عن التحقق، وتستمر التضحية بالمدنيين وحقوقهم، ويواصل الاحتلال ارتكابه للجرائم دون حد أدنى من الانصاف للضحايا، ودون إعمال لقواعد القانون ولاسيما قواعد المحاسبة وضمان عدم إفلات المجرمين بجرائمهم.



ولا تقتصر تلك الممارسات على منطقة جغرافية دون أخرى من مناطق الأرض الفلسطينية المحتلة، ففي الضفة الغربية، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ يناير وحتى يونيو ٢٠٢١، (٧٩) مواطناً وأصابت (١٤٥٠٨)، ولنفس الفترة قتلت (٢٦٥) وأصابت (2363) في غزة. كما التمس نحو (113,000) شخص مهجّر في غزة المأوى والحماية في مدارس تتبع لوكالة الأونروا أو لدى أسر لاستضافتهم، ولا يزال نحو (8,250) شخص ممن دمرت منازلهم مهجرين. 



لقد عملت ولازالت دولة الاحتلال، في عملية منظمة وواعية، على تحويل الفلسطينيين من شعب إلى جماعات، وواصلت تشديد حصارها الشامل الذي تفرضه على قطاع غزة للعام الرابع عشر على التوالي، وقيدت من خلال ما كرسته من إجراءات وسياسات على نحو خطير حرية حركة الأفراد والبضائع، وعزلت القطاع تماماً عن باقي الأرض الفلسطينية، وقيدت دخول الإمدادات الأساسية للقطاع مما تسبب في تدهور الحالة الإنسانية وأصبح حوالي (٨٠٪) من عائلات عزة تعتمد على المساعدات الإنسانية، ليتعدى كونه عقاباً جماعياً، ليصبح شكلاً من أشكال التخليف (de-development) التي تحاصر حاضر ومستقبل شعب بأكمله.



في المقابل، يتمتع الإسرائيليون وبالأخص اليهود بحرية الحركة والتنقل في مختلف المناطق والسفر والعودة متى شاءوا، ويستطيع اليهود في مختلف أنحاء العالم الحصول على الجنسية الإسرائيلية حتى إن لم يروا فلسطين من قبل، في حين لا يستطيع الفلسطيني حتى من زيارة المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل والتي ولد والده أو جده فيها، ولا يستطيع المريض الفلسطيني في كثير من الأحيان الحصول على تصريح للسفر لتلقي العلاج. 



وعزلت دولة الاحتلال مدينة القدس عن باقي الأرض الفلسطينية، وفي سباق محموم مع الزمن كثفت الاستيطان اليهودي في قلب المدينة المقدسة وسط عملية تطهير من سكانها الفلسطينيين الأصليين، وضيقت الخناق عليهم مستخدمةً ترسانة هائلة من القوانين والممارسات العنصرية مثل فرض الضرائب الباهظة على الأعمال والممتلكات، ورفض إصدار تصاريح البناء، وتغيير الطابع العربي، الإسلامي والمسيحي للمدينة. وما يتعرض له حي الشيخ جراح وسكانه في القدس الشرقية نموذجاً حاضراً للسعي المحموم للاستيلاء على منازل وممتلكات الفلسطينيين. ويجد المواطنون اليهود تسهيلات كبيرة تساعدهم في الاستيلاء على منازل السكان الأصليين، ويعفون من الضرائب وتقدم لهم التسهيلات والمساعدات عند سكنهم في المناطق المتاخمة للفلسطينيين بهدف تشجيعهم للتغول أكثر على حقوق الفلسطينيين، تحت نظر وحماية جنود الاحتلال.



لقد استمرت عمليات تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، وقطعت أوصالها من خلال مئات الحواجز العسكرية، وواصلت إسرائيل سيطرتها على الموارد الطبيعية لا سيما مصادر المياه، واستغلالها لصالح سكان دولة الاحتلال. تضم الضفة الغربية والقدس الشرقية (145) مستوطنة كبيرة، و(140) بؤرة استيطانية عشوائية، ويبلغ عدد المستوطنين نحو (660) ألف مستوطن، يعيش (230) ألفاً منهم في القدس الشرقية وحدها، والباقي في الضفة الغربية، ويتمتعون بوجود حيز جغرافي مترابط وحقوق كاملة. ويواجه الفلسطينيون أعمال عدوان متواصلة بحقهم وبحق ممتلكاتهم وفي أغلب الحالات لا يتم التحقيق فيها أو تقديم مرتكبيها للعدالة. 



