Oct 19, 2021
موقف شبكة المنظّمات العربية غير الحكومية للتنمية من الخطّة الجديدة لمنطقة المتوسّط

موقف شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية من الأجندة الجديدة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط - يمكنكم ايضًا تحميل الملف عبر الضغط هنا


يوم 9 شباط/فبراير 2021، تبنّت المفوّضية الأوروبية مع الممثّل السامي وثيقةً مشتركة بعنوان الخطّة الجديدة لمنطقة المتوسّط. تبدأ وثيقة الشراكة المتجدّدة بنبذة تعود بالقارئ 25 عامًا إلى الماضي، وتحديدًا إلى تاريخ اعتماد إعلان برشلونة والتزام الشريكَيْن بتحويل حوض البحر الأبيض المتوسّط ​​إلى مساحة للحوار والتبادل والتعاون، تضمن السلام والاستقرار والازدهار. وتعترف الوثيقة بالتكامل بين الطرفَيْن وبضرورة العمل من منطلق روح الشراكة بهدف تذليل التحدّيات المشتركة لتُصبح فُرَصًا تخدم مصالحهما المتبادلة.



وعليه، تقترح الوثيقة مجموعةً من الإجراءات التي تتمحور حول خمسة مجالات سياساتية: أ) التنمية البشرية والحكم الرشيد وسيادة القانون، ب) تعزيز القدرة على الصمود وبناء الازدهار واغتنام التحوّل الرقمي، ج) السلام والأمن، د) الهجرة والتنقّل، ه) التحوّل الأخضر: مواجهة آثار تغيّر المناخ والطاقة والبيئة. وبالمقارنة مع مراجعة سياسة الجوار الأوروبية لعام 2015، يتبيّن أنَّ أُفق هذه المجالات السياساتية الخمسة باتَ أوسع مع إضافة مكوّن التنمية البشرية، والانتقال من تحقيق الاستقرار إلى تعزيز القدرة على الصمود، وتوسيع البُعد الأمني ليشمل مكوّن السلام، وأخيرًا وليس آخرًا التركيز على التحوّل الرقمي والتحوّل الأخضر – ما يعكس سياسة المفوّضية الأوروبية العامّة بشأن الاتّفاق الأخضر الأوروبي. وترافقت الخطّة الجديدة مع وثيقة عمل مشتركة مؤلّفة من 10 صفحات في إطار "الخطّة الاقتصادية والاستثمارية للجوار الجنوبي". تتضمّن هذه الوثيقة سلسلةً من الاستثمارات والمشاريع الرئيسية الأوّلية على مستوى عدّة بلدان، أو على المستوى الإقليمي أو في بلد شريك، في سياق أربعةٍ من المجالات الخمسة ذات الأولوية المذكورة أعلاه. وتوضح وثيقةُ العمل المشتركة أنّه يمكن تمويل هذه المبادرات من خلال أداة التمويل الجديدة، أي "أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي (NDICI)"، وأنّها تُعتبَر بمثابة مُقترحات إرشادية وليست شاملة. 



ونُلاحظ، إذا أخذنا في عين الاعتبار كلًّا من الوثيقة المشتركة ووثيقة العمل، وبالأخصّ مجموعة المبادرات الرئيسية والصيغ والأدوات المُقترحة، أنّنا في الواقع أمام خطّة مجدَّدة وليسَت خطّة جديدة. وبدلًا من إجراءات التحوُّل، تُقترَح علينا سلسلة من إجراءات الاستمرار والانتقال. ومع ذلك، بمجرّد النظر إلى المؤشّرات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والثقافية، لا يمكن أن ننكر أنَّ الشركاء في جنوب المتوسّط وعالميًا، بحاجةٍ إلى معالجة التحدّيات الهيكلية والمنهجية. فأوضحت جائحة كوفيد-19 العيوب المنهجية والأساسية ذات الأبعاد المتعدّدة، ويتعيّن على الاتّحاد الأوروبي، كجهة فاعلة عالمية، أن ينتهز هذه الفرصة لاقتراح بدائل مع نهجٍ شاملٍ ومتكاملٍ وقائمٍ على الحقوق. وينبغي أن يُشكِّل هذا النهج همزةَ الوصل المتينة بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية والثقافية. وفي حين أنَّ قائمة الإجراءات الرئيسية هي عبارة عن مُقترحات إرشادية، وبما أنَّ نهج الخطّة الجديدة ونهج المبادرات المُقترَحة ليسَ مُبتكرًا، تطرح "شبكة المنظّمات العربية غير الحكومية للتنمية" الشواغل التالية:



