Jan 04, 2022
السودان تحديات الانتقال المدني الديمقراطي وتداعيات ما بعد انقلاب 25 أكتوبر

السودان تحديات الانتقال المدني الديمقراطي وتداعيات ما بعد انقلاب 25 أكتوبر - مدني عباس مدني



أسست ثورة ديسمبر 2018 لواقع سياسي واجتماعي جديد يكاد يكون منفصلاً بالكامل عن واقع الدولة ما بعد الاستعمارية في السودان، فعلى الرغم من أنه السودان شهد ثورتين سابقتين وهما ثورة أكتوبر 1964 وابريل 1985. إلا أن ملامح وتحديات ثورة ديسمبر بدت ولاتزال مختلفة، فهي ليست تغيير سطحي أو شكلاني على مستوى قمة جهاز الدولة بل مثلت تحولاً شعبيا كاملاً يسعي لتحقيق شعارات الثورة (سلام، حرية وعدالة). وقد كان النضال من أجل تحقيقه الثورة مضني و عظيم فقد واجه الشعب السوداني نظام معقد ودولة زبونية متعددة التحالفات حيث استمر مسار الثورة 4 اشهر حتى إسقاط البشير في ابريل 2019 لم تكن هي نهاية المطاف، ثم كان اعتصام الثور لمدة شهرين لمنع القادة العسكرية من السيطرة على فترة الانتقالية وجعلها تحت سيطرة المدنيين، وقد انتهي الاعتصام بشكل مأساوي حيث تم فض الاعتصام من قبل العسكريين في بشكل مأساوي خلف أكثر من مائتي قتيل ومئات الجرحي وعشرات المفقودين، لم تفت هذه الوحشية من عضد الثورة والثوار حيث تواصلت الضغوطات الشعبية رغم التضييق والعسف حتى اضطر القادة العسكريين لتوقيع اتفاقية مع القادة المدنيين في وثيقة دستورية في أغسطس 2019م منحت صلاحيات كبيرة للجانب المدني لكنها لم تحقق كل المطالب الشعبية.



دشنت هذه الاتفاقية لشراكة بين العسكريين والمدنيين استمرت هذه الشراكة حتى انقلاب العسكريين في ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ وهو انقلاب للتخفيف سؤته أو مداراة طبيعته كان الاتفاق الجبري الذي أعلن عنه ٢١ نوفمبر

من العام 2021 بين قائد الجيش البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك - والذي لم يستطع رغم ما تمتع به من قبول جماهيري- في اقناع الجماهير الرافضة للانقلاب بقبول افاقه مع قادة الجيش وظلت الاحتجاجات السلمية مستمرة رغم استشهاد العشرات من الثوار السلميين حتى الان.



العام 2021 بدايات مبشرة وأحلام موؤدة.

لقد كانت بدايات العام 2021 مبشرة ملامح استقرار اقتصادي وسياسي في السودان، حيث وقعت في أكتوبر من العام 2020 اتفاقية سلام جوبا والتي شملت العديد من حركات الكفاح المسلح في السودان، وبدأ خلال العام 2021 التفاوض مع الحركات الأخرى وكان من المأمول أن يشهد العام 2021 اكمال الاتفاق مع كل الحركات التي كانت تحمل السلاح ضد نظام البشير خاصة بعد نجاح ثورة ديسمبر في إسقاط البشير منذ ابريل 2019.



وفي المسار الاقتصادي شهد العام 2021 تقدما ملحوظاً في مجال إلحاق السودان بالمنظومة الاقتصادية الدولية وفك العزلة التي كانت تطوقه لحوالي الثلاثين عاماً. حيث عقد بباريس اتفاق لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان، كما تحصل السودان على إعفاء 23 مليار من ديونه وكانت لتصل لخمسين مليار عبر مبادرة هيبيك ليتمكن من الحصول على الدعم والقروض من المؤسسات المالية الدولية. وبالفعل تحصل السودان على اتفاق بمنحة تصل إلى 2مليار دولار مباشرة بالإضافة التمويل الذي تلقاه السودان لدعم برنامج التحويل النقدي المباشر والذي يستهدف 80% من السكان، كما استقر سعر الصرف الجنيه السوداني بعد تحريره. وبالتأكيد فإن لهذه السياسات الإصلاحية تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي غير السهة على الحياة المعيشية للسودانيين، ولكنها لم تكن محل خلاف بين العسكريين والمدنيين في السودان.



وهنا من باب الدقة اشير الى أن سياسات الاصلاح الاقتصادي للحكومة رغم الحديث عن تأثيراتها اايجابية من حيث مؤشرات الاقتصاد الكلي، ولاكن لجوء الحكومة لرفع الدعم عن سلع اساسية، ساهم في زيادة الضنك المعيشي خاصة في في الاوساط الاكثر هشاشة وفقراً.



وعلى صعيد أخر فقد توسع الفضاء المدني بشكل كبير، وانفتحت مساراته لمنظمات المجتمع المختلفة بحرية كبيرة وقد كانت العمل يتم هلي تعديل قوانيين العمل المدني والنقابي لتتوائم مع حرية التعبير والتنظيم، كما أوقفت كل المجموعات المسلحة عملها العسكري حتى التي لم توقع اتفاقيات سلام مع الحكومة الانتقالية، مما انعكس ايجابا على أوضاع النازحين بسبب الحروب الاقليمية في السودان عدا حوادث معزولة.



