قمة جبل الجليد - بيهتر موسكيني وجوزيف شيكلا
قمة جبل الجليد
ما الذي يكمن خلف مداخلات المجتمع المدني ذات الدقيقتين بشأن تقارير أجندة 2030
تعترف أجندة الأمم المتحدة الطموحة للتنمية المستدامة 2030 بالدور الحيوي للمجتمع المدني في جميع جوانبها: الصياغة، والتنفيذ، والرصد، والمراجعة. وبناءً على ذلك، وخلال المنتدى السياسي رفيع المستوى السنوي (HLPF) في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ينظم ممثلو المجتمع المدني أنفسهم ضمن تسع مجموعات رئيسية وأصحاب مصلحة آخرين (MGOS)، ويُمنحون دقيقتين فقط للتعليق على الاستعراض الوطني الطوعي (VNR) لكل دولة.
هذا العام، قدّم 36 متحدثاً بيانات باسم المجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين حول التقدم التنموي للدول التي قدمت تقاريرها، وعمليات الاستعراض الوطني الطوعي ومضامينه. ولخّص كل بيان التوصيات وطرح أسئلة على وفود الدول المعنية. وتحظى هذه الجلسات بظهور واسع، إذ تُبث مباشرة عبر تلفزيون الأمم المتحدة على الإنترنت، كما تُنشر بيانات المجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين والتقارير الموازية في نهاية المطاف على موقعهم الإلكتروني. وهي تشكل جزءاً من آلية المساءلة والمراجعة الخاصة بأجندة 2030، لكنها ليست سوى قمة جبل الجليد.
وهي تشكل جزءاً من آلية المساءلة والمراجعة الخاصة بأجندة 2030، لكنها ليست سوى قمة جبل الجليد.
تبدأ مشاركة المجتمع المدني في عمليات الاستعراض الوطني الطوعي قبل وقت طويل من اعتلاء الحكومات المنصة في نيويورك. فأجندة 2030 تنص على أن تكون كل من عملية التنمية وعملية إعداد تقارير الاستعراض الوطني الطوعي «بقيادة وطنية». ومن ثم، ينبغي أن تكون مشاركة المواطنين عملية مستمرة، بحيث تكون منظمات المجتمع المدني منخرطة في البحث والرصد والمناصرة وصياغة السياسات وعمليات التقييم على أرض الواقع. وتأتي المراجعة العلنية في نيويورك في ختام هذه العملية، في ظل أوجه قصور كبيرة في تنفيذ أجندة 2030 وأهداف التنمية المستدامة المندرجة ضمنها.
على المستوى الوطني، تشكل العديد من المجتمعات المدنية ائتلافات وطنية، وتنظم مشاورات شاملة وتشاركية في إطار عملية الاستعراض الوطني الطوعي، فيما يطوّر بعضها تقارير موازية. وفي معظم الحالات، تعكس المداخلات ذات الدقيقتين للمجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين ما لا يقل عن ثلاثة أشهر من التعاون المسبق الذي ينظمه منسقون متطوعون لهذه المجموعات.
ويتطوع ممثلو المجتمع المدني ضمن مختلف المجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين ليكونوا جزءاً من مجموعات عمل خاصة بكل دولة. ويعملون وفق توجيهات مشتركة لضمان الاتساق في الشفافية والشمول والاستقلالية. ومن خلال التشاور وتوحيد المسودات، يحدد المشاركون في مجموعات العمل بشكل مشترك الأولويات والتوصيات عبر التبادل والحوار على الإنترنت. ومن الناحية المثالية، يختارون متحدثاً باسمهم من بين أعضاء مجموعة العمل الحاضرين في المنتدى السياسي رفيع المستوى في نيويورك لتقديم البيان المكثف في دقيقتين. وقدمت هذا العام ثماني دول عربية استعراضاتها الوطنية الطوعية: الجزائر، والبحرين، ومصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، والصومال، وتونس، والإمارات العربية المتحدة.
