حرية الدين أو المعتقد في الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل للبنان: من الحوكمة الطائفية إلى المواطنة المتساوية - فادي هاشم
حرية الدين أو المعتقد في الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل للبنان: من الحوكمة الطائفية إلى المواطنة المتساوية
مقدمة
جاءت الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل للبنان، التي عُقدت في 19 كانون الثاني/ يناير/ 2026، في مرحلة تتسم بتناقضات عميقة. فمن جهة، شهدت البلاد خلال السنوات الأربع الماضية، تطورات سياسية هامة شملت انتخاب رئيس للجمهورية بعد فراغ مؤسساتي طويل، وتشكيل حكومة جديدة، وتنظيم انتخابات بلدية مؤجلة. لكن ومن جهة أخرى، لا يزال لبنان غارقاً في أزمات متداخلة، وانهيار اقتصادي، وشلل مؤسسي، وتقلص في الحيز المدني، وفشل مستمر في ترجمة الضمانات الدستورية إلى حقوق ملموسة في حياة الناس.
ولا زلنا نشهد يومياً استمرار المظالم التي ترتكب بحق الأقليات غير المعترف بها في لبنان، كما بحق غير المؤمنين والنساء اللواتي يخضعن للقوانين التمييزية للأحوال الشخصية حتى داخل أسرهن، فضلاً عن كون جميع اللبنانيين ضحايا لنظام يرتكز في التوظيف والوصول إلى الوظائف العامة والتمثيل السياسي، على الانتماء الديني بدلاً من العدالة والكفاءة.
في هذا السياق، كان لانخراط المجتمع المدني في الاستعراض الدوري الشامل أهمية بالغة. شكّل الحدث الجانبي الذي عُقد صباح يوم الاستعراض، والذي نظّمته شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بالتعاون مع شركاء وطنيين وإقليميين ودوليين، مساحة نادرة لتقييم سجل لبنان في مجال حقوق الإنسان تقييماً شاملاً، وتحديد الثغرات البنيوية في التنفيذ، وصياغة توصيات عملية قائمة على الحقوق. وفي هذا الإطار، برزت حرية الدين أو المعتقد ليس كقضية قائمة بذاتها، بل كمنظور شامل لفهم قضايا أوسع نطاقاً تتعلق بالمساواة والمواطنة ومساءلة الدولة. وللمرة الاولى، تحقق ذلك بفضل الجهود المشتركة لمؤسسة أديان وفريق العمل الوطني المعني بحرية الدين أو المعتقد، اللذين تعاونا في اعداد وصياغة هذا التقرير المهم.
حرية الدين أو المعتقد في ما وراء خطاب التسامح: قضية بنيوية
غالباً ما يُحتفى بلبنان لتنوعه الديني، حيث يضم 18 طائفة معترف بها رسمياً ودستوراً يضمن حرية الضمير. إلا أن الواقع يُشير فعلياً إلى أن حرية الدين أو المعتقد في لبنان تتشكل بفعل التنظيمات والتسلسل الهرمي والإقصاء أكثر مما تتشكل بفعل الحرية. فالنظام القانوني والسياسي للدولة يمنح امتيازات للجماعات الدينية المعترف بها، بينما يُهمّش ويُقصي الجماعات غير المعترف بها، بما في ذلك البهائيون وشهود يهوه والأحمديون وغيرهم.
هذا الإقصاء ليس رمزياً، بل له تبعات قانونية ملموسة. إذ يُحرم الأفراد المنتمون إلى جماعات غير معترف بها من الحقوق المدنية الأساسية، مثل تسجيل الزواج، والميراث، والوثائق المدنية، والدفن. أي أن وجودهم القانوني عملياً مشروط أو مُجزأ أو أنه مُلغى تماماً. لذا، لا تقتصر انتهاكات حرية الدين والمعتقد في لبنان على القيود المفروضة على ممارسة شعائر الدين أو المعتقد، بل تمتد إلى إنكار المساواة في الشخصية القانونية.
ولقد أبرزت مناقشات الاستعراض الدوري الشامل كيف يُرسّخ هذا النظام عدم المساواة عن قصد. إذ تتحول الهوية الدينية إلى بوابة للحقوق، تصنّف الأفراد في فئات قانونية غير متساوية بناءً على الاعتراف الطائفي لا على أساس المواطنة. هذا الإطار يتعارض جوهرياً مع التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك التزاماته بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وغيره من المعاهدات الأساسية الأخرى.
قوانين الأحوال الشخصية: حين تتقاطع حرية الدين أو المعتقد مع اللامساواة بين الجنسين
كان أحد أهم جوانب انتهاكات حرية الدين والمعتقد التي طُُرحت خلال الفعالية الجانبية هو دور قوانين الأحوال الشخصية الدينية. فهذه القوانين، التي تُدار من قبل محاكم دينية، تُنظّم شؤون الزواج والطلاق والحضانة والميراث لغالبية المواطنين اللبنانيين. وعبر مختلف الطوائف، تنطوي هذه الأطر على تمييز منهجي ضد النساء، وتمنحهن حقوقاً غير متساوية في الحياة الأسرية، وتكرّس تراتبيات هرمية قائمة على النوع الاجتماعي.
