Oct 15, 2026
البنك الدولي وأهداف التنمية المستدامة: أهداف عالمية وفجوات محلية - يسري مصطفى
يسري مصطفى
باحث

الرجاء الضغط هنا لنبذة والمنشورات
يسري مصطفى

البنك الدولي وأهداف التنمية المستدامة: أهداف عالمية وفجوات محلية

بقلم يسري مصطفى

يتناول يسري مصطفى في هذا المقال العلاقة بين تمويل البنك الدولي وأهداف التنمية المستدامة، مستندًا إلى دراسة حلّلت أكثر من 27 ألف مشروع خلال الفترة 2015–2025. ويسلّط الضوء على التفاوت في توزيع التمويل بين الأهداف والمناطق، وعلى الفجوة بين حجم المشروعات وأثرها الفعلي في الحد من الفقر وعدم المساواة. ومن خلال مثال برامج الحماية الاجتماعية في مصر، يناقش الكاتب التناقضات المحتملة بين سياسات الإصلاح المالي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، متسائلًا عمّا إذا كانت التنمية تُقاس بحجم التمويل أم بقدرتها على تحسين حياة الناس.

«أهداف عالمية وفجوات محلية» هو عنوان دراسة نقدية (الاطلاع على الدراسة) حلّلت بيانات أكثر من 27 ألف مشروع بتمويل من البنك الدولي، نُفذت خلال الفترة من 2015 إلى 2025، بهدف تقييم مدى مواءمتها مع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر (SDGs)، إلى جانب تحليل الأولويات المالية والتوزيع الجغرافي للتمويل. وخلصت الدراسة إلى وجود تفاوت واضح في حجم التمويل الموجه إلى الأهداف المختلفة؛ إذ حظيت بعض الأهداف بمواءمة وتمويل قويين، بينما نالت أهداف أخرى قدرًا متوسطًا من الاهتمام، في حين عانت أهداف أخرى من نقص نسبي في التمويل. وكانت الأهداف التي حظيت بأقوى توافق تمويلي هي الهدف التاسع، المتعلق بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، والهدف الحادي عشر، المتعلق بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والهدف السابع، المتعلق بالطاقة النظيفة وبأسعار معقولة. في المقابل، حظيت أهداف مثل الصحة (الهدف الثالث)، والتعليم (الهدف الرابع)، والمياه والصرف الصحي (الهدف السادس) بقدر أقل من الاهتمام، بينما ظلت أهداف مثل القضاء على الجوع (الهدف الثاني)، والسلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف السادس عشر)، تعاني من نقص نسبي في التمويل.

تفاوت التمويل بين أهداف التنمية المستدامة والمناطق الجغرافية

وتكتمل الصورة بالأولويات الجغرافية؛ فقد استحوذت أمريكا اللاتينية، وأفريقيا جنوب الصحراء، وأوروبا وآسيا الوسطى على الحصص الأكبر من التمويل. وفي الوقت نفسه، أظهرت الدراسة اختلالًا بين حجم الاحتياجات التنموية وحجم التمويل الموجه إليها، إذ تلقت بعض المناطق التي تعاني مستويات مرتفعة من الفقر واحتياجات تنموية حادة، مثل غرب ووسط أفريقيا وجنوب آسيا، تمويلًا أقل مقارنة بحجم سكانها واحتياجاتها. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد حظيت خلال الفترة نفسها بنحو 1817 مشروعًا، أي ما يقرب من 6.7% من إجمالي المشروعات. وكان الهدف التاسع، المتعلق بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، في مقدمة مجالات التمويل في المنطقة، يليه الهدف الحادي عشر المتعلق بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة وبأسعار معقولة. وجاء بعد ذلك تمويل مجالات مثل الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والعمل المناخي.

ما وراء أرقام التمويل: هل تتحقق التنمية فعليًا؟

لكن قراءة علاقة البنك الدولي بالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتوقف عند عدد المشروعات أو حجم التمويل. فثمة بعدان ينبغي النظر إليهما معًا: بعد كمي يتعلق بتوزيع التمويل بين الأهداف والمناطق، وبعد نوعي يتعلق بما إذا كانت طبيعة التدخلات والسياسات المصاحبة لها تؤدي بالفعل إلى تحسين شروط الحياة وتقليص الفقر وعدم المساواة. ومن الناحية الكمية، تشير النتائج إلى استراتيجية تمويل تركز بدرجة كبيرة على البنية التحتية والطاقة والمدن، وهو ما يثير سؤالًا حول مدى التوازن بين الاستثمار في البنية المادية والاستثمار في الإنسان. فقضايا مثل القضاء على الفقر والجوع، وبناء المؤسسات العادلة والفعالة، لا تبدو في المستوى نفسه من الأولوية التمويلية. كما يطرح التوزيع الجغرافي للتمويل سؤالًا آخر حول العلاقة بين الاحتياجات التنموية الفعلية وبين أولويات التمويل والاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجغرافية التي تحكمها.