القيود
كان الإنجاز الذي تحقق مع أجندة 21 عام 1992، والذي أسس للمجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين، قد تصور مشاركة ذات معنى في عمليات صنع السياسات من خلال انخراط منظم ذاتياً ومتعدد أصحاب المصلحة بوصفه معياراً عاماً على مستوى المنظومة. غير أن المصطلح العام الذي تستخدمه الأمم المتحدة، «الانخراط»، لوصف علاقات المجتمع المدني في منتديات السياسات، لا يحدد طبيعة العلاقة أو جودتها بشكل واضح.
ومع ذلك، فقد كانت مشاركة المواطنين في الشؤون العامة موضوعاً واسعاً للنقاش والبحث في العلوم الاجتماعية على مدى ستة عقود على الأقل، مع تصنيف مستويات وأشكال المشاركة المختلفة. وتتراوح هذه المستويات من عدم المشاركة، بما في ذلك الإقصاء والتلاعب و«المعالجة»، إلى المشاركة الشكلية، كالاكتفاء بالإعلام والاستشارة والتهدئة، وصولاً إلى المشاركة الفعلية لأصحاب المصلحة، بما يشمل الشراكة والتفويض، وأخيراً الرقابة الديمقراطية.
لكن آليات المشاركة على المستوى الوطني التي تقودها سلطات الحكومات المركزية تحولت في كثير من الأحيان إلى مشاركة شكلية بدلاً من مشاركة فعلية وذات معنى لأصحاب المصلحة. وأحياناً ما تقتصر هذه المشاركة على مشاورات شكلية تُجرى في وقت متأخر جداً من عملية إعداد تقارير الاستعراض الوطني الطوعي. كما تعهد العديد من الدول النامية بإعداد هذه التقارير إلى مستشارين خارجيين ووكالات متخصصة من دون إشراك جوهري لأصحاب المصلحة، ولا تدعو إلا منظمات محلية مختارة من بين الجمعيات الخيرية، التي لا تضطلع بأدوار تنموية أو سياسية، والمنظمات التي تستوفي معايير الامتثال غير النقدي.
وفي كل عام، لا يتاح التقرير النهائي للاستعراض الوطني الطوعي المقدم إلى المنتدى السياسي رفيع المستوى إلا قبل انعقاد المنتدى بنحو أسبوعين. وهذه المهلة الضيقة تفرض تحدياً أيضاً على العمليات المنظمة ذاتياً للمجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين لإصدار تقييمات موحدة.
كما تتعرض المشاركة الدولية في المنتدى السياسي رفيع المستوى لمزيد من القيود بسبب حواجز بنيوية، إذ تعرقل حكومة الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة أو ترفض منح التأشيرات لمشاركين دوليين، بمن فيهم منظمات غير حكومية ذات صلة بالسياسات وحتى وفود رسمية لدول، كما حدث عند رفض الولايات المتحدة منح التأشيرات لكامل الوفد الرسمي الفلسطيني عام 2018، وما تلاه من سحب فلسطين لاستعراضها الوطني الطوعي، وكذلك رفض منح التأشيرات من جانب الولايات المتحدة في عام 2025.
وفي ظل تراجع الدعم المقدم للمجتمع المدني، تشكل تكاليف السفر المرتفعة، والحواجز اللغوية، ومتطلبات الاعتماد عوائق إضافية أمام المشاركة الفعلية للمجموعات المدنية. وهذا العام، طلبت الحكومة الأميركية المضيفة أيضاً من طالبي التأشيرات من العديد من الدول إيداع ضمان مالي يتراوح بين 10,000 و20,000 دولار أميركي، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم أصحاب المصلحة المدنيين المعنيين.
تطوير القدرات
إدراكاً لهذه التحديات، ومع السعي الدائم إلى تحسين المناصرة المستندة إلى المعرفة، عمل شركاء تنسيقيون مثل شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) وشبكة حقوق السكن والأرض التابعة للتحالف الدولي للموئل (HIC-HLRN) على مدى السنوات على تسهيل مساحات الحوار والتبادل للمجتمع المدني في غرب آسيا وشمال أفريقيا، بهدف تطوير مساهمات كفؤة وذات صلة بالاستعراضات الوطنية الطوعية في المنتدى السياسي رفيع المستوى.