تتأثر حقوق النساء بموجب قوانين الأحوال الشخصية بشكل مباشر بالانتماء الطائفي، ما يجعلهن عرضة لمعايير متفاوتة من الحماية القانونية تبعاً للمحكمة الدينية التي تدّعي السلطة القضائية عليهن. ولا يزال زواج الأطفال مسموحاً به قانوناً في بعض المجتمعات، وغالباً ما تعطي قرارات الحضانة الأولوية للسلطة الأبوية على حساب المصلحة الفضلى للطفل، فيما تواجه النساء أوجه تمييز منهجية في قضايا الطلاق والميراث.
من منظور حرية الدين والمعتقد، يُثير هذا النظام مخاوف عميقة. فالأفراد غير أحرار في الانسحاب من الولاية القضائية الدينية، ولا يتمتعون بحماية قانونية متساوية بغض النظر عن معتقداتهم. وتفقد حرية المعتقد معناها عندما تُفرض الهوية الدينية قسراً كإطار ناظم للهوية القانونية وحقوق الأسرة.
الفضاء المدني وحرية التعبير واستخدام الدين لإسكات الأصوات المعارضة
سلّط مسار الاستعراض الدوري الشامل الضوء أيضاً على تقلّص الفضاء المدني في لبنان، لا سيما من خلال استخدام قوانين التجديف والتشهير. فقد تم استخدام هذه القوانين بشكل متزايد لإسكات الصحفيين والفنانين والناشطين والأكاديميين، غالباً بذريعة حماية الحساسيات الدينية أو النظام العام.
وبدلاً من تعزيز التعايش، تُرسّخ هذه القوانين مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية. فهي تُطمس الخط الفاصل بين الحماية المشروعة من التحريض وبين قمع حرية التعبير النقدي، مما يُقوّض حرية الدين أو المعتقد وحرية التعبير على حد سواء. وعندما يتم استغلال الدين لحماية السلطة السياسية أو المؤسسية من المساءلة، تتحول حرية الدين أو المعتقد إلى أداة للسيطرة بدلًا من أن تكون ضمانةً للكرامة الإنسانية.
مناصرة المجتمع المدني وقيمة عملية الاستعراض الدوري الشامل
شكّل الحدث الجانبي ومسار الاستعراض الدوري في جنيف تتويجاً لأكثر من عام من جهود المناصرة المنسقة التي بذلها المجتمع المدني. تضمن هذا المسار الذي قادته شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية والمنظمات الشريكة، تواصلاً مستمراً مع السفارات والوزارات والأحزاب السياسية والمؤسسات المستقلة والوفد اللبناني نفسه. وضمنت المشاورات الوطنية وجهود التوثيق أن تكون التوصيات المقدمة في جنيف مستندة إلى الوقائع المعيشية والتحليل القانوني الرصين. وأظهرت استجابة الوفد اللبناني خلال الاستعراض والتي اتسمت بالاحترافية والالتزام، أثر هذه الجهود التراكمية في مجال المناصرة.
وبالرغم من أن الالتزامات وحدها لا تكفي، يبقى الاستعراض الدوري الشامل آلية أساسية للمساءلة متى اقترن بمتابعة منتظمة ومستدامة من قبل المجتمع المدني.
خارطة طريق للإصلاح
بالتعاون مع شركائنا، استخدمنا منصة الاستعراض الدوري الشامل للدفع بأجندة إصلاحية واضحة وقابلة للتنفيذ. وتضمنت التوصيات الرئيسية ما يلي:
| ● | إقرار قانون مدني اختياري موحّد للأحوال الشخصية يضمن المساواة أمام القانون مع احترام حرية المعتقد. |
| ● | إخضاع المحاكم الدينية للرقابة القضائية لضمان امتثالها للمعايير الدستورية والدولية لحقوق الإنسان.. |
| ● | وضع إجراءات شفافة وغير تمييزية للاعتراف بالجماعات الدينية وضمان حصول المجتمعات غير المعترف بها على حقوقها المدنية.. |
| ● | رفع تحفظات لبنان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولا سيما المادة 16، وتحديد سن 18 عاماً كحد أدنى للزواج من خلال تشريع مدني موحد. |
| ● | حظر التمييز في التوظيف في القطاع العام، بما في ذلك التمييز ضد النساء اللواتي يرتدين زياً دينياً. |
| ● | تفعيل المادة 95 من الدستور من خلال إنشاء هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية. |
هذه التوصيات ليست جذرية، بل هي خطوات ضرورية نحو مواءمة الإطار القانوني اللبناني مع التزاماته الدستورية والدولية.
الخلاصة: حرية الدين أو المعتقد كمقياس للمساواة في المواطنة
أكدت الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل للبنان حقيقة أساسية: لا يمكن اختزال حرية الدين أو المعتقد إلى مجرد خطاب عن العيش المشترك أو التوازنات الطائفية. إنها مقياس لمدى معاملة الدولة لجميع الأفراد كمواطنين متساوين، بغض النظر عن المعتقد أو الجنس أو الانتماء.
التحدي المقبل لا يكمن في التشخيص، بل في الإرادة السياسية. ويوفر الاستعراض الدوري الشامل مرة أخرى خارطة طريق واضحة، وتبقى المسؤولية الآن على عاتق مؤسسات الدولة، بدعم ومراقبة من المجتمع المدني، للانتقال من التعهدات إلى التنفيذ. وعندها فقط يمكن لحرية الدين أو المعتقد في لبنان أن تنتقل من امتياز تتم إدارته إلى حق مُعاش يقوم على الكرامة والمساواة والعدالة.
احدث المنشورات