مخرجات تمويل التنمية والتنمية الاجتماعية وسؤال العدالة المؤجل - أحمد عوض
مخرجات تمويل التنمية والتنمية الاجتماعية وسؤال العدالة المؤجل - أحمد عوض
يعكس الاقتصاد العالمي للعام 2025 لحظة فارقة، تتداخل فيها الأزمات
الاقتصادية مع التحولات السياسية والمناخية والاجتماعية، كاشفة حدود النموذج الاقتصادي السائد منذ عقود. لم تعد
الأزمات استثناءً عابرا ، بل أصبحت سمة بنيوية للنظام الاقتصادي العالمي، بدءا من أزمات
الديون، مرورا بتآكل الدور الاجتماعي
للدولة، وصولا إلى اتساع الفجوات بين الشمال والجنوب العالميين.
وفي هذا السياق المضطرب، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة المسارات
الدولية القائمة على تقديم بدائل حقيقية، ولا سيما في ظل مخرجات مؤتمر تمويل
التنمية الرابع والقمة العالمية للتنمية الاجتماعية.
أحد أبرز ملامح التحول العالمي يتمثل في تفاقم أزمة الديون السيادية،
حيث باتت غالبية الدول منخفضة ومتوسطة الدخل عالقة في دوامة متصاعدة من خدمة الدين
، تستنزف مواردها العامة وتحدّ بشكل مباشر
من قدرتها على الاستثمار في الخدمات الأساسية لمواطنيها. في عدد كبير من هذه الدول، أصبحت كلفة الدين تفوق مجمل الإنفاق
على الصحة والتعليم مجتمعين، وهو ما يعكس خللا بنيويا عميقا في النظام المالي
الدولي، لا يمكن معالجته عبر حلول تقنية أو إصلاحات جزئية.
وبالتوازي مع ذلك ، ذلك، تشهد
السياسات الاقتصادية العالمية تراجعا واضحا في الدور الاجتماعي للدولة. فعلى الرغم من تصاعد الخطاب
الدولي حول التنمية الشاملة والاستثمار في
الإنسان، لا تزال السياسات المالية التقشفية تفرض نفسها كخيار شبه وحيد، غالبا تحت
ضغط المؤسسات المالية الدولية الأساسية والدائنين. وقد أدى هذا المسار إلى إضعاف
نظم الحماية الاجتماعية، وتوسيع دوائر الفقر، وتعميق هشاشة الفئات الأكثر تضررا،
بدلا من تعزيز الحمايات الاجتماعية بمختلف أبعادها.وفي هذا الاطار ، جاء مؤتمر تمويل التنمية الرابع، الذي عقد في
اشبيلية/اسبانيا في أوائل تموز/ يوليو 2025، في محاولة لمعالجة اختلالات تمويل
التنمية عالميا، من خلال التركيز على
قضايا الدين، والضرائب، وتدفقات رأس المال، والشراكات الدولية. وقد عكست مخرجات المؤتمر اعترافا صريحا بحجم الأزمة التي
تواجهها دول الجنوب، وبالحاجة الملحة إلى إصلاح النظام المالي الدولي. إلا أن هذا
الاعتراف لم يُترجم إلى التزامات ملزمة أو آليات عادلة لمعالجة جذور المشكلة، لاسيما فيما يتعلق بإعادة هيكلة الديون أو الحد من
هيمنة الدائنين على القرارات السيادية للدول
المدينة.
رغم ذلك، شكّل المؤتمر مساحة مهمة لإعادة طرح قضايا العدالة المالية
والضريبية على المستوى الدولي، حيث برزت مطالب متزايدة بفرض ضرائب عادلة على
الشركات العابرة للحدود، والحد من التهرب الضريبي، وتعزيز الموارد المحلية للدول.
غير أن نجاح هذه التوجهات يبقى مرهونا بميزان القوى الدولي، وبقدرة دول الجنوب
العالمي والمجتمع المدني على تحويل هذه المطالب إلى سياسات قابلة للتنفيذ، لا مجرد
توصيات عامة.
في السياق ذاته، أعادت القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، التي
عقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في العاصمة القطرية الدوحة، إحياء النقاش حول
البعد الاجتماعي للتنمية، بعد سنوات من هيمنة المقاربات الاقتصادية الضيقة. فقد
أقرت مخرجات القمة أن تجاهل العدالة الاجتماعية شكل أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم عدم الاستقرار
الاقتصادي والسياسي عالميا، وأن التنمية لا يمكن اختزالها في مؤشرات النمو أو جذب
الاستثمارات، بمعزل عن التوزيع العادل للثروة وضمان
الكرامة الإنسانية.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المسار يتمثل في الفجوة القائمة
بين الخطاب والممارسة. فبينما تؤكد القمة على مركزية العدالة الاجتماعية، لا تزال السياسات
الاقتصادية في كثير من الدول خاضعة لمنطق السوق والربحية، مع محدودية واضحة في
إعادة توجيه الموارد نحو الحماية الاجتماعية والخدمات العامة. وهذا ما يطرح سؤالا
أساسيا مفاده: هل ستبقى التنمية
الاجتماعية عنوانا أخلاقيا، أم ستتحول إلى إطار حاكم يعيد توجيه السياسات
الاقتصادية والمالية؟
في خضم هذه التحولات، يبرز دور المجتمع المدني العالمي والإقليمي
بوصفه فاعلا أساسيا في ربط المسارات الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية. فلم يعد دور
المجتمع المدني مقتصرا على الرصد أو تقديم الخدمات، بل بات مطالبا بالمساهمة في
صياغة بدائل سياساتية، وبناء تحالفات عابرة للحدود، خاصة في دول الجنوب. وقد أظهرت
مخرجات مؤتمر "تمويل التنمية" و"القمة
العالمية للتنمية الاجتماعية" أن حضور المجتمع المدني، رغم ما يواجهه من
قيود، كان حاسما في إبقاء قضايا العدالة والحقوق على جدول الأعمال الدولي.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات التي يواجهها هذا الدور، في ظل تضييق متزايد على الفضاء
المدني، واشتراطات تمويلية تحدّ من الاستقلالية، ومحاولات لحصر المشاركة في أدوار
استشارية محدودة ، غالبا ما تكون صورية. فالتحدي
الحقيقي لا يكمن في المشاركة الشكلية، بل في القدرة على التأثير في الأجندات
والسياسات، وربط قضايا التمويل والتنمية الاجتماعية بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية للشعوب.
في المحصلة، كشفت التحولات الاقتصادية العالمية خلال عام 2025 عن لحظة
مفصلية تتقاطع فيها الأزمات مع الفرص. فمخرجات مؤتمر تمويل التنمية الرابع والقمة
العالمية للتنمية الاجتماعية تفتح نافذة لإعادة التفكير في أسس النظام الاقتصادي
العالمي، غير ان هذه النافذة تظل مشروطة بمدى القدرة على تحويل
الالتزامات السياسية إلى إصلاحات بنيوية.
ودون ذلك، ستبقى العدالة الاقتصادية والاجتماعية شعارا مؤجلا، وستستمر الأزمات في التجدد بأشكال أكثر حدة. أما إذا جرى البناء على
هذه المسارات بروح نقدية وضاغطة، فقد يشكل عام 2026 بداية لمسار مختلف، يعيد
الاعتبار للتنمية بوصفها حقا، لا امتيازا.
احدث المنشورات
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد