تحوّلات المجتمع المدني العربي ومصائره في زمن القسوة
تحوّلات المجتمع المدني العربي ومصائره في زمن القسوة
بقلم عبد الباسط بن حسن
متى تنتهي مأساة إنكار وجود المجتمع المدني في بلداننا وعدم الاعتراف بدوره؟
إن الفضاء الاجتماعي في بلداننا يزداد شدّة على منظمات المجتمع المدني، بالتضييق تارة والتهميش طورًا. كما تختنق الأصوات المدنية تحت نير العراقيل القانونية والسياسية، إضافة إلى التخوين، وتعيش المشاريع على الخوف من الفناء واستحالة استدامة رؤاها وأثرها ومواردها.
لقد شهدت البلدان العربية في العقود الأخيرة، وبنسب متفاوتة، ولادة منظمات المجتمع المدني وتطورها وتنوعها. وتمكنت المنظمات بفضل نشاطها ونضاليتها من توسيع هامش وجودها في مجتمعاتها والتحول إلى قوة نقد واقتراح وتربية وتثقيف. كما ساهمت في محاولة تحويل الفضاء المدني إلى جزء من الفضاء الاجتماعي يؤثر فيه من خلال تطوير القوانين والسياسات وأنسنة المجتمعات برؤية تعتمد قيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة.
ولكن هذا التطور بقي محدودًا واصطدم بحركة مدّ وجزر متواصلة، وبتقلبات تاريخية منعت مفهوم المجتمع المدني من الاستقرار في ثقافة مجتمعاتنا، وحالت دون تحويل رسالته ورؤاه وبرامجه إلى عنصر من عناصر الخطابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
كما تشهد بلداننا أشكالًا عديدة من محاصرة العاملين والعاملات في الفضاء المدني، من انتهاك لحرية النشاط والاجتماع والتنقل واعتقال تعسفي وحطّ من الكرامة وتشويه للصورة وتخوين وتكفير واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.
لقد حُرمت مجتمعاتنا من قوة مدنية هامة بسبب استشراء ثقافة الاستبداد والمنع ورفض التنوع والمشاركة والمواطنة. وساهم عدم الاعتراف بالفضاء المدني عنصرًا أساسيًا من عناصر تغيير الفضاء الاجتماعي وأنسنته في تعطيل قيام دولة القانون.
إننا نعيش على وقع مأزق تاريخي نتغنى فيه بمحاسن التنمية الإنسانية المستدامة ونسعى إلى تقدم حضاري منشود، في حين تخضع قوى اجتماعية كبرى إلى تقييد المشاركة في بناء المستقبل من خلال المنظمات غير الحكومية والنقابات والحركات الاجتماعية والمبادرات المواطنية المتعددة، وتزداد هذه العطالة التاريخية حدّة وبلدان منطقتنا تمر بمنعطف حاسم في تاريخها الحديث.
فعلى الرغم مما تزخر به معظم البلدان من إمكانات وطاقات بشرية وطبيعية مهمة، فإنها تشهد أزمات تعوق مسارات التنمية المستدامة وآفاقها. ويكشف الواقع عن مشكلات كبرى، من بينها الفقر والإقصاء والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية، وغياب المشاريع الإصلاحية، وضعف الحوكمة، وعدم إدماج فئات واسعة من السكان، كالنساء والشباب والأقليات والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما تعاني بلداننا من غياب التوزيع العادل للثروة، ومن عدم إرساء أنظمة سياسية ديمقراطية وسياسات عمومية تحافظ على البيئة وتعالج مظاهر الإخلال بجودة الحياة. وتزداد هذه الصعوبات خطورة في ظل النزاعات والحروب التي تشهدها بلدان عديدة، وقد أدت إلى تدمير البنى التحتية، وإفقار أعداد هائلة من السكان، وسقوط ضحايا، ونزوح وتهجير.
