Jan 13, 2026
الأدوات الدولية لحقوق النساء: بين الرمزية والفاعلية - منار زعيتر
منار زعيتر
الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
منار زعيتر

الأدوات الدولية لحقوق النساء: بين الرمزية والفاعلية - منار زعيتر


هل نعيش في أوقات نهاية المشروع الحضاري؟ لماذا علينا أن نثق بالقانون الدولي لحقوق الانسان؟ وأسئلة غيرها تتكرر في كل مناسبة في السنتين الأخيرتين. يطرح هذه الأسئلة شباب وشابات على دراية بالقرارات والاتفاقيات الدولية، وربما شاركوا في صياغة تقارير عنها، ومع ذلك يشعرون بأن المنظومة بعيدة، انتقائية، وعاجزة عن حمايتهم.

تكتسب هذه الاسئلة اليوم جديدًا في ظل الهجمات العلنية على القانون الدولي بفعل سياسات ترامب وإسرائيل، وقد لازمتني هذه الأسئلة في عام 2025، بالتزامن مع مرور عقود على اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 1325 وإعلان بيجين. إذ ماذا يعني الاحتفاء بالذكرى حين تتحول النصوص إلى طقوس والالتزامات إلى لغة دبلوماسية منزوعة الأثر؟ وكيف يُطلب من نساء يعشن النزاع والاحتلال ويكابدْن الفقر وغياب الحماية الاجتماعية والعنف أن يثقن بهذه الأدوات الدولية؟

بكل تأكيد، هذه المعايير قد شكَّلت محطات مفصلية في تاريخ مأسسة وقوننة حقوق النساء، وأنها لم تُفرض من أعلى بقرار سياسي، بل نشأت نتيجة عقود من النضال النسوي الذي قادته ناشطات حقوق النساء، إلى جانب تفاعل فاعلين سياسيين داخل منظومة الأمم المتحدة. لذا، لا أنطلق من رفض النظام الدولي أو الحنين للبدائل المحلية، بل من موقع أكثر تعقيدًا: نقد نسوي يسعى لمساءلة المعايير الدولية وتفكيك علاقات القوة التي تحكمها، بحيث تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الفعلية للنساء في ظل الاحتلال، النزاعات، والفقر المستمر. و هذه الأدوات، في هذا السياق، هي مجال تفكير وتحليل، حيث جرى إفراغ العديد من المطالب النسوية التحويلية التي قادت إلى نشأتها من مضمونها في الممارسة السياسية. فرغم أن الاعتراف المؤسسي كان خطوة ضرورية، فإن التنفيذ غالبًا ما يعكس تسويات وتأويلات انتقائية وفجوات مستمرة.

تزداد الحاجة اليوم لإعادة التفكير النقدي في الأدوات الدولية، ليس فقط لمراجعة فعاليتها، بل لإعادة تخيّل مفاهيم المساواة والعدالة في عالم سريع التغير.. للأمر أهميته لنساء منطقتنا اللواتي يعانين من النزاعات المستمرة والاحتلال، ويواجهن العنف رغم كل القوانين والاستراتيجيات، مرورًا بالتمثيل الرمزي في مواقع القرار، واستمرار الهياكل الاقتصادية التي تفاقم فقرهن، وصولًا إلى الهجمة المنظمة على الخطاب الخاص بحقوق النساء والتراجع الكبير في المكتسبات النسوية وتقييد الفضاء المدني.

كما أن الحاجة للتفكير كبيرة بسبب الخطاب الذي تهيمن عليه تصورات نسوية تُفرض غالبًا على ما يُسمّى “عالم الأغلبية” دون انخراط محلي كافٍ، متجاهلة السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الدولي والوطني، المؤثر في قضايا النساء. ويجعل هذا الافتراض بأن كل النساء يواجهن نفس المشكلات أو يحتاجن لنفس الحلول أمراً مضللًا.

هذه التصورات، تُقدَّم حقوق النساء كخطاب دولي لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتوفر الاتفاقيات والهيئات القضائية إطارًا رمزيًا ومنصة للتعبئة، إلا أن هذه القوة الرمزية لا تعكس القدرة على توزيع الموارد أو تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التمييزية. فحين تُستخدم لغة «تمكين المرأة» بمعزل عن تحليل علاقات القوة، تصبح جزءًا من نسوية تُوظَّف في خدمة مشاريع سياسية واقتصادية، بدل أن تكون أداة لمساءلتها. وهكذا، تتحول المعايير الدولية إلى منصة رمزية للتعبير والاحتفاء، لا إلى آلية لإعادة توزيع الموارد أو تفكيك البُنى.

في هذا السياق، لا يمكننا اليوم فهم الفجوة بين الرمزية والفاعلية في المعايير الدولية لحقوق النساء بمعزل عن النقد النسوي الذي يرى أن القانون الدولي أسهم، تاريخيًا، في تعزيز ما تطلق عليه الكثيرات من نسويات الجنوب العالمي بنسوية تشكلت في سياقات الاستعمار، عبر نزع الطابع السياسي عن قضايا النساء. فبحسب هذا الرأي، لم يتم الاعتراف بالنساء بوصفهن فاعلات سياسيات منخرطات في مقاومة التمييز  والعنف على المستوى المحلي والسياسات الدولية المهيمنة،  بل جرى اختزال قضاياهن في أطر تقنية محايدة، تُفرغ النضال النسوي من بعده التحويلي. وهو ما يفسِّر لماذا تشعر كثير من النساء في سياقات الاحتلال والنزاع واستغلال الموارد أن هذه المعايير تُخاطبهن خطابًا عالميًا مجردًا، دون أن تنحاز فعليًا إلى واقعهن السياسي والمعيشي.

الصورة معقدة إذاً، وتتأثر بالتحولات السياسية والاقتصادية والثقافية المتسارعة، حيث يواجه مشروع حقوق الإنسان العالمي أزمة عميقة،  وتتعرض فعالية القوانين والمؤسسات الدولية للتحديات بسبب غياب المساءلة والديمقراطية الكافية. والسؤال عن فعالية القانون الدولي وثقتنا به لا يرتبط فقط بجوانب قانونية، بل يمتد إلى بُعد سياسي وثقافي عميق. وعليه، ينبغي الانخراط في النقاش بفهم نقدي يسعى لمساءلة الأدوات وإعادة توطينها في سياقاتنا المحلية وتجربة مقاربات جديدة. حيث تشير التجربة العملية إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ليس أداة جامدة، بل إطار ديناميكي يمكن أن يسهم في تحسين حياة الأفراد والجماعات، شرط تطبيقه بوعي سياقي وفهم للتحديات المحلية والعالمية. لذلك، لا يكمن التحدي في التخلي عن الأدوات الدولية، بل في إعادة تسييسها عبر إطار تقاطعي يربط حقوق النساء بنضالات القاعديات، محوّلًا هذه المعايير من طقوس احتفالية إلى أدوات مواجهة سياسية واجتماعية قادرة — ولو جزئيًا — على إحداث أثر ملموس في حياتهن.

 

احدث المنشورات
Jan 13, 2026
بين الحروب والأزمات: قراءة في المشهد العربي 2025 ومسار التنمية المستقبلية - زياد عبد الصمد
Jan 13, 2026
2025، عام نهاية جدوى مفاوضات المناخ وانقاذه… وبداية مرحلة جديدة قاتمة - حبيب معلوف