Jan 04, 2022
الحريات في العالم العربي بين أزمة كورونا وواقع الإنتقال

الحريات في العالم العربي بين أزمة كورونا وواقع الإنتقال - مي مكي



في ظل انشغال العالم بتطورات الجائحة "وتحولاتها" وأثرها المباشر على الواقع الإقتصادي، لا زال يغيب عن الأذهان الأثر على الواقع الحقوقي، خاصة على المدى الطويل. على المستوى الدولي بشكل خاص، وعند تاريخ كتابة هذا المقال، إن النقاشات المتعلقة بالإقفال العام والحريات التي يقيدها والمتعلقة بقضايا اللقاحات وحرية تلقيه هي التي تتصدر الصحف وتلقى حيزًا كبيرًا من الإهتمام، بدلاً من القضايا المتعلقة بالفضاء المدني والتأثير الطويل الأمد للجائحة عليه. وهذا ما يغيّب نقاشات حقوقية في غاية الأهمية، هي الأكثر صلة بواقع العالم العربي وما يعانيه من تراجع في الحيز المدني. فالعالم العربي كان ولا يزال يشهد تراجعاً في الواقع الحقوقي، خاصة بعد انكفاء الموجة الأولى من الربيع العربي أمام هجمة مضادة من الأنظمة التي حاولت إسقاطها. واليوم، لا يمكن قراءة هذا التراجع إلا في سياق التحولات التي تمرّ بها المنطقة العربية من اجتماعية وسياسية واقتصادية، والتي زادت الجائحة من تعقيدها. إن الموجة الثانية من الربيع العربي والتي أعادت إلى الشعوب أحلام الديمقراطية والعدالة، بدأت تشهد اليوم أيضاً مقاومة من مختلف أركان الدولة العميقة التي ترفض أي تغيير. يسعى هذا المقال الى تبيان واقع الانتهاكات والتقييد على المجتمع المدني في المنطقة العربية، في إطار الحركات الإجتماعية التي شهدتها مؤخراً، ثم عرض مختلف الإتجاهات التي كرستها الجائحة.



لم يعد خفياً أن الحركات الإجتماعية التي كان يشهدها العالم العربي منذ عام 2018، كتلك التي في السودان والجزائر والعراق ولبنان أصبحت اليوم تعاني شيئاً من الركود في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة. وإن كانت الإنتفاضات في العالم العربي قد أثبتت أنها لا تزال مساراً مفتوح الأمد لم يختتم بعد، يمكن ملاحظة اتجاهات محددة وعناصر مشتركة بين هذه المسارات. أمام الاحتجاجات الشعبية التي هزت الأنظمة العربية، تكشّفت عناصر الدولة العميقة التي تتحكم بالقرار، والتي أصبحت في خط الدفاع الأول، مضطلعة بدورٍ أكثر شراسة ووضوحاً من أي وقت مضى، في مواجهة رياح التغيير. اليوم تشهد بلدان كالجزائر والسودان مثلا، عودة العسكر إلى الواجهة، في محاولات متكررة لتحويلها إلى أنظمة عسكرية مباشرة، في سيناريو شبيه بالسيناريو المصري بعد ثورة يناير. فقد شهد السودان مؤخراً انقلاب العسكر على إنجازات الثورة السودانية والمسار الديمقراطي وعلى الوثيقة الدستورية التي كانت تقضي أساساً بتسليم السلطة للمدنيين عام 2023. ويأتي ذلك على حساب التضحيات الجمة التي قدمها الشعب السوداني، واستكمالاً لنهج انتهاك حقوق الإنسان، إذ سقط 41 شهيداً حتى الآن في المظاهرات الرافضة لحكم العسكر فقط .



ويبدو السودان مقبلاً على فترة مصيرية، إذ لا زال الشعب السوداني ولجان المقاومة يعملون على تنظيم الإحتجاجات الرافضة لهيمنة العسكر، وسط إدانة المجتمع الدولي للإنقلاب. أما في الجزائر، التي أيضاً حقق فيها الحراك مكتسبات جزئية، نرى أن العسكر يحاول مرة أخرى السيطرة على السلطة من خلال قمع النشطاء ومهاجمة مجموعاتهم، والإكتفاء بتغييرات شكلية لا تمسّ جوهر النظام، كإجراء انتخابات صورية وتعيين تبون رئيسا للجمهورية. ويبدو أن جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق قد أثرت بشكل كبير على استدامة المظاهرات في الجزائر، التي رغم أنها عادت إلى الشوارع بعد تخفيف وطأة الإجراءات، إلا أنها لم تعد بالزخم نفسه. وقد استغلّت السلطة إجراءات الإغلاق لتقوم بحملة اعتقالات واسعة ضد ناشطي الحراك، واليوم هي تسعى مجدداً لملاحقة جمعية راج الشبانية وحلّها، وهي الجمعية التي كان لها دور كبير في تنظيم الشباب خلال الحراك، في انتهاك واضح للحق بتأسيس الجمعيات والتعبير عن الرأي.  