أوّلًا، ينبغي أن تستند عملية تحديد أولويات الشراكة إلى آليةٍ منظَّمة وشاملة وتشارُكية وشفّافة، تضمنُ مشاركة كلّ أصحاب المصالح وتبتعد عن الممارسات المبسّطة والمحدودة والتشاورية. ولضمان إرساء خطّة "جديدة" بدلًا من تجميع وصفات قديمة، ينبغي أن ترتكز هذه الممارسة على إطار حقيقي للرصد والتقييم، من خلال تطوير المعايير القياسية والمؤشّرات ضمن سياق التنمية المستدامة الأوسع. فمن شأن ذلك أن يُساعِد على تحديد الثغرات في التنفيذ، وتطوير إجراءات تحويلية في الاستجابة. لقد تعلَّم الشريكان دروسًا كثيرة خلال ـ25 عامًا من الخبرة، بالإضافة إلى مواجهة تحدّيات التنمية بمختلف أبعادها على مدار عقود. من المؤكّد أنَّ عددًا من هذه الدروس كانَ على المستوى السياساتي، إلّا أنَّ أحد أهمّ الدروس المستخلصة هو أنَّ المبادرات السياساتية المرتكزة في بروكسل لا تؤدّي إلى أكثر النتائج فعّاليةً في الضفّة الثانية من المتوسّط. وينبغي على البلدان الجنوبية الشريكة، التي تفتقر إلى إطار قانوني وتنظيمي يضمن مشاركة المواطنين، أن تستفيد من الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي، المؤسّسة الفريدة من نوعها المبنيّة على تعزيز حقوق الإنسان الأساسية، لضمان الإصغاء إلى الفئات الأكثر تهميشًا والأكثر حاجةً، كي تؤخذ أصواتُها في الحسبان عند تصميم وتخطيط وتنفيذ الأولويات والمبادرات السياساتية.



يعترف الاتّحاد الأوروبي بالتحدّيات الاجتماعية-الاقتصادية التي يواجهها الشركاء في الجنوب، ويتطلّع إلى انتعاشٍ طويل الأمد عن طريق "الخطّة الاقتصادية والاستثمارية للجوار الجنوبي". وفي هذا الصدد، تُعَدّ الاقتصادات القادرة على الصمود والمستدامة والمترابطة، أساسيةً وجوهرية. إلّا أنَّ نقطة الانطلاق لمعالجة التحدّيات الهيكلية والنظامية تكمن في تعزيز القدرات الإنتاجية ودعم المبادرات في البلدان الجنوبية الشريكة، في سبيل الانتقال من اقتصاداتٍ ريعية إلى اقتصاداتٍ وطنية متنوّعة ومنتجة. ولم تسمح السياسات الاقتصادية المُطبّقة في البلدان الشريكة، وسياسات التجارة والاستثمار والخصخصة المُروّج لها في المقابل، بحدوث هذا التحوّل. وإن لم يُعالَج هامش السياسات المحدود بسبب الشروط التي تضعها الجهات الفاعلة الدولية، بما في ذلك إطار التجارة والاستثمار في الاتّحاد الأوروبي، لن تتحقّق الاقتصادات المستدامة. 



وبما يتعلّق بالتنمية البشرية وسيادة القانون والحكم الرشيد، تُشير المبادرات الرئيسية إلى أنَّ الإدارة المدنية والقضائية الفعّالة والعادلة والشفّافة والخاضعة للمساءلة تُساهِم في زيادة الاستدامة والحدّ من ظاهرة عدم المساواة وتعزيز رفاه الجميع. وفي حين أنَّ الإصلاحات والتدابير المُقترَحة لتعزيز الشفافية وضمان عدم ترك أحد ومعالجة التمييز وزيادة المشاركة المدنية، كلّها أمور بالغة الأهمية، يبدأ ذلك باستعادة الدولة والقطاع العام دورهما. فأوضحت جائحة كوفيد-19 أنّه ليس هناك، ولن يكون هناك، بديلٌ عن الدولة. وتتحمّل هذه الأخيرة المسؤولية الرئيسية لناحية ضمان العدالة والكرامة لمواطنيها، ويُعتبَر دورها أساسيًا لضمان التمتّع الكامل بالحقوق والحرّيات. بالتالي، ينبغي على المبادرات في هذه الشراكة أن تسمح للبلدان الشريكة بمعالجة الحوكمة الضعيفة وتطوير مجموعة من السياسات والبرامج في سياق خطّة إنمائية وطنية شاملة للتصدّي لأوجه عدم المساواة والظلم. فإنَّ اعتماد سياسات إعادة التوزيع، مثل النظام الضريبي العادل والمنصف، بما في ذلك ضرائب الدخل التصاعدية والضرائب على الثروة، واعتماد أنظمة حماية اجتماعية شاملة، يأتيان في الطليعة في هذا الصدد. فيجب أن تتمتّع الدولة بالقدرة على القضاء على الأشكال المختلفة للتهرّب الضريبي ووقف التدفّقات الرأسمالية غير المشروعة.