ويتعاون أعضاء شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية والتحالف الدولي للموئل سنوياً مع الحلفاء لتقديم مساهمات في العمليات الإقليمية السابقة للمنتدى السياسي رفيع المستوى، بما في ذلك المنتدى العربي للتنمية المستدامة السنوي. ويشكّل الحوار الإقليمي للمجتمع المدني حول التنمية المستدامة إحدى هذه المساحات، وقد جمع في عام 2026 ما لا يقل عن 100 ممثل عن المجتمع المدني للتداول مع الدول والأكاديميين والوكالات المتخصصة بالتنسيق مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومسار المنتدى العربي للتنمية المستدامة.
ويشكّل كل من المنتدى العربي للتنمية المستدامة والمشاورات الإلكترونية الخاصة بكل دولة والمتعلقة بالاستعراضات الوطنية الطوعية، إلى جانب الأنشطة المستمرة لتطوير قدرات المجتمع المدني، جوهر المقاربات التشاركية للتنمية الموجهة بأجندة 2030، وتسهم في بناء الكفاءة في الرصد والتقييم. وتشكّل معايير الاقتصاد السياسي وحقوق الإنسان أساس التفكير النقدي لأصحاب المصلحة في المجتمع المدني بشأن مدى الاتساق مع المعايير المعمول بها وأفضل الممارسات في كل سياق وطني. وفي الوقت نفسه، يعمل شركاء المجتمع المدني أيضاً على تعزيز المقاربات الإقليمية لأولويات التنمية المشتركة، مثل العوائق التي يفرضها تغير المناخ على التنمية وأزمات النزوح الممتدة في مختلف أنحاء المنطقة العربية.
وفي جميع عمليات الاستعراض الوطني الطوعي، تتطلب كفاءة المجتمع المدني الاستقلال عن الحكومة، والخبرة الموضوعية، والمعرفة بحقوق الإنسان في التنمية بما يتسق مع التزامات الدولة ذات الصلة. وفي هذا السياق، ينبغي للمجتمع المدني العربي أن يضمن التزام ممثليه بنزاهة المواقف المتفق عليها جماعياً، وتجنب التحرير أو التخفيف الأحادي للمضامين، وإعطاء الأولوية لمصالح القاعدة الأوسع على الظهور التنظيمي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال المشاركة في مساحات التنسيق، مع التأكيد على أهمية المساءلة والدعوة المستمرة إلى بيئة تمكينية.
ولا يقيّد هذا الاجتهاد التحليلي فقط ضيق الوقت المتاح للتعبير، بل كذلك جملة من المخاطر في السياق الجيوسياسي. ومن بينها عدم ارتباط بعض المشاركين في المجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين وبعض المتحدثين بموضوع الاستعراض الوطني الطوعي، والرقابة الذاتية لدى من يسعون إلى كسب رضا حكومات دولهم، وكذلك لدى من يعبّرون عن خشيتهم من التعرض لإجراءات انتقامية عند عودتهم إلى بلدانهم.
الإرادة السياسية والمساءلة
لطالما كانت «المساءلة» قيمة كثيرة التكرار في سياق الأهداف الإنمائية للألفية السابقة، التي سبقت الأهداف الحالية وأدوات الرصد، وكذلك في سياق أهداف التنمية المستدامة التي تمثل تحسناً كبيراً عليها.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مساءلة الموظفين العموميين، والجهات الفاعلة خارج الحدود الإقليمية، والمرتكبين المسؤولين عن الانتهاكات الصريحة، إلى جانب ضمان جبر الضرر المستحق لضحايا الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالتنمية، تمثل رادعاً أساسياً لمنع المزيد من التراجع، رغم الجوائح أو انهيار الأنظمة.