أما في لبنان والعراق، فقد تكفلت المجموعات الطائفية بإضعاف الحراك وشن حملة اعتداءات عليه وعلى ناشطيه، إلى جانب عرقلة محاولات الإصلاح في كلّ من البلدين بشكل عام. في لبنان، شنت مجموعات طائفية داخل العاصمة وخارجها مختلف الإعتداءات على المعتصمين، وصلت أحياناً إلى استهداف ناشطين محددين دون غيرهم، في محاولة لإسكات الإحتجاجات. واليوم تسعى السلطة بشتى الطرق لطمس الأدلة والمسؤولية في ما يتعلق بتحقيق انفجار المرفأ، إذ تتمحور النقاشات الأساسية في البلد حول هذه القضية التي باتت تشكل محطة صراعٍ بين الشعب وأقطاب السلطة مجتمعة. أما في العراق، فقد كان المشهد أكثر عنفاً، إذ شهدت المظاهرات إطلاقاً للرصاص الحي، وقنص المتظاهرين، وسلسلة من الإغتيالات أو محاولات الإغتيال، في حين كانت تنعم المجموعات الطائفية بجو من الإفلات من العقاب. وقد فشلت حكومة الكاظمي حتى الآن في محاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم والإقتصاص لدم الشهداء. واليوم، بعد إجراء الإنتخابات العراقية، توشك البلاد على الدخول في المجهول مرة أخرى. إن نسبة المشاركة المتدنية تعكس فقدان الثقة بشكل تام بالطبقة السياسية الحاكمة وبالقنوات والمؤسسات الديمقراطية. ومن ناحية ثانية، إن التشكيك بنتيجة الإنتخابات من قبل بعض الأحزاب يهدد مرة أخرى باللاإستقرار وضعف حكم القانون. 



إن الجائحة زادت من تعقيد هذه المسارات، وكرّست اتجاهات التضييق على الفضاء المدني في مختلف أنحاء العالم العربي، إذ أعطت الدولة شرعية فض الإعتصامات وإدخال البلاد في حالة من الطوارئ، مما يعني وضع حقوق الإنسان في خانة الأمور الأقل إلحاحاً وأولوية. كما سنحت الفرصة لتقييد حرية الحركة والتعبير، وقد انعكس ذلك بشكل واضح في التطورات القانونية والتشريعية في مختلف الدول العربية. فالتعديل الدستوري في الجزائر وتعديل قانون العقوبات زادت من القيود المفروضة على العمل السياسي المعارض. وقد سنت قوانين أو أصدرت مراسيم تتعلق بالحد من نشر الأخبار الكاذبة، تم على أثرها اعتقال صحافيين أو عاملين في المجال الطبي، كما في الأردن، أو كقانون مكافحة التلاعب بالمعلومات في موريتانيا، وسجلت حالات مماثلة بالممارسة كما في مصر وتونس ودول الخليج. وفي دول مثل مصر، تم تمديد حالة الطوارئ والحبس الإحتياطي كأحد إجراءات السيطرة على الوباء. وبالطبع، كان فضّ الإعتصامات وإنهاء حالات الإحتجاج من النتائج المباشرة للوباء، مما عزز من غياب المحاسبة. 



إن هذه المسارات ليست وليدة اليوم، فهي بشكل أساسي تعبير عن الدولة العميقة وطبيعة النظم السياسية في المنطقة العربية ونتيجة مباشرة لها. ولذلك، هي أيضاً نتيجة مسارات تاريخية متراكمة يصعب تفكيكها ببساطة. إن الشعوب العربية، رغم احتمالات الفوضى والفراغ ورغم الضريبة التي دفعتها عقب الموجة الأولى من الربيع العربي، لا زالت تجد نفسها كل يوم مجبرة على اختيار الإنتفاضة في وجه كل الإنتهاكات التي تطالها وفي وجه دول تعجز عن تقديم أدنى مستويات العيش الكريم. إن خيار الشعب السوداني اليوم بالمقاومة ورفض العسكر هو تذكير أن الإنتفاضات لا زالت حية، وأنه من المبكر جداً اليوم أن نصدر حكماً بالفشل على الديمقراطية في المنطقة.



مي مكي