حجج الإنقلابيون الواهية ورغبات الحكم المستترة:

 يبدو من العسير قبول الحجج التي ساقها قادة الجيش الإنقلابيون لتبرير انقلابهم على الوضع الدستوري في السودان في يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021، عن تتدهور الاحوال بسب الاداء الحزبي وسيطرة مجموعة من الاحزاب على السلطة الانتقالية، فالأوضاع الاقتصادي ولو نظريا تمضي في مسار أفضل مما ورثه السودان من حكم نظام عمر البشير، ايضا فان تحقيق اتفاق السلام ولو كان جزئيا كان يؤشر لتحسن سياسي واجتماعي، أما الحديث عن الصؤاع بين مكونات سياسية فهو تكاة بائسة لتدخل الجيش فالصؤاع السياسي يحل بأدوات سياسية فقط.



ان تفهم دوافع الانقلاب العسكري يمكن أن تفسرمنطقياً بعدة أسباب منها ماهو مرتبط بوقف انتقال السلطة للمدنيين حيث كان من المقرر تحول رئاسة المجلس السيادي للمدنيين في نوفمبر 2021, ويحتفظ العسكريون بمصالح اقتصادية كبيرة حيث ظلوا يراوغون في الاستجابة لطلب السلطة التنفيذية بعودة الشركات الحكومية العسكرية الى السلطة التنفيذية المدنية، حيث تسيطر هذه الشركات على قطاعات اقتصادية متعددة، وتقوم بتصدير نسبة مقدرة من سلع الصادر دون الخضوع لسلطات المراجع العام أو التقيد بضوابط وزارة المالية، كما ظل القادة العسكريين يتهربون من الايفاء باستحقاق اصلاح المنظومة العسكرية والامنية كما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية 2019، كما يتخوف القدة العسكريين من أن يقود تسليمهم السلطة للمدنيين من فتح ملفات الانتهاكات والجرائم التي يتهمون بها ومنها التورط في فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، يضاف الى ذلك كله العلاقات القوية بين القيادت العسكرية والمحاور الاقليمية التي لا تفضل التعامل مع المدنيين أو أي نظام ديمقراطي.



لقد جوه الانقلاب العسكري برفض شعبي واقليمي ودولي، كما حظي بالقبول والمناصرة من محاور اقليمية ومن الصين وروسيا واسرائيل، الا أن الضغوط المتواصلة على الإنقلابيين من الداخل والخارج نجحت في ايقاف سرعة الانقلاب ولو لفترة ولكنها لم تنجح في اعادة البلاد الى مسار الانتقال المدني الديمقراطي.



محاولة الرجوع لما قبل الثورة من تضييق واستبداد:

شهد الانقلاب في أيامه الاولي تعسفا شديداً وكبتا للحريات العامة والحقوق السياسية والمدنية، حيث قام القادة العسكريون باعتقال القيادات السياسية والمدنية والنقابية وبعض الاعلاميين، كما واجه الثوار المحتجين بالعنف المفرط من أدي الى استشهاد 44 من المحتجين السلميين وعشرات الجرحى، بعضهم اصابات بالعة أدت للإعاقة، كما تم فصل قيادات الخدمة المدنية وقادة الاجهزة الاعلامية في قرارات متتالية وسريعة، كما تم ايقاف خدمة الانترنت والاتصالات لفترة ليست بالقصيرة، اوقفت اذاعة الاف ام لفترات متفاوتة حيث عادت أخر اذاعة للعمل في 11 ديسمبر الجاري.



تأثرت حركة ومساحات عمل المجتمع المدني تأثرا بالغاً بسبب حدوث الانقلاب العسكري، فلقد شهد الفضاء المدني حركة ونشاطاً واسعاً عقب سقوط نظام البشير، وبدأت منظمات المجتمع المدني برامج متنوعة للتثقيف المدني والسياسي، كما توقف بعض المانحين لمنظمات المجتمع المدني عن دعم الانشطة المصممة بناء على مناخ دعم الانتقال المدني والديمقراطي.



المقاومة القاعدية:

 من اللافت أن النشاط المقاوم للانقلاب يخوضه ويقودة منظمات مدنية قاعدية يصطلح على تسميتها (لجان المقاومة) وهي بالتأكيد جزء من الفضاء المدني العريض وبعض ملامح الحركات الاجتماعية معززة للمشاركة السياسية غير الحزبية، وقد نشطت هذه اللجان في عملها قبل وبعد سقوط نظام البشير، ولكن حضورها بشكل مؤثر عقب الانقلاب ونجاحها في قيادة الحراك الجماهيري عقب الانقلاب، وفي ظل ضعف الحركة الساسية خاصة لعد اعتقال قيادات الحرية والتغيير التي تمثل المكون المدني في شراكة الانتقال الديمقراطي في السودان جعل منها الصوت الاقوي والأكثر تاثيراً في المجال السياسي الان, وقد بدأ العديد من هذه اللجان تنظيم نفسه في مؤتمرات فاعدية كما يتميز عملها بالتنسيق والترابط، وقد دشنت بشكل أوبأخر للاعب جديد ومؤثر في الفضاء العام في السودان، 



ختاماً، الاحتمالات متعددة ومفتوحة في ظل واقع سياسي واجتماعي يمتاز بدينامية عالية، كما تبقي مساحات وفضاءات العمل المدني مرتبطة بشكل كبير بما تقود اليه العملية السياسية في السودان، بين احتمالات نجاح القادة العسكريين في المضي في انقلابهم بتكتيكات جديدة تتجاوز الضغط الداخلية والخارجية عليهم، أو بنجاح العمل المقاوم الثوري في نقل البلاد الى مربع انتقال مدني دمقراطي كامل، كما تبقي احتمالا أخر وهو الوصول الى تسوية تعيد الشراكة بين العسكريين والمدنيين، نجاح أي من هذه الاحتمالات سيؤثر بشدة على مستقبل السودان ككل وعلى الفضاء المدني اتساعا وتقليصا في مقبل الأيام.



مدني عباس مدني