تأملات في الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل في لبنان: الحقوق المدنية والسياسية بين الالتزامات والواقع - سعد الدين شاتيلا
تأملات في الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل في لبنان: الحقوق المدنية والسياسية بين الالتزامات والواقع
عقدت الدورة الرابعة للبنان ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) في ظل أزمة سياسية واقتصادية ومؤسساتية عميقة أضعفت الى حد كبير مؤسسات الدولة وعمّقت أنماط انتهاكات حقوق الإنسان. إن مشاركتي في هذه الدورة — من خلال تقديم تقارير فردية ثلاثة لمنظمتنا وأخرى مشتركة باسم المجتمع المدني، والمشاركة في أنشطة المناصرة المحيطة بالاستعراض، وفي المشاورة الوطنية التي نظّمها كلّ من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في 12 أيلول/سبتمبر 2025 في بيروت، وكذلك مشاركتي كمتحدث باسم مركز الأرز للدراسات القانونية (CCLS) في فعالية جانبية في جنيف بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 2026 نظّمتها الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية (ANND) ومنظمات مجتمع مدني أخرى، إضافة الى حضور جلسة الاستعراض في اليوم نفسه — أظهرت مجدداً أهمية آلية الاستعراض الدوري الشامل كأداة للمساءلة، وفي الوقت نفسه حدود هذه الآلية في غياب إرادة سياسية حقيقية.
أكدت هذه الدورة الرابعة أن التحديات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية في لبنان ليست جديدة ولا مجهولة. وإن ما لا يزال دون حل هو الفجوة المستمرة بين الالتزامات الدولية وتنفيذها الفعلي على أرض الواقع.
مشاركة المجتمع المدني في الدورة الرابعة
كانت مشاركة المجتمع المدني في الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل في لبنان نشطة، ومنسّقة، وقائمة على الأدلة. وفي ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، قدّمت منظمات محلية ودولية مختلفة تقارير فردية ومشتركة وثّقت انتهاكات تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، وتقييد الحريات، وغياب استقلالية القضاء، واستخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين.
ومن منظور المجتمع المدني، كان هناك توقّع بأن يتمّ تقاسم الاعداد للتقرير الوطني مسبقاً، أو على الأقل التواصل بشأن أولوياته الرئيسية وعناوينه الأساسية، كجزء من عملية تشاورية ذات معنى. وكان من شأن ذلك أن يتيح مشاركة مستنيرة وأن يضمن أن تتجاوز المشاورة الطابع الشكلي.
مع ذلك، وفّرت المشاورة الوطنية التي عُقدت في بيروت في أيلول/سبتمبر 2025، والتي نُظّمت بشكل مشترك من قبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مساحة رسمية للحوار بين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة. وعلى الرغم من أن مثل هذه المشاورات لا يمكن أن تحلّ محلّ وضع سياسات شاملة أو عملية صياغة مشتركة حقيقية، فإنها تبقى مهمة لتثبيت الشواغل في السجل الرسمي وإعادة التأكيد على تطلعات المجتمع المدني في ما يتعلق بالشفافية والمساءلة والمتابعة.
حدود التقرير الوطني
يتمثل أحد الشواغل الرئيسية خلال هذه الدورة في التقرير الوطني نفسه الذي قدّمته السلطات اللبنانية. فبينما أعاد التقرير التأكيد على التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية وأشار إلى الأطر القانونية القائمة، فإنه اعتمد إلى حدّ كبير على سردٍ متكرر بدلاً من تقديم مؤشرات ملموسة وقابلة للقياس على التقدّم المحرز — ولا سيما في مجال الحقوق المدنية والسياسية.
وعلى نحو لافت، لم يتضمّن التقرير أي بيانات رقمية حول شكاوى التعذيب المقدّمة إلى وزارة العدل أو القضاء أو الأجهزة الأمنية، على الرغم من وجود آليات لتقديم الشكاوى داخل عدد من الأجهزة الأمنية. كما فشل في توضيح عدد الشكاوى التي أفضت إلى فتح تحقيقات أو ملاحقات قضائية أو إجراءات تأديبية، أو الإجراءات المتّبعة في التعامل مع الادعاءات بالانتهاكات. إن غياب هذه البيانات يجعل من المستحيل تقييم فعالية هذه الآليات.
وبالمثل، جرى التطرّق إلى قضايا مثل الاحتجاز التعسفي، وتقييد الحريات، وغياب استقلالية القضاء، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، بصياغات عامة فضفاضة، من دون معايير قياس أو جداول زمنية أو اعتراف بالإخفاقات المستمرة في التنفيذ. وبشكل عام، بدا التقرير أكثر تركيزاً على إعادة التأكيد على الالتزامات القانونية منه على إظهار تقدّم ملموس على أرض الواقع.
القضايا الرئيسية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية التي أُثيرت خلال الاستعراض
خلال الدورة الرابعة للبنان ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل في 19 كانون الثاني/يناير 2026، برزت الحقوق المدنية والسياسية بشكلٍ واضح في التوصيات التي قدّمتها مجموعة واسعة من الدول، ما يعكس شواغل هيكلية مستمرة وموثّقة جيداً. وكان التعذيب وسوء المعاملة، على وجه الخصوص، في صلب هذه القضايا. فقد دعت عدة دول — بما في ذلك كرواتيا، والدنمارك، وسيراليون، وسويسرا، وغانا، وجنوب أفريقيا — إلى التنفيذ الفعلي وتعديل قانون مناهضة التعذيب رقم 65/2017، وتفعيل الآلية الوطنية الوقائية من التعذيب، وإجراء تحقيقات مستقلة في ادعاءات التعذيب، وتحسين أوضاع الاحتجاز بما يتماشى مع قواعد نيلسون مانديلا.
