الصمود لمن؟ آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وفقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - خليل جبارة
الصمود لمن؟
آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026 وفقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
من الجيواقتصاد إلى الصمود
في بداية الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك في تشرين الأول/أكتوبر 2026، أصدر صندوق النقد الدولي نسخة تشرين الأول/أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي. وحمل هذا الإصدار عنوان «الصمود تحت الضغط، خيارات ملحّة».1 ولخّص كبير الاقتصاديين في الصندوق التقرير بالإشارة إلى أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود، لكن هذه القدرة تتعرض لضغوط متزايدة.2
قبل عام، وصف إصدار تشرين الأول/أكتوبر 2025 عالمًا يتكيّف مع «تزايد الحمائية والتشرذم».3 وقد هيمنت الرسوم الجمركية والعقوبات واستخدام التجارة أداةً للقوة على الاجتماعات. في العام الماضي، هيمن الجيواقتصاد على النقاش؛ أما اليوم، فيهيمن مفهوم الصمود.
يستحق هذا التحول التوقف عنده. فالجيواقتصاد يشير إلى القوة، ويطرح سؤالًا حول من يفرض التكاليف على من ولماذا. أما الصمود، فيشير إلى القدرة على التحمل. ويوحي الاختلاف بين موضوعَي التقريرين بأن النقاش انتقل من أسباب المعاناة إلى إدارة نتائجها.
ماذا يعني الصمود الاقتصادي؟
الصمود مصطلح يُستخدم كثيرًا، ولكن غالبًا من دون تحديد دقيق لمعناه. ويمكن النظر إلى الصمود الاقتصادي بوصفه قدرة النظام الاقتصادي على الاستمرار في أداء وظائفه خلال الصدمات، مهما كان حجمها. وما يهم في هذا المفهوم أنه يُقاس على مستوى النظام ككل: الناتج الوطني والتجارة والاستقرار المالي. لكنه لا يقول شيئًا عن أثر هذا الصمود على الناس. فقد يكون النظام قادرًا على الصمود حتى عندما تعجز مجموعات كبيرة داخله عن ذلك. وهكذا، قد يبدو الاقتصاد صامدًا من حيث الأصول، لكنه ليس كذلك من حيث أوضاع الناس.
رواية صندوق النقد الدولي عن الصمود: الطاقة والذكاء الاصطناعي
وفقًا لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2026، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود لأن أسواق الطاقة استطاعت التكيّف. فلم يؤدِّ إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة نفطية حادة كانت ستدفع أسعار النفط إلى مستويات تاريخية. فقد أُعيد توجيه الإمدادات، وارتفع الإنتاج في مناطق أخرى، وانخفضت المخزونات.
أما السبب الثاني فهو طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، التي دعمت التجارة وتكوين رأس المال وعوّضت جزئيًا أثر صدمة الطاقة. وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي: «لدينا الآن اقتصاد يقف على ساق واحدة، هي ساق الذكاء الاصطناعي».4 لكن التقرير لم يسلّط الضوء على التركّز الشديد لاستثمارات الذكاء الاصطناعي في عدد محدود من البلدان. فعلى سبيل المثال، تستحوذ الصين والولايات المتحدة على أكثر من 75% من صافي واردات أجهزة الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وعلى 57% من مراكز البيانات الجديدة التي أُنشئت منذ عام 2024، فيما توفر تايوان وكوريا الجنوبية 62% من صافي صادرات أجهزة الذكاء الاصطناعي.5
تكمن المشكلة في هذه الرواية الإيجابية عن صمود الاقتصاد العالمي في أن هذا الصمود لا يتوزع بالتساوي. فأحد مصادره هو تكيّف أسواق الطاقة، الذي حمى الاقتصاد العالمي من خلال تحويل مسارات الإمدادات بعيدًا عن مضيق هرمز. ولكن ماذا عن البلدان المستوردة للطاقة؟ وماذا عن الاقتصادات التي لا تستفيد من استثمارات الذكاء الاصطناعي؟
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قلب الصدمة
يحدد إصدار تشرين الأول/أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي منطقة الشرق الأوسط بوصفها المصدر الرئيسي للمخاطر السلبية التي تهدد التوقعات الاقتصادية العالمية. ويحذّر من أن «استمرار حالة الجمود أو حدوث مزيد من التصعيد في الشرق الأوسط» قد يُبقي أسعار الطاقة والغذاء مرتفعة ومتقلبة، ويؤدي إلى عودة التضخم ويُضعف الموازين المالية والخارجية.6
وبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشًا بنسبة 2.0% في عام 2026، يليه نمو بنسبة 7.0% في عام 2027. ومن المتوقع أن يبلغ التضخم 14.9% في عام 2026، ارتفاعًا من 12.8% في عام 2025، قبل أن يتراجع إلى 11.0% في عام 2027.7
ويُعزى الانكماش والانتعاش اللاحق إلى إنتاج المحروقات ومسارات تصديرها، فيما تفترض توقعات التعافي استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز في عام 2027 وعودتها تدريجيًا إلى طبيعتها.8
يشكّل التضخم الذي يقترب من 15% القناة التي تتحول من خلالها الحرب الإقليمية إلى أزمة على مستوى الأسر. فالأسر الفقيرة تنفق حصة أكبر من ميزانياتها على الغذاء والطاقة، ولا تمتلك أصولًا ترتفع قيمتها مع التضخم. ولذلك، فإن تضخمًا بهذا الحجم يعمل كضريبة تنازلية تثقل كاهل الفقراء بصورة أكبر.