وتحول هذه الأزمات والمشكلات دون إحراز بلدان المنطقة تقدمًا حقيقيًا في مؤشرات التنمية المستدامة بمختلف أبعادها.
وقد شهد عدد كبير من البلدان، خلال السنوات الأخيرة، دعوات متعددة إلى إجراء إصلاحات قانونية ومؤسسية تضمن الخروج من هذه الأزمات وبناء مجتمعات أكثر عدلًا وإدماجًا وديمقراطية ومساواة. وأسهم ظهور الحركات الاجتماعية، ولا سيما الشبابية منها، في تعميق هذا المطلب وترسيخه. وهذه الحركات حركات مدنية تطالب بالمواطنة، مستخدمةً أشكالًا نضالية مختلفة، من بينها العمل الجمعياتي وشبكات التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، ورغم جميع هذه المطالب، لم تتقدم الحركة الإصلاحية على النحو المطلوب. ويمكن تفسير ذلك بغياب الإرادة السياسية والسياسات العمومية القادرة على إحداث تغييرات عميقة في الأطر القانونية والمؤسسية والاجتماعية، بما يكفل تحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات أكثر إنسانية.
إننا نقف اليوم أمام منعطف حضاري. فأزمات التنمية المستدامة في المنطقة نتيجة حتمية لحرمان الإنسان من المشاركة في صنع القرار ووضع السياسات والتحكم في مصيره. هذه الأزمات تتجه بسرعة مهولة نحو ضرب أسس الحياة والعيش المشترك. فما تعيشه مجتمعاتنا من تدهور مريع لمستوى المعيشة وتفقير وضرب لقيمة المنفعة المشتركة وتراجع كبير للسياسات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والنقل والعمل والسكن وعدم قدرة على إيجاد الحلول لمشاكل البيئة والتصحر والموارد الطاقية والمياه، يؤشر على ذهابنا نحو مجتمعات قسوة تكون فيها الإجابة عن أسئلة التنمية والعيش معًا بمزيد من الهيمنة بدل المشاركة وبالإكراه بدل الحوار والتعاون.
واليوم تقف كل الأطراف حائرة وعاجزة عن الإجابة عن الأسئلة المصيرية. وأول هذه الأسئلة: هل سنواصل سياسة بلداننا بنفس الأساليب التي أثبتت عدم قدرتها على بناء مجتمعات الرفاه والأمان والمعرفة بدل مجتمعات الخوف والحاجة والجهل؟
إن الإجابة عن سؤال استدامة الحياة في بلداننا تطرح، في جوهرها، سؤال رؤيتنا للإنسان وسبل تحرير طاقاته. ويقتضي ذلك بالضرورة إعادة تأسيس مجتمعاتنا على قاعدة عقد اجتماعي جديد يقوم على حقوق الإنسان والمواطنة، ويجعل قيم المساواة والحرية والكرامة والعدالة أرضيةً مشتركة تُبنى عليها القوانين والمؤسسات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولا يمكن لهذا أن يتحقق دون اعتراف حضاري ونهائي بدور المجتمع المدني الأساسي في التنمية المستدامة، وتوسيع للفضاء المدني بقوانين وإجراءات وسياسات تدعم المشاركة الواسعة وتزيل القيود المفروضة على المجتمع المدني، وتساهم في بناء تنوعه واستدامته.
أما المجتمع المدني نفسه، فهو في حاجة إلى تفكير جماعي جريء وواسع ومتعدد الأصوات يطرح أسئلة علاقته اليوم بالسلطات والمجتمع وحوكمته الداخلية وأثره في حياة الأفراد والمجتمع.
نحن في حاجة إلى ممارسة جديدة للسلطة تقوم على المشاركة والحوكمة والفاعلية، وفي حاجة أيضًا إلى حركات مدنية تخرج من عزلتها وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يخرج بالحاضر والمستقبل من الخوف والقسوة.
احدث المنشورات