الحماية الاجتماعية في مصر: بين توسيع الدعم ومعالجة الفقر

ومن ناحية أخرى، لا ثمة ما يشير إلى إسهامات البنك الدولي في مجالات مكافحة الفقر والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والبنية الأساسية والمناخ. ومن الأمثلة على ذلك دعمه لبرنامجي «تكافل وكرامة» في مصر بوصفهما نموذجًا للحماية الاجتماعية (IEG, 2026). وقد أسهم هذا الدعم في تطوير نظام وطني للتحويلات النقدية الموجهة إلى الفئات الأفقر، وفي تحسين قواعد الاستهداف ونظم التسجيل والدفع. ومن الناحية الكمية، يمكن رصد توسع كبير في عدد الأسر التي أصبحت مشمولة بمظلة الحماية الاجتماعية. غير أن التقييم المستقل الأحدث لمجموعة البنك الدولي يقدم صورة أكثر تعقيدًا. فقد كانت المكاسب المتعلقة بالاستهلاك وخفض الفقر التي ظهرت في تقييمات سابقة أقل وضوحًا في عام 2024، كما ظلت الأدلة على خروج الأسر بصورة مستدامة من الحماية الاجتماعية محدودة. كذلك، فإن خروج أسرة من برنامج للحماية الاجتماعية لا يعني بالضرورة خروجها من دائرة الفقر. والأهم أن استمرار اعتماد الأسر الفقيرة على الدعم النقدي، ناهيك عن استمرار الفقر في ظل وجود الدعم، يطرح سؤالًا يتجاوز الوصول إلى الدعم إلى قدرة السياسات على معالجة الأسباب البنيوية للفقر. وينطبق الأمر نفسه على هدف تمكين المرأة، الذي لا يمكن قياسه بمجرد وصول التحويلات إلى النساء، بل بما تحدثه هذه البرامج من تغير فعلي في استقلاليتهن الاقتصادية وقدرتهن على اتخاذ القرار.

لقد ربط البنك الدولي منذ وقت مبكر أجندة 2030 بأهدافه المعلنة المتمثلة في القضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك في عالم مستدام، واعتبر التمويل والبيانات ودعم تنفيذ السياسات الوطنية من أهم أدوات إسهامه في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (World Bank, 2015). ومن ثم، فإن ارتباط البنك بأجندة 2030 لم يعد موضع شك. لكن السؤال الأهم هو: ما الذي تحقق عمليًا، ولصالح من، وبأي كلفة اجتماعية؟

الإصلاح المالي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية: أيهما له الأولوية؟

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ننتقل من تمويل البرامج الاجتماعية إلى السياسات الاقتصادية والمالية المصاحبة للقروض، بما في ذلك إصلاحات الدعم والضرائب، وتحرير سعر الصرف، وضبط الإنفاق العام. فهذه السياسات، حتى عندما تكون مبررة باعتبارات الاستقرار المالي، يمكن أن تفرض كلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كيف يمكن التوفيق بين سياسات الإصلاح المالي ومتطلبات التنمية القائمة على حقوق الإنسان؟

فعندما يصبح ضبط العجز والدين أولوية تُنفذ من خلال تقليص الإنفاق أو الضغط على الخدمات العامة، يمكن أن تتحول السياسة المالية من أداة لتحقيق الاستقرار إلى عامل يضعف إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وعندما تتزايد أعباء الدين بينما تتراجع القدرة على الإنفاق الاجتماعي، يصبح الفقر، بصورة أو بأخرى، جزءًا من كلفة الاستقرار المالي. وقد يصبح الطريق إلى سد العجز ممهدًا، في نهاية المطاف، على حساب القدرة على توفير حياة كريمة. إن مناقشة ما إذا كان البنك «مع» أو «ضد» أهداف التنمية المستدامة قد يفضي إلى نتائج نظرية متضاربة، فالأهم هو النظر إلى الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، وبين التمويل المخصص والسياسات المصاحبة له، وبين النمو الاقتصادي وإعمال الحقوق.

ومن منظور حقوق الإنسان، لا يكفي أن يكون الفقر هدفًا معلنًا أو أن تكون الحماية الاجتماعية جزءًا من أحد المشروعات. السؤال الحقيقي هو: هل حقوق الإنسان في صميم الأولويات الاقتصادية والمالية، أم أنها تظل هامشًا يمكن أخذه في الاعتبار، ثم التضحية به عندما تفرض اعتبارات الاستقرار المالي ذلك؟ وربما يكون السؤال الأعمق: هل قدرنا أن نختار بين الاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي والأسري؟ أم أن المشكلة تكمن في سياسات تجعل تحقيق الأول يتم على حساب الثاني؟

الخلاصة: أهداف عالمية واختبار محلي للعدالة والتنمية

في النهاية، قد تكون أهداف التنمية المستدامة عالمية في طموحها، لكن اختبارها الحقيقي يحدث محليًا، في حياة الناس اليومية، وفي قدرتهم على الوصول إلى الغذاء والصحة والتعليم والعمل والحماية الاجتماعية والعيش بكرامة. وهنا تحديدًا تظهر الفجوة التي لا تكشفها أرقام التمويل وحدها: الفجوة بين أهداف عالمية تبدو متماسكة، وسياسات محلية قد تترك المجتمعات الأكثر هشاشة تواجه كلفة التنمية والإصلاح وحدها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.
احدث المنشورات
Oct 16, 2026
لحظة الإصلاح في لبنان: من إصلاح المالية العامة إلى إعادة بناء الدولة - لمياء مبيض
Oct 15, 2026
أي موقف عربي من بداية المشاورات التي تسبق COP31؟