يمثل التضخم مصدر قلق بالغ. فوفقًا لتحديث الفقر العالمي الصادر عن البنك الدولي في أيلول/سبتمبر 2026، «لا يزال التقدم المحرز في الحد من الفقر المدقع متفاوتًا بشدة. فالمعدلات تقل عن 5% في جميع المناطق باستثناء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وتظل مرتفعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى».9 وفي وقت سابق من هذا العام، حدّث البنك الدولي أيضًا بيانات الفقر المدقع لمنطقة الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان، فرفع معدل الفقر المدقع من 11.8% إلى 14.4%، ما أضاف نحو 21 مليون شخص. وأشار البنك الدولي إلى أن هذه هي المنطقة الوحيدة التي ارتفع فيها المعدل خلال السنوات الأخيرة. وهذه الأرقام تعود إلى ما قبل الحرب مع إيران.10
المشكلة في جميع هذه التوصيفات أنها تتجاهل العامل البشري. فوفقًا لتعريف صندوق النقد الدولي، يكون الاقتصاد صامدًا إذا تمكن النمو واستقرار الأسعار والاستقرار المالي من تجاوز الصدمة. ولكن ماذا عن الناس؟ هل يستطيعون هم أيضًا تجاوزها؟ هذه هي القضية الأساسية. فالأثرياء يمتلكون عادةً احتياطيات وموارد تساعدهم على تحمل الصدمات. ولديهم هامش من المرونة، مثل القدرة على تأجيل المدفوعات. أما الفقراء، فيفتقرون إلى هذه المرونة. وإذا تركز التعافي في الصادرات كثيفة رأس المال، فإن الأضرار والخسائر تتركز لدى الأسر التي لا تمتلك أي احتياطيات.
يقدم لبنان مثالًا توضيحيًا. فبعد الانهيار المالي عام 2019، أُشيد على نطاق واسع بقدرة المجتمع اللبناني على الصمود. لكن هذا الصمود كان يعني عمليًا أن الأسر تحملت الخسائر من خلال الهجرة والتحويلات المالية واستنزاف المدخرات، مع دعم محدود من الدولة. وفي هذه الحالة، يعني الصمود نقل المخاطر من المؤسسات إلى العائلات.
نحو صمود يضع الإنسان في المركز
يقيس صندوق النقد الدولي الصمود بمؤشرات مادية: براميل النفط التي أُعيد توجيهها، والمخزونات التي جرى السحب منها، ومراكز البيانات التي بُنيت، والناتج الذي ينخفض ثم يتعافى. ووفقًا لهذا المقياس، اجتاز الاقتصاد العالمي اختبار عام 2026. لكن أي مقياس للصمود لا يسأل عما حدث للناس يتجاهل السؤال الأهم.
