May 14, 2026
الحقّ في المياه في العالم العربي: التحدّيات والاعتبارات المتعلّقة بتغيُّر المناخ
رولاند رياشي
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
رولاند رياشي
هذا التقرير هو جزء من تقرير الراصد العربي ٢٠٢٥ عن الحق في المياه وتغيّر المناخ.

الحقّ في المياه في العالم العربي: التحدّيات والاعتبارات المتعلّقة بتغيُّر المناخ

د. رولان رياشي

مقدمة

يُشكِّلُ الوصول إلى مياه آمنة وخدمات صرف صحّي ملائمة أحد أهمّ المتطلّبات الأساسية للحفاظ على كرامة الإنسان، وحماية الصحّة العامّة، وتوفير ظروف اجتماعية-اقتصادية لائقة. ومع ذلك، لا يزال هذا الوصول غير متكافئ إلى حدّ كبير في مختلف أنحاء العالم العربي، ومحصورًا بقيود هيكلية، ومُهدَّدًا بشكلٍ متزايد. يتناول تقرير الراصد العربي لعام 2025 كيفية تأثير استخدام المياه وسوء استخدامها والسياسات المفروضة على المجتمعات في المنطقة، مع إيلاء اهتمام خاصّ للفئات المهمّشة. ويتتبّع التقرير التطوُّرَ التاريخي لنماذج توزيع المياه في بلدان مختلفة، كما يُشير إلى أبرز التحدّيات التي تُعيق توفير هذا الحقّ الجوهري. ومن خلال تحليلات موضوعية وتقارير وطنية ودراسات حالات نموذجية، يُقيِّم التقرير قضايا المياه على المستوى الوطني من منظور الاقتصاد السياسي، مع تحليلٍ نقديّ للسياسات النيوليبرالية وآثارها على المجتمعات الأكثر هشاشة والبيئة. وبدلًا من التسليم بمنطق الإدارة التكنوقراطية البحتة للمياه، يطرح التقرير رؤيةً تَعتبِر المياه موردًا مشتركًا يُدار بشكل عام وديمقراطي وسيادي، ويُوزَّع على نحو عادل. إنَّ هذا العمل مُوجَّه إلى الحركات الاجتماعية، ومنظّمات المجتمع المدني، والجهات المحلّية، والهيئات الدولية، بهدف الدفع نحو سياسات مائية شاملة وعادلة اجتماعيًا، وحلول قائمة على الطبيعة في المنطقة.

يرفض التقرير الرؤية التبسيطية السائدة التي تُصوِّر أزمة المياه على أنَّها مجرّد مشكلة تقنية أو إدارية أو ناتجة عن ندرة طبيعية. وبدلًا من ذلك، يُبيِّن التقرير كيف تُقاد عملية صنع القرار بهيمنة رأس المال الدولي وكيف يُستبعَد منها المواطنون بشكلٍ منهجي، وكيف تخضع للسيطرة الكاملة كما في حالة فلسطين. بدءًا من الحرب على العراق عام 2003، مرورًا بالحروب في سوريا وليبيا منذ عام 2011 واليمن منذ عام 2014، وصولًا إلى الحرب في غزّة ولبنان منذ عام 2023 والسودان حتّى عام 2024 وإيران في عام 2026، إلى جانب ما كُشِفَ من هشاشة الاعتماد على تحلية المياه في دول الخليج، فإنَّ قضية المياه تعكس مَظاهِر الظلم الاجتماعي.

لقد أسهمت الحروب وظواهر تغيُّر المناخ والأزمات الاقتصادية وإجراءات تكثيف الزراعة والتوسُّع العمراني وأشكال التلوُّث الصناعي والاستخراجي، إلى جانب عقود من الاستغلال الشديد للأراضي والمياه، في إحداث أزمة مائية متعدّدة الأبعاد. يقع العبء الأكبر لهذه الأزمة على الفقراء والمهمّشين: المجتمعات الريفية، والفلّاحون، والصيّادون، والعمّال المهاجرون، واللاجئون، والنساء والأطفال، والأقلّيات. ونظرًا لما تُخلِّفه هذه الأزمة من آثار واسعة النطاق على الصحّة وسُبُل العيش والأمن الغذائي والظروف الاجتماعية-الاقتصادية عمومًا، فإنَّ تحديد الدوافع السياسية والاقتصادية لهذه الأزمة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية يُعَدّ أمرًا ضروريًا للغاية.

يُقدَّر أنَّ نحو 50 مليون شخص في العالم العربي لا يحصلون على مياه شرب آمنة، بينما يفتقر 154 مليون شخص إلى خدمات الصرف الصحي السليمة. وتُخفي هذه الأرقام فوارق شديدة بين سكّان الأرياف وسكّان المُدُن وفي المناطق المتأثّرة بالنزاعات (الإسكوا، 2024). وما زالَ سكّان الأرياف هم الأكثر حرمانًا، إذ تتدنّى معدّلات الوصول لديهم عن المتوسّطات في المُدُن بهامشٍ واسع. وتزداد هذه الفجوة حدّةً في مناطق النزاع حيث تتعرّض البنى التحتية المائية لأضرار مُمَنْهَجَة أو لدمارٍ كامل. ويُعتبَر العالم العربي من بين المناطق الأكثر تبايُنًا على مستوى العالم (الإسكوا، 2022). إلى جانب التركيز الشديد للثروة، لا تزال المجتمعات العربية تُواجِه انتشارًا ملحوظًا للنماذج الاستبدادية التي لا يمكن فصلها عن رأس المال المالي العالمي. ويتعزّز ذلك جرّاء التأثير المتنامي للمؤسّسات المالية الدولية والإقليمية منذ اعتماد مبدأ دبلن الرابع في عام 1992، الذي رَسَّخ المياه كسلعة اقتصادية، ممّا شجَّعَ الخصخصة وتصفية الأصول العامّة.

يُستهَلُّ هذا الفصل بنظرة عامّة على السياق الإقليمي والتهديد المُتسارِع الذي تطرحه ظاهرة تغيُّر المناخ، ثمّ يُقدِّم نبذة عن التاريخ الطويل لحقوق المياه ونماذج التنمية في العالم العربي، بدءًا من الأُسُس الإسلامية والعثمانية مرورًا بالامتيازات الاستعمارية، ثمَّ المشاريع الكبرى في فترة الحرب الباردة، وصولًا إلى موجة الخصخصة النيوليبرالية. بعد ذلك، يتطرّق هذا الفصل إلى مسألة إخفاقات الحوكمة، والمساءلة الدولية، والحقّ في المياه في إطار الهدف 6 من أهداف التنمية المستدامة. ويستعرض الفصل منظورًا عامًّا حول الإيكولوجيا السياسية بشأن المياه، موضحًا تقاطُع القوى بين النفوذ والاستبعاد والنزاعات على الموارد المشتركة التي تُحدِّد مقدار الوصول إلى المياه في المنطقة. ويُقدَّمُ تحليلٌ مُقارَن حيث تُلخَّص النتائج ضمن خمسة عشر سياقًا وطنيًا، تليه فقرة ختامية تتضمّن سلسلةً من التوصيات للتغيير التحويلي نحو نموذج مائي ما بعد النيوليبرالية حيث تستعيد المياه دورها باعتبارها موارد مشتركة.

احدث المنشورات
May 13, 2026
دراسة حالة: الحقّ في المياه في السودان
May 08, 2026
الحق في المياه في المغرب: بين الندرة وتفاوتات الولوج - نحو عدالة مناخية ومجالية