كما أُثيرت بشكلٍ متكرر قضايا الاحتجاز التعسفي، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، والاكتظاظ في السجون. وحثّت كلّ من ليسوتو، وغامبيا، وليبيا، وأوكرانيا لبنان على إصلاح نظام العدالة الجنائية من خلال الحد من الإفراط في التوقيف الاحتياطي، وتوسيع بدائل الاحتجاز، وتعزيز الرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز، وضمان الضمانات القانونية للموقوفين.
وبرزت استقلالية القضاء كإحدى القضايا الجوهرية الأخرى في مجال الحقوق المدنية والسياسية. فقد دعت مجموعة واسعة من الدول — بما في ذلك فرنسا، وإسبانيا، واليابان، والنرويج، وسويسرا، وكولومبيا، ورومانيا، وتايلاند — إلى إقرار وتنفيذ قوانين تضمن استقلالية ونزاهة السلطة القضائية، بعيداً عن التدخلات السياسية والطائفية.
كما تناولت كلّ من كندا، وألمانيا، وسيراليون على وجه التحديد مسألة محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وأوصت بحصر اختصاص هذه المحاكم بالعسكريين فقط ونقل جميع القضايا المتعلقة بالمدنيين إلى المحاكم العادية.
وأُثيرت كذلك قضايا حرية التعبير، وحرية الإعلام، وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من قبل مجموعة واسعة من الدول، بما في ذلك فرنسا، وألمانيا، وكندا، والمملكة المتحدة، وسويسرا، والبرتغال، والنمسا، والإكوادور، وإيرلندا. وركّزت التوصيات على إلغاء تجريم القدح والذم، ووضع حد للمضايقات والاستدعاءات من قبل الأجهزة الأمنية، واعتماد قانون إعلام متوافق مع المعايير الدولية، وضمان المساءلة عن الاعتداءات على الصحفيين وأصوات المعارضة.
ثغرات التنفيذ وخطة العمل الوطنية لحقوق الإنسان
اعتمد لبنان خطة عمل وطنية جديدة لحقوق الإنسان في كانون الأول/ديسمبر 2025، وهي خطوة جرى الإشارة إليها خلال الدورة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل باعتبارها تطوراً ايجابياً. ومن حيث المبدأ، يفترض أن تشكّل هذه الخطة خارطة طريق لتحويل الالتزامات الدولية إلى إصلاحات ملموسة. إلّا أن التجربة مع خطط العمل السابقة تثير مخاوف جدّية.
فخطط العمل السابقة في مجال حقوق الإنسان لم تُنفّذ بفعالية، وكانت إلى حدّ كبير منفصلة عن العمليات التشريعية وصنع السياسات. كما أن القوانين التي اعتُمدت في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تلك التي تؤثر مباشرة على الحقوق المدنية والسياسية، لم تعكس أهداف خطة العمل ولم تحترمها. ولا يزال الوعي بوجود الخطة نفسها محدوداً للغاية، حتى بين أعضاء مجلس النواب، ما يقوّض دورها كإطار توجيهي.
وتواجه الخطة الجديدة خطر الوقوع في الإخفاقات نفسها إذا بقيت وثيقة غير ملزمة. ولكي تُنفّذ فعلياً، يجب منحها وضعاً قانونياً ومؤسّساتياً واضحاً، بما في ذلك اعتمادها عبر أدوات ملزمة مثل مرسوم أو تشريع. ومن شأن ذلك أن يتيح تحديد المسؤوليات، والجداول الزمنية، وآليات المساءلة. ومن دون هذه التدابير، هناك خطر حقيقي بأن تبقى الخطة إعلان نوايا شكلياً ومنفصلاً عن عمليات اتخاذ القرار.
الخلاصة: من الالتزامات إلى الإرادة السياسية
لم تكن الدورة الرابعة للبنان ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل مجرد تمرين إجرائي؛ بل كانت انعكاساً لأزمة طويلة الأمد في مجال الحقوق المدنية والسياسية. ففي حين أظهر الاستعراض أن الالتزامات والاستراتيجيات والأطر القانونية موجودة شكلياً، أوضح أيضاً أن التحدي الأساسي الذي يواجه البلد يكمن في الغياب المستمر للإرادة السياسية لتنفيذها. وقد ضمنت مشاركة المجتمع المدني طوال الدورة توثيق الانتهاكات، وتثبيت الأدلة في السجل الرسمي، وإعادة طرح الشواغل المزمنة على المستوى الدولي.
ومع وجود حكومة جديدة ورئيس جديد، تتاح للبنان فرصة لإظهار تحوّل حقيقي من الخطاب إلى الفعل. ويتطلّب ذلك الاعتراف بأوجه القصور، ونشر بيانات موثوقة، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعّالة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم. فلا يمكن أن يظل احترام حقوق الإنسان محصوراً في تقارير تُقدّم في جنيف؛ بل يجب أن ينعكس في الممارسات المؤسّسية، والخيارات التشريعية، والحماية الممنوحة للأفراد الذين يمارسون حقوقهم المدنية والسياسية.
أمّا التحدي اليوم فهو المتابعة. فمن دون تنفيذ فعلي، ومساءلة، وحماية حقيقية للحيّز المدني، ستستمر دورات الاستعراض الدوري الشامل المقبلة في تكرار الشواغل نفسها. وسيواصل المجتمع المدني التوثيق والمناصرة والإصرار على أن تُحترم حقوق الإنسان في لبنان في الواقع — لا في النظريات والكلمات فقط.
احدث المنشورات