ومن دون أن تكون المساءلة والمسؤولية القانونية في صميمها، فإن أجندة 2030 محكوم عليها بالفشل، وهو ما يؤكد استمرار الحاجة إلى آليات وعمليات مناسبة للرصد والرقابة. وقد صُممت هذه التدابير لتفعيل الشفافية والمقاربات التشاركية من خلال ضمان وصول المجتمع المدني في الوقت المناسب وبشكل موثوق إلى البيانات والمعلومات، واستخدامها، والحفاظ على استقلاليته في التعامل معها وسلامتها.
ومع كون المنتدى السياسي رفيع المستوى آلية موازية لتبادل المعلومات، فإن مجموعة مؤشرات أجندة 2030 وتقارير الاستعراض الوطني الطوعي وأدوات مساءلتها تشكل عناصر أساسية لقياس التقدم أو التراجع في التنمية. ومع اقترابنا سريعاً من الموعد النهائي لأجندة 2030، ما زلنا بعيدين جداً عن تحقيق الالتزامات المؤقتة والطوعية لأجندة 2030، فضلاً عن الالتزامات السابقة والدائمة والملزمة للدول ذات الصلة، رغم الوعود المتكررة بمواءمة الاثنين.
وتتطلب المرحلة الحالية مراجعة نقدية للتجربة والدروس المستخلصة من تقارير الاستعراض الوطني الطوعي ومن عمليات المنتدى السياسي رفيع المستوى الأوسع. وإذا كان من الممكن حقاً تحقيق هدف «تحويل عالمنا» بما يدفع الحضارة إلى الأمام، فإن نظام التنمية العالمي يحتاج إلى تقييم نقدي قائم على الحقوق وإلى توصيات من جانب المجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة الآخرين، لأن ذلك لا يبدو أنه سيأتي من معظم الدول.
التطلع إلى ما بعد 2030
في صميم الآمال المتعثرة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة الطموحة في منطقتنا يكمن الغياب المستمر للإرادة السياسية والمساءلة على مستوى الحوكمة الوطنية والإقليمية. ويتجلى ذلك في الطريقة التي تحولت بها العديد من الاستعراضات الوطنية الطوعية إلى تمارين علاقات عامة، غالباً في شكل تقارير براقة لكنها غير صادقة، وعروض تقدم عبر مقاطع فيديو تروج لمشاريع البنية التحتية والسياحة في المنتدى السياسي رفيع المستوى، بدلاً من نقاش حقيقي يحدد الأسباب الجذرية لتحديات التنمية المستدامة ويعالجها.
وفي الوقت نفسه، أصبحت مشاورات المجتمع المدني فضاءً للمشاركة الانتقائية للمنظمات غير الحكومية التي تنظمها الحكومات (GONGOs)، وفي المنطقة العربية المنظمات غير الحكومية التي تنظمها المؤسسات الملكية (RONGOs). وفي المقابل، يعمل مفهوم «تعدد أصحاب المصلحة» السائد حالياً على دمج المصالح العامة والمتعددة والخاصة في كتلة واحدة، لكنه في التطبيق يهمش الأصوات النقدية في المجتمع المدني. وتخنق هذه الظواهر التفكير النقدي المطلوب، والأصوات الأكثر كفاءة واستقلالية والتزاماً بالمصلحة العامة.
وفي ظل غياب المقاربات التي تتمحور حول الناس والآليات «الوطنية» المملوكة محلياً لتنفيذ أجندة 2030 ورصد أداء أهداف التنمية المستدامة وتقييمه، فإن مراجعة التقدم نحو «التنمية المستدامة للجميع» مهددة بأن تتحول إلى مجرد أداء شكلي في المنتدى السياسي رفيع المستوى.
ويظل تطوير القدرات، والتثقيف السياسي، والتدريب على حقوق الإنسان من الأولويات، سواء خلال السنوات القليلة المتبقية من أجندة 2030 أو في نظام التنمية لما بعد عام 2030 وما يرتبط به من عمليات لم تُحدد بعد.
وفي ظل هذه الديناميات، ما زال تحقيق المستوى المطلوب من الشراكة والإنجاز في إطار أجندة 2030 عملاً قيد التطور، ويظل معظم هذا العمل غير مرئي، مدفوناً تحت جبل من جهود الإعداد والتحديات البنيوية.