لقد تجاوز العالم ارتفاع أسعار النفط، لكن الناس هم من يدفعون ثمنه. فقد امتص الاقتصاد العالمي الصدمة بخسائر محدودة نسبيًا في النمو، لكن الأسر شعرت بها من خلال ارتفاع أسعار البنزين وغاز الطهي والخبز والنقل. وبالنسبة إلى أسرة في القاهرة أو عمّان أو بيروت، لا يوفر استمرار النمو العالمي أي عزاء عندما لا تعود الميزانية الشهرية كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية. فالاقتصاد الذي يحافظ على إنتاجه بينما يصبح أفراده أكثر فقرًا وتعرضًا للمخاطر ليس اقتصادًا صامدًا. ووصفه بالصمود أمر مضلل؛ فهو واجهة تحجب الجهة التي تحملت فعليًا كلفة الصدمة.
يعتمد عدد الأشخاص الذين يتحملون هذه الكلفة على الدولة. فالصدمة نفسها قد تؤدي إلى نتائج مختلفة جدًا بحسب استجابة الدولة. فعندما تحمي الدولة الفقراء، وتحافظ على استمرارية الخدمات الأساسية، وتوزع الأعباء بصورة عادلة، فإنها تحدّ من الأضرار التي تلحق بالأسر وتساعد على وصول آثار التعافي إليها. أما عندما يُترك الناس لمصيرهم، فإن الصدمة تصيب ميزانيات الأسر مباشرة، وتستمر الأضرار طويلًا بعد تحسن المؤشرات الاقتصادية. وقد أظهر لبنان ذلك بعد عام 2019. فالصمود الذي جرى الإشادة به كان صمود عائلات تُركت وحدها، وأصبح البلد أكثر هشاشة أمام كل صدمة لاحقة.
لهذا السبب، يعتمد الصمود على قوة الدولة والحوكمة أكثر مما يعتمد على أسواق الطاقة أو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فالدولة التي تجمع الإيرادات بصورة عادلة، وتوفر الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية، وتخضع للمساءلة أمام مواطنيها، تمنح الناس شبكة أمان لا يمكن لأي إعادة توجيه لإمدادات النفط أن توفرها. أما الدولة الضعيفة أو الخاضعة لسيطرة المصالح الخاصة، فتحوّل كل صدمة خارجية إلى أزمة داخلية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان الفقر المدقع يرتفع حتى قبل الحرب، سيحدد الفرق بين هذين النوعين من الدول من سيخرج من عام 2026 أكثر فقرًا.
حمل تقرير صندوق النقد الدولي عنوان «الصمود تحت الضغط: خيارات ملحّة». لكن الضغط الحقيقي يقع على الناس، والخيار الملحّ يتعلق بالحوكمة. فمن دون دول تحمي مواطنيها، قد يتعافى الاقتصاد بينما لا يتعافى الناس. وهذا ليس صمودًا.
المراجع
1. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تشرين الأول/أكتوبر 2026: الصمود تحت الضغط، خيارات ملحّة، واشنطن، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026. المصدر
2. صندوق النقد الدولي، «نص المؤتمر الصحافي بشأن آفاق الاقتصاد العالمي خلال الاجتماعات السنوية 2026»، بانكوك، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026. المصدر
3. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تشرين الأول/أكتوبر 2025: الاقتصاد العالمي في حالة تغير مستمر والآفاق لا تزال قاتمة، واشنطن، تشرين الأول/أكتوبر 2025. المصدر
4. كريستالينا جورجييفا، تصريحات خلال فعالية للجنة بريتون وودز، بانكوك، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026. المصدر
5. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تشرين الأول/أكتوبر 2026، الفصل الأول.
6. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تشرين الأول/أكتوبر 2026، الفصل الأول.
7. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تشرين الأول/أكتوبر 2026، الملحق الإحصائي.
8. صندوق النقد الدولي، «المؤتمر الصحافي بشأن آفاق الاقتصاد العالمي»، المركز الإعلامي لصندوق النقد الدولي، بانكوك، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026، mediacenter.imf.org.
9. البنك الدولي، «تحديث الفقر العالمي لشهر آذار/مارس 2026: بيانات جديدة وأرقام محدّثة للفقر»، مدونة بيانات البنك الدولي، 26 آذار/مارس 2026. المصدر
10. البنك الدولي، المذكرة الفنية رقم 50 لرصد الفقر العالمي: تحديث آذار/مارس 2026 لمنصة الفقر وعدم المساواة، واشنطن، 2026، openknowledge.worldbank.org.
احدث المنشورات