في الوثيقة، يندرج قطاع التعليم وقطاع الصحّة في إطار توفير "خدمات اجتماعية" شاملة وفعّالة وبالمستوى المطلوب من الكفاءة. فاعتبارُ هذه الحقوق الأساسية كخدماتٍ، يجمعُ بين دور المستثمرين في القطاع الخاصّ من خلال آليات المزج، التي ليست آليةً جديدة. ولكنْ، في إطار التمويل المختلط وتعزيز الشراكات بين القطاعَيْن العام والخاصّ، لا يوجد هدف مباشر وصريح لتحقيق التنمية المستدامة وإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان قبل الأرباح. وبما يخصّ القدرة على تحمّل التكاليف، فإنَّ توفير التعليم والصحّة من قِبَل المستثمرين في القطاع الخاصّ ليسَ أمرًا جديدًا في المنطقة بل هو من أهمّ أوجه الظلم وعدم المساواة. وفي موضوع الصحّة تحديدًا، لا يمكن صرف النظر عن الجدال المتعلّق بجائحة كوفيد-19 واللقاح. فقد اعترفَت الوثيقة بأنَّ اللقاحات هي منفعةٌ عالمية مشتركة، وأنَّ التلقيح هو الحلّ الذي سيُساعِد على وضع حدّ للجائحة في جميع أنحاء العالم. وفي حين ذُكِرَت مبادراتٌ لإنشاء آلية لتقاسُم جزء من الـ2.3 مليار جرعة المؤمّنة عن طريق الاتّحاد الأوروبي، إنّما من المهمّ الاعتراف أوّلًا بأنَّ المشكلة لا تكمن في الكمّيات المحدودة من اللقاح فحسب بل في امتناع المصنّعين عن تحرير براءات الاختراع المحميّة بموجب "الاتّفاق المتعلّق بالجوانب المتّصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية" (اتّفاق TRIPS)، على الرغم من أنّهم استفادوا من التمويل العام والإعانات، لإنتاج اللقاحات. فدعمُ قدرة دول الجوار على الحصول على اللقاح هو هدفٌ أساسي، إلّا أنّه ينبغي على الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي والدول الأوروبية الدعوة إلى تحرير براءة الاختراع والسماح لقطاع صناعة الأدوية في البلدان النامية بإنتاج اللقاح وحماية سكّانها.



وبالنسبة إلى قضية الهجرة والتنقّل، لا يختلف موقف الاتّحاد الأوروبي عن الوثائق السابقة. فتندرج مسألة تقديم الدعم للبلدان المُضيفة، وتعزيز قدرات الشركاء في إدارة الهجرة، وإدارة الحدود، ومبادرات البحث والإنقاذ، ضمن المجال الرئيسي الثامن المُخصَّص للهجرة. وفي حين يقترح الميثاق الجديد للهجرة واللجوء المُعتمَد في أيلول/سبتمبر 2020 إطارَ العمل وتعترف الوثيقة بأنَّ الهدف الأساسي هو ضمان حصول الهجرة بطريقة آمنة ونظامية فحسب، تُسلّط منظّمات حقوق الإنسان الضوء على إشكالية أنَّ الميثاق قد يؤدّي إلى تفاقم التركيز على ظاهرة "التخريج" والردع والاحتواء والعودة، ما قد يقوّض الضمانات ويزيد من حالات الاحتجاز. بالتالي، لن تُساهِم هذه الأدوات والمبادرات في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، بل تُساعد على إبقاء "عبء المهاجرين" بعيدًا عن الحدود الأوروبية.



