Jun 07, 2022
مقاربة قانونية لموقف لبنان من استخراج الغاز في المنطقة المتنازع عليها

مقاربة قانونية لموقف لبنان من استخراج الغاز في المنطقة المتنازع عليها - مي حمّود


بعيد التطور الدبلوماسي الأخير الذي سار فيه لبنان عبر توجيه رسالة رسمية من خلال السفيرة آمال مدللي في الأمم المتحدة الى رئيس مجلس الأمن الدولي، حاملةً اعتراضا واضحا على عمليات التنقيب الذي يقوم بها العدو الإسرائيلي في حقل كاريش، معتبرة أنه منطقة متنازعاً عليها، يكون لبنان قد اعتبر رسمياً، ولو متأخراً، أن الخط 29 هو الخط التفاوضي المعتمد، على الرغم من التأخر في تبني الخطوة القانونية المرجوة لتوثيق هذا التقدم على الصعيد الدبلوماسي، من خلال تعديل المرسوم 6433 الذي يعطي الحق للدولة اللبنانية في حال تغيير الإحداثيات الانتقال من الخط 23 إلى 29.



من خلال التدقيق القانوني في الخطوط المطروحة على طاولة المفاوضات، نذكر الخط الموضوع من قبل العدو الإسرائيلي عقب توقيع اتفاق ترسيم الحدود مع قبرص. ولما كانت بعثة الكيان الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة أودعت الإحداثيات الجغرافية لهذا الخط بتاريخ 12/7/2011، كانت هذه الخطوة مجحفة كثيراً للبنان، حيث أدت إلى قضم مساحة كبيرة من المنطقة الاقتصادية الخالصة كما أنها لا تتطابق مع القوانين الدولية؛ ينطلق هذا الخط من النقطة (31) الاعتباطية والتي حددها العدو الإسرائيلي، كما أنه يتبع طريقة خط الوسط حتى مسافة ثمانية عشر ميلا ً بحريا، معطياً بذلك أثراً كلياً لـجزيرة "تخيليت"، وهي عبارة عن صخرة صغيرة لا يتعدى طولها الأربعين مترا ً وعرضها لا يتجاوز العشرين مترا ً وتغمرها المياه في أغلب الأحيان. مما يتعارض مع التوجه العام الذي تعتمده المحاكم الدولية لجهة الحد من إعطاء أثراً غير تناسبياً للصخور الصغيرة، علماً أن هذا التوجه قد تم التأكيد عليه من قبل محكمة العدل الدولية في قضايا عديدة منها "خليج البنغال" و "جزيرة فلفلة" في قضية " ليبيا/مالطا" و "جزيرة جرادة " في قضية "البحرين/قطر"، وأخيراً حكم المحكمة الدولية في النزاع بين "الصومال" و"كينيا" الصادر بتاريخ 12 تشرين الأوّل 2021، حيث اعتبرت هذه الأخيرة أنه من غير المناسب وضع نقاط الأساس على جزر قاحلة وصغيرة لما لذلك من تأثير غير متناسب على خط الوسط، وذلك عبر قرار صريح ولا لُبس فيه حول عدم الأخذ بعين الاعتبار الصخور ذات التأثير غير المتناسب في تحديد خطّ الوسط. وهذا التوجه بالتحديد كان أساساً صحيحاً ارتكز عليه الموقف اللبناني من خلال تبني الخط 29.



أما الخط الذي كان معتمداً في المرسوم، والمعروف ب "خط 23 " والذي أعدته اللجنة الحكومية بتقريرها بتاريخ 29/4/2009، فقد تبناه مجلس الوزراء اللبناني وصدر على أثر ذلك المرسوم 6433/2011، كما أودِعت إحداثياته في الأمم المتحدة. يشوب هذا الخط العديد من العيوب التقنية والقانونية، أبرزها أنه ينطلق من النقطة البحرية (18) والتي تبعد 30 متراً في البحر غرب "رأس الناقورة" التي تُعتَبَر نقطة التقاء الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة. بالتالي، بخلاف ما هو متعارف عليه قانوناً، يبدأ هذا الخط من نقطة انطلاق مختلفة عن نقطة الحدود البرية.



أما الخط "براون"، المعروف بالخط 29، فقد تم ذكره للمرة الأولى منذ العام 2011، أي قبل خمسة أشهر من صدور المرسوم 6433 تاريخ 1/10/2011، حيث كلّفت الحكومة اللبنانية مكتب المملكة المتحدة الهيدروغرافي (UKHO) وضع دراسة للحدود البحرية. وقد وضع المكتب تقريراً بواسطة الخبير جون براون في 17/8/2011 معتبراً أن الخط الذي اعتمدته اللجنة الحكومية اللبنانية والمعلن عنه لبنانياً لدى الأمم المتحدة والذي ينتهي بالنقطة (23) تشوبه العديد من العيوب التقنية والقانونية، وأضاف أن الخط (29) هو خط محصن قانوناً لأنه يستند إلى القانون الدولي، لا سيما قانون البحار والاتفاقيات والأعراف الدولية، وذلك على أساس نقطة انطلاقه من "رأس الناقورة "، بانسجام تام مع القانون الدولي لجهة أنه خط وسط دون احتساب أي أثر لصخرة "تخيليت" في عملية الترسيم.



هذا وقد اعتمدت قيادة الجيش اللبناني الخط 29، وارتكزت عليه في الكتاب الذي أحالته عبر وزارة الدفاع رقم 5918/ غ ع/و تاريخ 27/12/2019 إلى رئاسة مجلس الوزراء مع كامل الملف المتعلق بترسيم الحدود البحرية لإتخاذ القرار المناسب. تماشياً مع الإحداثيات الجديدة، كان التوجه حينها إلى تعديل المرسوم 6433. وقد أعد مشروع مرسوم لتعديل المرسوم 6433، وتم توقيعه من قبل وزير الأشغال في حكومة الرئيس "حسان دياب" "ميشال نجار" ووزيرة الدفاع الوطني "زينة عكر" التي أحالته بكتابها رقم 780/غ ع /و تاريخ 9/3/2020 إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال حينها "حسان دياب" الذي وقعه و رفعه بتاريخ 12/4/2021 إلى رئاسة الجمهورية. إلا أن رئاسة الجمهورية ردت مشروع التعديل، مرجعة السبب إلى أنه يحتاج إلى موافقة الحكومة (وكانت آنذاك حكومة تصريف أعمال) مجتمعة بالنظر إلى أهميته والنتائج المترتبة عليه. وما زلنا ننتظر التعديل حتى اليوم.

 

مي حمّود

باحثة ومسؤولة برامج رئيسية في شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية


نشرت هذه المقالة في جريدة النهار على هذا الرابط