ما قامت وتقوم به دولة الاحتلال، يشكل استمراراً لسياسة واضحة تهدف لتفتيت وحدة الأرض الفلسطينية، وتحويلها لتجمعات تحاصرها وتسيطر عليها وتمنع التواصل بينها وتتحكم فيها، ولا تدخر جهداً في استغلال حاجات السكان الفلسطينيين الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية كمنع وعرقلة توريد متطلبات فحص فايروس كورونا واللقاحات اللازمة، التي أخضعتها للتوظيف السياسي، في الوقت الذي يلزمها القانون الدولي بتقديمها مجاناً وعلى وجه السرعة للسكان المدنيين المحميين تحت سيطرتها. 

في ظل هذا الوضع شديد التدهور، ولاسيما في ظل تواصل ارتكاب جرائم حرب وانتهاك منظم لمبادئ حقوق الانسان وقواعد القانون الدولي، واصل المجتمع المدني الفلسطيني وعلى رأسها مؤسسات حقوق الإنسان دورها بالغ الأهمية في رصد وتوثيق تلك الجرائم والانتهاكات. وشكل مطلب تحقيق العدالة والمحاسبة وضمان ملاحقة مجرمي الحرب عنواناً أساسياً في عمل تلك المؤسسات، ولاسيما من خلال المحكمة الجنائية الدولية، التي قررت فتح تحقيق في انتهاكات القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية، ما جعلها عرضة لحملات منظمة من قبل إسرائيل وأذرعها الرسمية وغير الرسمية، هدفت إلى نزع الشرعية المهنية عنها وربطها بالإرهاب واللاسامية وبأنها مؤسسات ذات طابع سياسي. وعملت على تجفيف مصادر تمويلها وترهيب شركائها وأصدقائها، وربطت بين نقد الاحتلال واللاسامية، وسمّت المطالبة بالمحاسبة عملاً لا سامياً. 



وفي تطور لاحق، صنفت إسرائيل ستة من المؤسسات الفلسطينية الرائدة بأنها مؤسسات إرهابية، ما يعني حظر عملها ومصادرة أموالها وممتلكاتها واعتقال ومحاكمة عامليها وكل من يتعامل معها سواء كانوا شركاء أو حتى من الضحايا. ويعتبر هذا التصنيف خطوة أولى لاستئصال المجتمع المدني الفلسطيني، وقد صرحت السيدة باشليت، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان "إن قرار إسرائيل تصنيف ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية كـ "منظمات إرهابية" هو هجوم على المدافعين عن حقوق الإنسان وعلى حرية تكوين الجمعيات والرأي والتعبير وعلى الحق في المشاركة العامة، ويجب إلغاؤه على الفور." وقد أكد البيان أن قرارات التصنيف بموجب قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي للعام ٢٠١٦ "تستند إلى أسباب مبهمة للغاية أو لا أساس لها". 



وكانت منظمتي العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، قد أصدرتا بياناً مشتركاً أكدتا فيه أن القرار هو اعتداء على حركة حقوق الإنسان الدولية، وبأن إسرائيل عمدت "على مدى عقود بشكل ممنهج إلى تكميم رصد حقوق الإنسان ومعاقبة أولئك الذين ينتقدون حكمها القمعي للفلسطينيين. ومع أن عاملين في منظمتين واجهوا الترحيل وحظر السفر، فقد كان المدافعون الحقوقيون الفلسطينيون يتحملون دائماً وطأة القمع، لقد أدى تقاعس المجتمع الدولي على مدى عقود عن التصدي للانتهاكات الحقوقية الإسرائيلية الخطيرة وعن فرض عقوبات مجدية عليها إلى تحفيز جرأة السلطات الإسرائيلية على التصرف بهذه الطريقة السافرة. وستكون طريقة استجابة المجتمع الدولي الاختبار الحقيقي لعزمها على حماية المدافعين الحقوقيين. 




إن الكلمة المفتاحية في الأراضي الفلسطينية هي المحاسبة، وفي غيابها سوف يستمر مسلسل التغول على حقوق الفلسطينيين وترك الضحايا دون حد أدنى من العدالة والنصفة، ما يفسر تكرار مشهد الجرائم وتكريس نظام من الفصل العنصري والاستعلاء القومي والعرقي وهو شعور دولة الاحتلال الدائم بأنها محصنة وبأنها فوق القانون، فمن يأمن العقاب يسيء الأدب، ويعرض الأمن والسلم الإقليميين والدوليين لخطر كبير.



عصام يونس