من جهة أخرى، يُرحَّب بالتركيز على السلام الذي يُضاهي التركيز على الأمن. في هذا الصدد، تنصّ الوثيقة على دور الاتّحاد الأوروبي "بصفته شريكًا موثوقًا به، يتمتّع بمكانة فريدة للجمع بين الأطراف المتنازعة، والشركاء الدوليين والإقليميين وكذلك الجهات المعنيّة، مثل الجهات الفاعلة في مجال التنمية الإنسانية وبناء السلام، في حوارٍ حول القضايا الاستراتيجية، وتقليل التوتّرات والمساهمة في الجهود المبذولة لحلّ النزاعات". غير أنَّ الاتّحاد الأوروبي، بما يتعلّق بعملية السلام في الشرق الأوسط المبنيّة على تطبيع العلاقات بين العديد من البلدان العربية وإسرائيل، اختارَ اتّباع أجندة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وتخلّى عن دوره كوسيطٍ محايد لحماية حقوق الفلسطينيين. وبالنسبة للشركاء الجنوبيين، ولا سيّما الفلسطينيين، لا غنى عن دور الاتّحاد الأوروبي، ومن الضروري أن يواصل هذا الأخير، مع مؤسّساته وخصوصًا مع البرلمان الأوروبي، تأدية الدور الإيجابي في سبيل حماية حقوق الفلسطينيين في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي.



لطالما شكَّلَ التحوّل الرقمي والتحوّل الأخضر إحدى أولويات أجندة الاتّحاد الأوروبي، والأمر نفسه ينطبق أيضًا على الوثيقة الجديدة. يتمّ التطرّق إلى مسألة التحوّل الرقمي من خلال (1) الحوكمة والسياسات والأُطُر التنظيمية، و(2) تطوير البنية التحتية ودعم الوصول الشامل إلى شبكات محسّنة وآمنة وذات تكلفة معقولة، و(3) محو الأمّية الرقمية وتطوير المهارات وريادة الأعمال، و(4) الخدمات الرقمية. وتُحدّد الوثيقة هدفًا يتمثّل بتعزيز التحوّل الرقمي المُبتَكَر من خلال تشجيع نشر المنصّات والسياسات، بما في ذلك الحكومة الإلكترونية والصحّة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والوصول الرقمي إلى الثقافة والتراث الثقافي والمهارات الرقمية في التعليم. في هذا السياق، على الاتّحاد الأوروبي أن يأخذ في عين الاعتبار الفجوة الرقمية ومدى استعداد البلدان الشريكة قبل الترويج لأجندة الرقمنة. فهذا مهمّ بشكل خاصّ بما أنّه يمكن للقطاع الخاصّ أن يؤدّي دورًا رئيسيًا في مثل هذه المبادرات، ولكنْ من دون شفافية وآليات مراقبة ومن دون تأمين ضمانات لحماية حقوق الإنسان. في هذا الصدد، يمكن إجراء مسح شامل للحلول الرقمية في البلدان الجنوبية الشريكة، مع جميع أصحاب المصلحة المعنيّين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إنشاء آلية للرصد تهدف إلى مراقبة المشاريع التي توفّر حلولًا رقمية لزيادة مرونة قطاعَيْ الصحّة والتعليم، وضمان أن تكون هذه المشاريع مُصمّمة ومُنفَّذة وفقًا لنهجٍ قائمٍ على الحقوق ومع اعتماد الضمانات الملائمة، بما في ذلك إجراء عمليات تقييم بشأن حقوق الإنسان.



أخيرًا وليس آخرًا، في بداية دورة برمجة "أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي"، فإنَّ تحويلَ الوثيقة المشتركة إلى إجراءاتٍ ملموسة يتطلّب حواراتٍ شاملةً وتشارُكيةً ومنظّمة على المستويَيْن الوطني والإقليمي مع الشركاء والمحاور الإقليمية. وتجدر الإشارة إلى أهمية تبادل المعلومات في الوقت المناسب لإشراك جميع أصحاب المصلحة المعنيّين في التخطيط والتصميم والبرمجة. وفي حين أنَّ الأولويات الواردة في الوثيقة مهمّةٌ من منظور البلدان الشريكة، من الأساسيّ ضمان اعتماد نهج قائم على الحقوق في التنفيذ، والسعي إلى تحقيق التنمية المستدامة عن طريق مجموعة من البرامج والمشاريع التي يدعمها الاتّحاد الأوروبي، ولكنْ ضمن أُطُر الخطط الإنمائية الوطنية.